في سياق التوتر المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط، وما رافقه من تصعيد عسكري بين إيران وإسرائيل، عبرت بعض الأحزاب المغربية المعارضة، خاصة ذات المرجعية الإسلامية واليسارية، عن مواقف متضامنة مع الشعب الإيراني، معتبرة أن ما يجري يعكس اختلال موازين القوة في المنطقة واستمرار السياسات الغربية المنحازة.
وهذا الموقف الحزبي بخصوص إيران، أثار نقاشا سياسيا وإعلاميا داخليا حول مدى انسجامه مع الخط العام للسياسة الخارجية المغربية، خاصة في ظل التوتر القائم بين الرباط وطهران، على خلفية اتهامات سابقة بدعم إيران لجبهة البوليساريو عبر حزب الله اللبناني.
وفي ظل هذا التفاعل، تبرز تساؤلات حول قدرة الفاعل الحزبي على التوفيق بين مواقفه الإيديولوجية من جهة، ومقتضيات الالتزام بالخطوط الدبلوماسية الكبرى التي ترسمها الدولة من جهة ثانية، في وقت يتراهن فيه البلاد على دبلوماسية متوازنة تعزز حضورها الإقليمي والدولي دون التفريط في وحدتها الترابية أو سيادتها السياسية.
♦التعددية ضمن الثوابت الوطنية
يعتبر الدكتور بخبزة العمراني، أستاذ العلوم السياسية، أن مواقف بعض الأحزاب المغربية تجاه الصراع الإيراني–الإسرائيلي لا تشكل بالضرورة خروجا عن السياسة الخارجية للمملكة، بل تفهم ضمن هامش التعددية السياسية والاستقلالية التي يتميز بها النموذج المغربي، مشددا في الآن ذاته على أن هذه المواقف، وإن بدت غير منسجمة كليا مع التوجه الرسمي، فإنها لا تخرج عن الثوابت الراسخة التي تؤطر الدبلوماسية المغربية.
البيجيدي يتضامن مع إيران ويحذّر من كارثة نووية تهدد الشرق الأوسط
وفي تصريح لـجريدة “شفاف”، يقول بوخبزة إن “من غير الممكن اعتبار المواقف التي عبرت عنها بعض الأحزاب السياسية المغربية، وخصوصا المعارضة منها، مواقف متعارضة مع السياسة الخارجية للدولة”.
ويوضح المتحدث أن “السياسة الخارجية للمملكة تؤطرها ثوابت محددة بدقة، على رأسها الوحدة الترابية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام الشرعية الدولية، واعتماد الحوار كآلية لحل النزاعات، وهذه الثوابت هي المرجع الذي يحكم مواقف الدولة ومؤسساتها، وكذلك الأحزاب السياسية، رغم تباين رؤاها أو مرجعياتها الفكرية”.
ويؤكد بوخبزة أن المغرب كدولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، “لا يشترط تطابقا تاما بين المواقف الرسمية ومواقف الهيئات الحزبية، لأن ذلك يتنافى مع مبدأ التعددية، بل المطلوب هو عدم الخروج عن الثوابت الكبرى التي تؤطر هذه المواقف”.
ويضيف أن “بعض الأحزاب قد تتبنى مواقف تعاطفية أو تضامنية مع الشعب الإيراني في سياق ما، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انزياحاً عن التوجه الرسمي للدولة، بل يندرج ضمن سقف حرية التعبير السياسي الذي يكفله الدستور المغربي”.
♦مرجعيات الأحزاب وتنوع المواقف
ويرى بوخبزة العمراني، أستاذ العلوم السياسية، أن الاتهامات الموجهة لبعض الأحزاب المغربية بـ”قصر النظر السياسي” في تبنيها مواقف مؤيدة لإيران، رغم معارضة طهران المعلنة للوحدة الترابية للمغرب، تعكس مقاربة اختزالية لا تأخذ بعين الاعتبار تعقيد السياق الحزبي المغربي.
وبين المتحدث أن مواقف الأحزاب لا تبنى على ردود فعل ظرفية أو اعتبارات لحظية، بل تستمد من خلفيات أيديولوجية راسخة، ومن تراكمات تاريخية وأدبيات سياسية خاصة، تشكل في مجموعها البنية المرجعية لكل تنظيم سياسي. ومشددا على أن أي قراءة موضوعية لهذه المواقف تستوجب فهما أعمق لطبيعة التعددية الحزبية المغربية وما تختزنه من تنوع في المرجعيات والتصورات.
