تعرض عدد من الأفارقة جنوب الصحراء لسلسلة من الأفعال العنصرية، عقب نهاية منافسات كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025، في سياق اتسم بتصاعد خطابات الكراهية وتبادل الاتهامات على خلفية نتائج رياضية تحولت، لدى فئات معينة، إلى مبرر لإعادة إنتاج صور نمطية وإسقاطات هوياتية خطيرة.
وتفجرت هذه السلوكيات في الفضاءين الواقعي والرقمي، حيث لم يقتصر الأمر على تعليقات معزولة أو انفعالات عابرة، بل اتخذ أحيانا طابعا جماعيا أعاد إلى الواجهة إشكاليات عميقة مرتبطة بالهوية، والانتماء، وحدود “نحن” و“هم” داخل المجال العمومي.
وأثار هذا الوضع نقاشا واسعا حول طبيعة الخطاب المتداول، ومسؤولية الفاعلين المختلفين في إنتاجه أو مواجهته، خاصة في ظل الانتشار السريع للمحتوى الرقمي وقدرته على تضخيم المواقف المتطرفة وتحويلها إلى سرديات مهيمنة.
كما أعاد هذا الوضع طرح أسئلة محرجة حول حضور النزعات الإقصائية داخل المجتمع، ليس فقط في الهوامش، بل أيضاً في بعض الخطابات الإعلامية والثقافية التي تشتغل أحياناً بمنطق التعميم والاختزال.
وفي مقابل هذا المشهد المتوتر، برزت دعوات متعددة إلى التمييز بين التنافس الرياضي المشروع، والانزلاق نحو ممارسات عنصرية تمس فئات كاملة على أساس الأصل أو اللون أو الانتماء الجغرافي. ويأتي هذا النقاش في سياق أوسع يتجاوز حدثا رياضيا بعينه، ليطرح مسألة كيفية تدبير الاختلاف داخل المجتمعات الإفريقية، وحدود الوعي الجمعي في مواجهة الإحباطات، ودور التربية والإعلام والنخب في تفكيك البنى التي تُنتج خطاب الكراهية بدل الاكتفاء بإدانته بعد وقوعه.
♦تعزيز النقد الذاتي المثقفين
أكدت بشرى لمرابطي الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي على أن معالجة خطاب الكراهية يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الرياضة والمنافسة، وتشمل دور المثقفين والإعلام والمجتمع المدني، مع تعزيز سرديات وطنية تقوم على التعدد والتداخل التاريخي، وإعادة بناء هوية وطنية جامعة لا تقوم على استبعاد الآخر.
وأشارت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن المكاسب الوطنية للمغرب، سواء على الصعيد الدولي أو المحلي، توفر أرضية لتعزيز هذه السرديات ودفع الجميع نحو مسؤولية مشتركة في مواجهة التحديات القادمة.
ودعت لمرابطي المثقفين والأكاديميين إلى تحمل مسؤوليتهم في نقد المخيال الوطني، بما يشمل الصور النمطية التي قد تتبناها النخب أحياناً تحت ضغط الانتماء الجماعي.
وشدد على أن خطاب الكراهية لا يقتصر على الهوامش الشعبية فحسب، بل يمكن أن يتجسد في سرديات تعليمية، إعلامية، تاريخية أو أكاديمية، ما يجعل التدخل الثقافي ضرورة عاجلة.
وذكرت أن دور المثقف يتجاوز النقد السطحي، ويشمل المساهمة في إنتاج سرديات وطنية جامعة للهوية المغربية، تستند إلى التعدد والتداخل التاريخي، وتستحضر العمق الأفريقي للمجتمع المغربي.
كما لفتت الباحثة إلى أهمية تفكيك الثنائيات الاختزالية مثل “أفريقي مقابل غير أفريقي”، والعمل على بناء فهم يشمل كل التنوعات الثقافية والعرقية داخل المملكة.
