أعادت وكالة التصنيف الائتماني العالمية “Moody’s Ratings” تسليط الضوء على مسار الاقتصاد المغربي، بعدما قررت رفع النظرة المستقبلية المرتبطة بتصنيفه السيادي من “مستقرة” إلى “إيجابية”، مع تثبيت التصنيف عند مستوى “Ba1”، حيث إن هذا التقييم في سياق تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن تدريجي في القوة الاقتصادية والمالية للمملكة، مدعومًا بارتفاع الاستثمارات العمومية والخاصة، وتسارع النمو في القطاعات غير الفلاحية، إضافة إلى استمرار الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويطرح هذا التحول في نظرة وكالات التصنيف مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمدى استدامة هذا المسار الاقتصادي؛ خاصة في ظل استمرار بعض التحديات البنيوية المرتبطة بالمناخ وسوق الشغل ومستويات الدخل، وإن كان يشكل هذا التصنيف الإيجابي اعترافًا دوليًا بصلابة الإصلاحات الاقتصادية بالمغرب، أم أنه مجرد مؤشر مرحلي سيظل رهينًا بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه الدينامية إلى نمو شامل ومستدام خلال السنوات المقبلة.
المغرب يقترب من تحسين تصنيفه الائتماني بفضل الاستثمار والإصلاحات الاقتصادية
❖ مؤشر إيجابي
يعتبر أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن رفع وكالة “Moody’s Ratings” النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي للمغرب من “مستقرة” إلى “إيجابية”، مع الإبقاء على مستوى التصنيف عند “Ba1”، يمثل تطورًا مهمًا في قراءة المؤسسات المالية الدولية لمسار الاقتصاد المغربي.
وأوضح سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التطور لا يعني بالضرورة أن المغرب حصل بالفعل على ترقية فعلية في تصنيفه الائتماني، بل يشير أساسًا إلى تحسن في اتجاه المخاطر السيادية المرتبطة بالاقتصاد الوطني.
وأردف أن تثبيت التصنيف عند “Ba1” يضع المغرب مباشرة أسفل عتبة ما يعرف بدرجة الاستثمار الآمن أو الاستثماري، أي درجة الاستثمار (Investment Grade)، وهي الفئة التي تبدأ وفق منهجية وكالات التصنيف عند مستوى “Baa3”.
ولفت المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، إلى أن هذه الدرجة تعد معيارًا أساسيًا لدى المستثمرين الدوليين لأنها تعني أن الدولة المقترِضة تصنف ضمن الاقتصادات ذات المخاطر المنخفضة نسبيا.
وفي لغة الأعمال، يرى المتحدث أن المغرب انتقل من خانة “الاستقرار الحذر” إلى خانة “المرشح الجدي للترقية”، أي أن الاقتصاد المغربي أصبح ينظر إليه باعتباره اقتصادًا يتحسن مساره الائتماني، لكنه لم يعبر بعد الخط الفاصل الذي يسمح له بالدخول رسميًا إلى نادي الاقتصادات المصنفة ضمن فئة الاستثمار الآمن.
❖ دلالات القرار
يبرز أمين سامي أن قرار وكالة “Moody’s Ratings” يحمل ثلاث دلالات اقتصادية ومالية أساسية تعكس قراءة أعمق لمسار الاقتصاد المغربي خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن الدلالة الأولى ترتبط بطبيعة الأسس التي اعتمدتها الوكالة في تعديل نظرتها المستقبلية، فبحسب سامي، لم تكافئ الوكالة المغرب على خطاب سياسي أو ظرفية اقتصادية عابرة، بل استندت إلى تحسن تدريجي في الصلابة الاقتصادية والميزانياتية، إضافة إلى تحسن آفاق النمو المدعومة بارتفاع الاستثمار العمومي والخاص واستمرار الإصلاحات الهيكلية.
وفي هذا السياق، يشير المتحدث إلى أن التقارير المتداولة حول تقييم الوكالة أبرزت أن النمو غير الفلاحي يتجه لتجاوز عتبة 5 % خلال سنة 2025.
واستطرد أن هذا المؤشر يعتبر مهما في تقييم الاقتصاد المغربي لأنه يعكس تحولاً نسبيًا في بنية النمو، حيث بدأ الاقتصاد يقلل من تبعيته للدورات المناخية والفلاحية التي كانت تاريخياً تؤثر بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وأضاف أن هذه النقطة تعد جوهرية في التقييم السيادي للدول، لأن وكالات التصنيف الائتماني لا تركز فقط على حجم النمو الاقتصادي، بل على جودته واستقراره وقابليته للاستمرار، فالنمو المرتبط بقطاعات متنوعة وأكثر استقرارًا يجعل الاقتصاد أقل هشاشة وأكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
وذكر أن الدلالة الثانية فهي ذات طبيعة مالية ومؤسساتية، فالإبقاء على التصنيف عند “Ba1” بالتوازي مع منح نظرة مستقبلية إيجابية يعني أن الوكالة ترى أن المغرب ما يزال يواجه قيودًا هيكلية معينة، لكنها في المقابل تعتبر أن اتجاه المؤشرات الاقتصادية الأساسية أصبح أفضل مما كان عليه في السابق.
ومن بين هذه المؤشرات، يبرز سامي استمرار التقليص التدريجي لعجز الميزانية على المدى المتوسط، وتحسن مستوى الاحتياطيات من العملة الصعبة، إضافة إلى استمرار قدرة البلاد على الولوج إلى التمويل سواء في الأسواق الداخلية أو الخارجية.
وأردف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، إلى أن وجود إطار مؤسساتي وسياساتي تعتبره الأسواق المالية منضبطًا نسبيًا يعزز الثقة في تدبير السياسات الماكرو اقتصادية.