التقدم والاشتراكية يدين العدوان على إيران ويحذر من انفجار إقليمي
وأردف بوخبزة أن ربط مواقف بعض الأحزاب المغربية بكونها خروجاً عن توجهات الدولة الرسمية يعد طرحا غير دقيق، مشددا على أن الدولة المغربية نفسها تتيح للأحزاب هامشا واسعا في التعبير عن مواقفها، بما في ذلك في القضايا الشائكة مثل التطبيع أو الحرب في غزة. مضيفا أن هذا التعدد في المواقف يعكس طبيعة النموذج المغربي القائم على التعددية والتوازن بين استقلالية الفاعلين الحزبيين وثوابت الدولة المركزية.
♦النموذج المغربي والحرية السياسية
وفي هذا الإطار، يؤكد بوخبزة أن انتقادات بعض الأحزاب المغربية لسياسات دول مثل إسرائيل، أو دعواتها إلى مقاطعة التطبيع، لا تعد خرقا لثوابت السياسة الخارجية، بل تفهم ضمن سياق التعددية السياسية التي يتميز بها المغرب، والتي تتيح للأحزاب التعبير عن مواقفها وفق مرجعياتها واختياراتها الإيديولوجية، دون المساس بالإجماع الوطني.
وأظهر بوخبزة أن الدولة المغربية لو اعتبرت هذه المواقف الحزبية مخالفة لسياستها الرسمية، لكانت فرضت قيودا أو منعتها كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، مشيرا إلى أن النموذج المغربي يميز نفسه بمنح هامش واسع من الحرية السياسية، وهو عامل جوهري للحفاظ على التوازن السياسي الداخلي ويعكس خصوصية التجربة السياسية الوطنية.
ويشدد بوخبزة على أن المواقف الحزبية، رغم اختلافها وتنوعها، تحترم الثوابت الوطنية التي تشكل الخطوط الحمراء في السياسة المغربية، موضحا على أنه لا يوجد حزب سياسي مغربي ينكر مغربية الصحراء أو يهاجم بشكل علني الخيار الملكي في الدبلوماسية، ومشيرا إلى أن هذه ثوابت واضحة تحترمها جميع التشكيلات السياسية، حتى تلك التي تصدر بيانات داعمة لإيران أو تنتقد السياسات الغربية في المنطقة.
♦تعاطف ظرفي لا انحياز
كشف بوخبزة أن بعض الأحزاب، خاصة ذات التوجه الإسلامي، تحافظ على علاقات إيجابية مع إيران رغم مواقفها العدائية تجاه المغرب، وذلك انطلاقاً من مواقف مبدئية تركز على مكافحة الإمبريالية ودعم الشعوب المضطهدة مثل الشعب الفلسطيني.
ولفت إلى أن هذا التعاطف يعتبر موقفا تضامنيا مؤقتا وليس تأييدا كاملا للنظام الإيراني. مشيرا إلى أن ذلك لا يعني غياب الوعي الاستراتيجي، بل يعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات وسبل التعبير عن المواقف.
وجدد بوخبزة تأكيده على أهمية إدراك أن سلوك الأحزاب السياسية يجب أن يفهم ضمن السياق المغربي المميز، مشيرا إلى أن المغرب ليس دولة ذات حزب وحيد أو صوت سياسي موحد، بل هي دولة تحترم التعددية السياسية.
حزب “النهج الديمقراطي ” يصطف مع إيران في حربها ضد إسرائيل ويهاجم الإدارة الأمريكية
وأوضح أنه رغم اختلاف أساليب التعبير السياسي بين الأحزاب، إلا أن الثوابت الوطنية تظل حجر الزاوية الذي لا يتجاوز، سواء من الدولة أو من الأحزاب. ومضيفا أن هذه المواقف لا يمكن اعتبارها قصوراً في الرؤية، بل هي جزء أصيل من الديناميكية السياسية المغربية بتعقيداتها وتوازناتها الخاصة.
وأنهى بوخبزة تصريحه بالإشارة إلى أن المغرب يختلف عن بعض الدول التي تقيد حرية التعبير السياسي، إذ يتيح مجالا واسعا للتعدد والاختلاف، في إطار يحترم الثوابت الوطنية، ما يعكس نضجا ديمقراطيا متقدّما واستقرارا سياسيا راسخا.