وأوضحت أن المثقف يمكن أن يلعب دورا محوريا في مواجهة ما يسمى بـ”النرجسية الجماعية الجريحة”، حيث تصطدم صورة الذات الوطنية بالأحداث السلبية، مثل الهزائم الرياضية، فيتم إسقاط الإحباط على الآخر الأفريقي.
وذهبت إلى أن النقد الذاتي الشجاع جزء أساسي من مسؤولية النخب، لضمان إنتاج خطاب يعزز الوحدة الوطنية ويواجه الانقسامات القائمة على الصور النمطية.
♦ تسليط الضوء الإعلام
سلطت لمرابطي الأهمية على دور الإعلام وخاصة الرقمي، مبينة أنه ملزم بتصميم محتوى فعال يواكب لغة الجمهور ويستجيب لتحديات خطاب الكراهية.
وحثت المتحدثة على ضرورة إنتاج كبسولات قصيرة ومباشرة يمكنها رفع مستوى الوعي وتجاوز سرديات العنف اللفظي والتصنيف العرقي والثقافي.
ونبهت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورا مزدوجا؛ فهي قادرة على نشر المعرفة وإيصال الرسائل الإيجابية، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى “غرف صدى” تمنح الشرعية للخطاب المتطرف وتحوّله إلى سردية جماعية.
كما طالبت لمرابطي باعتماد استراتيجيات إعلامية واعية تركز على التربية على التعدد ونقد المخيال العنصري، لضمان معالجة البنية النفسية والاجتماعية التي تغذي خطاب الكراهية.
وأبانت أن الإعلام ليس فقط أداة لمواجهة الخطاب العدائي، بل يمكن أن يكون محفزا للمشاركة المجتمعية وتعزيز القيم الوطنية الجامعة.
وأظهرت أنه من خلال تسليط الضوء على التجارب الناجحة والمبادرات المحلية، يمكن توجيه الجمهور نحو رؤية شاملة تتجاوز الإحباط الرياضي أو الأحداث العابرة، وتؤكد على الأهمية التاريخية والثقافية للهوية المغربية متعددة الأبعاد.
♦تعزيز المكاسب الوطنية
بينت المرابطي أن المغرب حقق مكاسب استراتيجية تتجاوز مجرد الانتصار الرياضي، تشمل احترام العالم الدولي من خلال الانضباط في جميع مباريات إقصائيات كأس أفريقيا، فضلا عن تحسين صورة المملكة دوليا عبر جودة التنظيم وحفاوة الاستقبال وحسن التدبير.
وذكرت أن هذه المكاسب توفر أساسا لتعزيز مكانة المغرب كوجهة جاذبة للسياحة، والاستثمارات، وطلاب العلم، والشراكات الدولية، ما يجعل معالجة خطاب الكراهية جزءا من استثمار هذه المكتسبات على المدى الطويل.
وذهبت إلى أن تحليل الأحداث الرياضية يجب أن يكون من منظور شمولي، بعيداً عن مقاربات “رابح وخاسر” الضيقة، مع أخذ السياسة والحكامة بعين الاعتبار كمثال على ضرورة النظرة الشاملة للمكاسب.
ودعت لمرابطي إلى توظيف هذه المكاسب في بناء مجتمع متماسك، حيث يكون الجميع—بما في ذلك من تأثروا بخطابات الكراهية—شركاء في مسيرة التنمية الوطنية.
وأكدت أن التحضير لتحديات مستقبلية مثل كأس العالم 2030 يتطلب انخراط الجميع في جهود مشتركة، مع التركيز على التعليم والتواصل والنقد البناء، لضمان عدم تحول الإحباط الجماعي إلى خطاب عدائي أو عنصري.
وخلصت إلى أن التغلب على خطاب الكراهية ليس مهمة فردية، بل مسؤولية جماعية تشمل الدولة، المجتمع المدني، الإعلام، والنخب الفكرية، لضمان إنتاج سرديات وطنية جامعة تقوم على التعدد والتداخل التاريخي، وتحافظ على صورة المغرب كدولة منفتحة، شاملة ومتنوعة.