وتابع أن الدلالة الثالثة فهي دلالة نسقية تتعلق بالصورة الائتمانية العامة للاقتصاد المغرب، فقرار الوكالة يعكس أن المغرب نجح إلى حد ما في بناء سردية ائتمانية جديدة تقوم على مجموعة من الركائز الأساسية، أبرزها الاستثمارات البنيوية الكبرى، وتنويع الاقتصاد، وتنفيذ إصلاحات ضريبية وميزانياتية، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية والمناخية.
واستحضر في هذا السياق تقييمات المؤسسات المالية الدولية، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي اعتبر سنة 2025 أن الاقتصاد المغربي أظهر درجة من المرونة رغم تسجيل سنة جفاف إضافية، مبرزًا أن الصندوق توقع أن يسجل الاقتصاد نمواً في حدود 3.2 % سنة 2024 مع تسارع تدريجي على المدى المتوسط مدفوعًا بالاستثمارات والإصلاحات الهيكلية.
ولفت إلى أن هذا التقييم الإيجابي لا يلغي وجود بعض الضغوط؛ خاصة تلك المرتبطة بسوق الشغل أو الحساب الجاري، لكنها تبقى وفق التقديرات الدولية ضمن مستويات يمكن التحكم فيها.
وشدد على أن الرسالة الأساسية التي يحملها قرار الوكالة هي أن المغرب لم يصبح اقتصادًا خاليًا من المخاطر، لكنه أصبح اقتصاداً أكثر قابلية للتمويل وأقل هشاشة مقارنة بالماضي.
❖ أثر التمويل
عن الانعكاسات المحتملة لهذا القرار على الاستثمار الأجنبي وكلفة التمويل، يوضح أمين سامي أن الأثر الأول قد يظهر أساسًا على مستوى ما يُعرف بسعر المخاطر أكثر من حجمه الفوري.
ونبه إلى أن رفع النظرة المستقبلية للتصنيف لا يعني تلقائيًا أن كلفة الاقتراض بالنسبة للمغرب ستتراجع بشكل فوري في الأسواق الدولية، لكنه غالبًا ما يضغط في اتجاه تحسين تصور السوق للمخاطر السيادية (Market Perception)، أي الصورة الذهنية التي يحملها المستثمرون حول مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المعني.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وأبرز أن هذا التحسن في تصور المخاطر يمكن أن ينعكس على فروقات العائد عند إصدار السندات السيادية في الأسواق الخارجية، كما قد يؤثر أيضًا على شروط التمويل التي تحصل عليها بعض المؤسسات العمومية والبنوك والشركات الكبرى المرتبطة بسقف المخاطر السيادية للدولة.
وتقوم القاعدة الأساسية في هذا المجال، بحسب المتحدث، على مبدأ بسيط مفاده أنه كلما تحسنت نظرة وكالات التصنيف إلى اقتصاد ما، انخفض ما يسميه المستثمرون “الخصم النفسي”، أي الهامش الإضافي الذي يطلبه المستثمر مقابل تمويل بلد يُنظر إليه على أنه أكثر خطورة.
وشدد على أن هذا الأثر يظل مشروطًا بالسياق المالي الدولي؛ خصوصًا مستويات أسعار الفائدة العالمية، وشهية المستثمرين تجاه اقتصادات الأسواق الناشئة، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية التي يمكن أن تؤثر على تدفقات الاستثمار العالمي.
❖ جاذبية الاستثمار
يوضح أمين سامي أن الأثر الثاني فيتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، وهو المجال الذي قد يستفيد بشكل أكبر من التحول في نظرة وكالات التصنيف إلى الاقتصاد المغربي.
وأشار إلى أن المستثمر الاستراتيجي لا يشتري فقط معدل نمو اقتصادي مرتفع، بل يبحث أيضًا عن عنصر أساسي يتمثل في قابلية التنبؤ بالمسار الاقتصادي والسياساتي للدولة.
وأضاف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أن المستثمر الذي يلتزم بضخ رؤوس أموال كبيرة على المدى الطويل يحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح له بتقدير المخاطر والعوائد بشكل واضح.
ولفت إلى أنه عندما تقوم وكالة بحجم “Moody’s Ratings” بتعديل نظرتها المستقبلية إلى “إيجابية”، فإنها تمنح عملياً ما يمكن اعتباره “شارة مؤسساتية” تفيد بأن المسار الاقتصادي الكلي يتجه نحو التحسن.
وأكد أن هذه الإشارة قد تعزز جاذبية المغرب بشكل خاص في القطاعات التي تتطلب التزامات رأسمالية طويلة الأمد، مثل الصناعة التحويلية واللوجستيك والطاقة وتدبير الموارد المائية، والبنيات التحتية الكبرى، إضافة إلى سلاسل التوريد المرتبطة بالتصنيع والتصدير.
والأهم من ذلك، وفق المتحدث، أن الوكالة ربطت هذا التحسن بارتفاع مستويات الاستثمار واستمرار الإصلاحات البنيوية، وهذا يعني أن الرسالة الموجهة إلى المستثمرين الدوليين لا تقوم على فكرة دورة اقتصادية ظرفية، بل على تصور أعمق يتعلق بإعادة تشكيل تدريجية لهيكل الاقتصاد المغربي.
وأوضح أن قرار الوكالة يمثل خطوة مهمة في مسار تعزيز الثقة الدولية في الاقتصاد المغربي، لكنه في الوقت نفسه يظل بمثابة مرحلة انتقالية تتطلب الحفاظ على نفس وتيرة الإصلاحات والاستثمارات حتى يتحول هذا الاعتراف الدولي إلى ترقية فعلية في التصنيف الائتماني خلال السنوات المقبلة.

