أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن البحث العلمي يشكل رافعة استراتيجية أساسية لتعزيز السيادة الوطنية ودعم تنافسية الاقتصاد المغربي، مشيرا إلى أن قدرة الدولة على إنتاج وتثمين وتوظيف المعرفة العلمية أصبحت مؤشرا رئيسيا على مدى قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية.
ودعا المجلس، في رأيه الأخير حول البحث العلمي والتطوير والابتكار، إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة تضمن التنسيق بين مختلف الفاعلين وتوجيه الموارد نحو أهداف واضحة وفعّالة.
وأوضح التقرير أن أنشطة البحث العلمي تهدف إلى إنتاج المعرفة والتقنيات والآليات الاقتصادية والاجتماعية، وفق منهجية قائمة على الصرامة العلمية والنزاهة والنشر والمراجعة العلمية.
وحسب رأي المجلس تُمارَس هذه الأنشطة داخل الجامعات والمؤسسات العمومية والخاصة عبر فرق بحثية ومختبرات ومراكز دراسات وشبكات بحث مشتركة، وتشمل مختلف التخصصات من العلوم الدقيقة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، لما توفره هذه المجالات من أدوات لفهم السلوك البشري وتوجيه الابتكار وصياغة استراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأبرز التقرير أن المغرب حقق تقدماً ملموساً في بناء منظومته الوطنية للبحث والابتكار، إذ ارتفع عدد المنشورات العلمية المفهرسة في قاعدة بيانات “سكوبوس” من 3,966 في 2013 إلى 14,961 في 2023، فيما بلغ عدد الأساتذة الباحثين 23,293 في الموسم الجامعي 2023-2024 مقارنة بـ14,202 في 2014-2015.
وأسفر هذا التوسع، وفق المصدر عينه، عن نتائج استراتيجية، شملت تطوير وتسويق أدوية مبتكرة، وتحسين العمليات في الصناعات الاستخراجية، وتطوير تقنيات دقيقة مثل الطائرات المسيّرة المدنية والعسكرية.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن المنظومة الوطنية لا تزال تواجه تحديات عدة تحول دون تحويل البحث العلمي إلى قوة فعالة للابتكار والإنتاج، حيث أن ضعف التمويل يشكل عائقا أساسيا، إذ لا تتجاوز النفقات الإجمالية على البحث 0.75% من الناتج الداخلي الخام، بينما يظل التمويل العمومي المصدر الرئيس، ولا تتعدى مساهمة القطاع الخاص 30%، كما لاحظ التقرير ضعف التنسيق بين الفاعلين وتشتت الاستراتيجيات القطاعية، فضلاً عن غياب إطار قانوني واضح لتثمين نتائج البحث وربطها بالاقتصاد.
وأضاف التقرير أن الرأسمال البشري يمثل تحديا إضافيا، إذ يواجه الأساتذة الباحثون عبء الجمع بين التدريس والبحث في ظل غياب نظام خاص للباحثين المتفرغين، فيما تبقى مردودية طلبة الدكتوراه محدودة نتيجة غياب الدعم المالي والتنظيمي الذي يسمح لهم بالتفرغ الكامل للبحث العلمي.
ودعا المجلس إلى اعتماد إصلاحات عاجلة تجعل البحث العلمي في صلب أولويات الدولة، من خلال تعزيز دور المجلس الوطني للبحث العلمي في القيادة الاستراتيجية والتنسيق، وتعديل القانون 01.00 لتوسيع استقلالية الجامعات، وإرساء إطار تحفيزي للباحثين المتفرغين، وضمان تمويل مستدام يصل إلى 3% من الناتج الداخلي الخام بحلول 2030، إلى جانب دعم الهياكل الجهوية لنقل التكنولوجيا وحماية الملكية الفكرية وتشجيع الشركات الناشئة القائمة على البحث العلمي.

