أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة تفاعلات واسعة على المستويين الإقليمي والدولي، لما تحمله من إشارات مرتبطة برؤية الحكومة الإسرائيلية تجاه الصراع في الشرق الأوسط وخططها المستقبلية.
وتضمنت تصريحات بنيامين نتنياهو مواقف واضحة بشأن قضايا أمنية وسياسية حساسة، في مقدمتها توسيع نطاق التحركات الإسرائيلية في بعض المناطق، بما يعكس توجهًا أكثر حدة في التعامل مع الملفات العالقة.
وشدد نتنياهو في كلمته، على ما اعتبره حقا لإسرائيل في اتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية لضمان أمنها، مؤكدا أن بلاده لن تتهاون أمام ما يصفه بالتهديدات الأمنية.
وأشار إلى أن الخطط المطروحة تستند إلى تقديرات سياسية وعسكرية ترى في القوة الخيار الأمثل لفرض الوقائع على الأرض، مع إبداء رفض لأي مبادرات يعتبرها مقيدة للسيادة الإسرائيلية.
وعلى المستوى الدولي، تباينت ردود الفعل حول هذه التصريحات، إذ رأت بعض الدول أنها تعكس موقفا حازما في مواجهة المخاطر، بينما حذرت أطراف أخرى من أن هذا النهج قد يسهم في زيادة التوتر وعرقلة فرص التوصل إلى حلول سلمية.
ولفت مراقبون إلى أن الخطاب جاء في سياق إقليمي معقد يشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى، ما يضع مزيدا من الضغوط على الأطراف المعنية لإيجاد مسارات دبلوماسية توازن بين الأمن والاستقرار.
♦تصعيد إسرائيلي يهدد السلام
أشار عباس الوردي أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن التصعيد الإسرائيلي الحالي يمثل انقلابا خطيرا على السلم والأمن في الشرق الأوسط، مؤكدا أن سياسات إسرائيل توسع رقعة المواجهة وتخلق بنية توترية متصاعدة، قد تؤدي حتما إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل.
وبيّن أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الخريطة التي يرسمها نتنياهو تواجه رفضا واسعا من قبل العديد من الدول، مما ينبئ بأيام مقبلة ستشهد صدامات صاخبة، ستكون فاتورتها باهظة ولن تتحملها المنطقة وحدها، بل ستشمل تأثيراتها جميع دول العالم.
وأوضح الوردي أن هذا التصعيد يفرض على الأمم المتحدة وكافة القوى الدولية الفاعلة التحرك الفوري، عبر تدخل عاجل واستعجالي لتجنب تفاقم الأزمة قبل انفجارها.
وأكد أن الانتظار والمماطلة من شأنه ترك المجال مفتوحا أمام التصعيد لتثبيت واقع جديد من التوتر، يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة بطريقة تقوض الاستقرار الإقليمي والدولي معا.
وأضاف أن هذه الخطط الإسرائيلية تهدف إلى خلق بؤر توترية دائمة، لا يمكن إخمادها بسهولة إذا اشتعل فتيلها، وهو ما يجعل المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة للحيلولة دون تحول الأزمة إلى مواجهة شاملة.
ولفت الوردي إلى أن الإدارة الإسرائيلية الحالية تعتمد سياسة الأرض المحروقة، معتبرا أن هذه الاستراتيجية ترتكز على تصعيد دائم، بعيد عن أي جهود للسلام، مبينا أن هذا النهج يهدف إلى خلق حالة ضغط مستمرة على الدول المحيطة، بما يفتح الباب أمام توترات جديدة تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وأظهر أن هذه السياسات لا تقتصر آثارها على إسرائيل والدول المجاورة، بل تتعداها لتؤثر في العلاقات الدولية بشكل أوسع، ما يجعل من الضروري تدخل المجتمع الدولي لمنع زعزعة الاستقرار العالمي.
ونبه الوردي إلى أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تفاقم المخاطر على الأمن الإقليمي، خصوصا إذا تم استغلال الوضع من قبل قوى متطرفة تسعى إلى توسيع دائرة العنف والصراع.
واستحضر في تصريحه إلى أن أي تجاهل لهذا الواقع سيضاعف احتمال وقوع مواجهات غير مسبوقة، مشددا على أن المستقبل القريب قد يشهد تفاعلات متسارعة ستترك آثارا عميقة على الاقتصاد والسياسة والأمن في المنطقة بأسرها.
♦ضرورة احترام القانون الدولي
شدد عباس الوردي على أن البنية الإقليمية الراهنة معقدة للغاية، وأنه لا يمكن التعامل معها بمنطق الابتعاد أو التحفظ، معتبرا أن المسؤولية تقع بالكامل على عاتق المنظومة الدولية لإيجاد حلول عملية وفرض القانون الدولي.
وكشف المتحدث أن انتهاك القانون الدولي صار يتم بشكل علني، وهو قانون يهم جميع دول العالم، ويؤكد على أن الحلول العسكرية ليست خيارا، بل الاحترام الصارم لسيادة الدول وترتيب العقوبات على من يتجاوزها يمثل الطريق الوحيد لتثبيت الاستقرار.
ويرى الوردي أن تطبيق القانون الدولي ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو الضمان الأساسي لحماية الدول من الانتهاكات وحفظ الأمن والسلم الدوليين، مضيفا أن تجاهل القانون من قبل إسرائيل يشجع على مزيد من التصعيد ويضع العالم أمام اختبار حقيقي في قدرته على مواجهة التحديات الإقليمية.
واعتبر أن استمرار سياسة التصعيد الإسرائيلية يخلق حالة من الفوضى الإقليمية، قد تؤدي إلى سلسلة من النزاعات المتسلسلة، بما يهدد مصالح جميع الدول الكبرى والإقليمية.
ونوه الوردي بأن الوقت لا يسمح بالمماطلة، وأن أي تأجيل للتحرك الدولي العاجل سيضاعف المخاطر ويزيد احتمال تحول الأزمة إلى صراع أوسع، مشددا على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية تشمل فرض العقوبات ومراقبة دقيقة لسلوك إسرائيل، لضمان منع تحويل الأزمات الإقليمية إلى مواجهات كبرى.
وأضاف أن على الأمم المتحدة والقوى الدولية الحية أن تضطلع بدورها القيادي بحزم، لأن التصعيد الإسرائيلي لن يؤثر على المنطقة فقط، بل سيكون له انعكاسات عالمية مباشرة تتطلب استجابة سريعة وحاسمة.
وتابع المتحدث، أن المجتمع الدولي ملزم بتبني خطة شاملة لمعالجة الأزمة، تشمل استخدام جميع الآليات الدبلوماسية والاقتصادية والقانونية، بهدف تفادي أي تداعيات غير محسوبة على الصعيد العالمي.
وأورد أن الحلول الجزئية أو المؤقتة لن تكون كافية، وأن الحاجة قائمة إلى استراتيجية واضحة تضمن احترام سيادة الدول، ومنع الانتهاكات التي تهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
وخلص أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس بالرباط على أن العالم يقف عند مفترق طرق، وأن القدرة على التحرك الفوري والموحد ستحدد مدى إمكانية احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى مواجهة كبرى، مؤكدا أن أي فشل في التحرك الدولي سيترك آثارا طويلة الأمد على الاستقرار في الشرق الأوسط وعلى الأمن العالمي بشكل عام.

