يشهد قطاع الصحة بالمغرب نقاشا متزايدا حول سبل تدبير الموارد البشرية الطبية في ظل التحديات المتراكمة التي تواجه المنظومة.
ففي وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات صحية ذات جودة، يظل عدد الأطباء دون مستوى الطلب، ما يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بالتوزيع، والاستقرار المهني، وجاذبية العمل داخل القطاع العام.
وهذا الوضع يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة بين ضمان استمرارية المرفق العمومي وتحسين شروط اشتغال الأطر الصحية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل الطبي، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
كما يثير تساؤلات حول مدى نجاعة السياسات المعتمدة في الحفاظ على الكفاءات، والحد من نزيف الهجرة نحو الخارج أو نحو القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول آليات التنظيم والتأطير كمدخل أساسي لإعادة التوازن، من خلال البحث عن صيغ تضمن جودة الخدمات الصحية للمواطنين، دون إغفال الحقوق المهنية والاجتماعية للأطباء. إذ يبدو أن الرهان لم يعد فقط في توفير مناصب شغل إضافية، بل في خلق بيئة عمل قادرة على الاستبقاء والتحفيز، بما يساهم في تحقيق إصلاح فعلي ومستدام للمنظومة الصحية.
♦الأزمة الحقيقية في العمق
أفاد عادل عوين، ٍعضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية للصحة، أن التوجه الحالي نحو تشديد المراقبة عبر لجان تفتيش مركزية تستهدف أطباء القطاع العام الذين يزاولون في القطاع الخاص، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الإشكال الذي تعيشه المنظومة الصحية.
وأوضح عوين في تصريح لجريدة “شفاف” أن النقاش العمومي انزاح بشكل ملحوظ من البحث في جذور الأزمة إلى التركيز على آليات الزجر والمتابعة، في وقت أصبح فيه الخصاص في الموارد البشرية الطبية معطىً بنيويا لا يمكن إنكاره أو القفز عليه.
وأضاف أن المستشفى العمومي يعيش اليوم وضعا دقيقا، حيث إن الأطباء الذين ما زالوا يشتغلون داخله يفعلون ذلك في ظروف معقدة، وغالبا ما ينتمون إلى ثلاث فئات: فئة لم تتح لها فرصة الهجرة، وفئة لا تزال مترددة في مغادرة القطاع العام، وفئة ثالثة تحركها اعتبارات إنسانية واجتماعية تجعلها متشبثة بخدمة المواطن رغم الإكراهات.
وأبرز أن هذا المعطى يفرض إعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من سؤال “كيف نراقب؟” إلى سؤال أكثر إلحاحا وهو “كيف نحافظ على ما تبقى؟”.
♦المقاربة الحالية تعمق الأزمة
أشار عوين إلى أن اعتماد مقاربة قائمة على التشديد والمراقبة الصارمة، رغم مشروعيتها من حيث المبدأ، قد يؤدي عمليا إلى نتائج عكسية إذا لم تُواكب بإجراءات تحفيزية موازية.
ورأى أن فرض مناخ من الضغط المستمر داخل بيئة العمل يدفع الأطباء إلى القيام بحسابات بسيطة تتعلق بالاستقرار المهني والكرامة وظروف الاشتغال، ما يجعل خيار المغادرة نحو القطاع الخاص أو الهجرة أكثر جاذبية.
وذهب إلى أن الانضباط داخل المرفق العمومي يظل ضرورة لا يمكن التشكيك فيها، وأن محاربة الغياب والتسيب يجب أن تتم بحزم، غير أن اختزال الأزمة في هذه الزاوية وحدها يُعد تبسيطا مفرطاً لوضع مركب.
وأفاد أن الطبيب، باعتباره فاعلا محوريا في المنظومة، يحتاج إلى بيئة مهنية مستقرة ومحفزة، وليس إلى شعور دائم بالمراقبة والعقاب.
واعتبر أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم الخصاص، خاصة في ظل المعطيات الحالية التي تؤكد محدودية عدد الأطباء مقارنة بحاجيات المنظومة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
وأضاف أن أي سياسة عمومية لا تأخذ بعين الاعتبار سلوك الفاعلين داخل المنظومة ومحددات قراراتهم، تظل معرضة لإنتاج آثار عكسية مهما كانت نواياها الإصلاحية.
♦الحل في التقنين لا المطاردة
قال عوين إن المدخل الحقيقي لمعالجة هذا الإشكال يكمن في إرساء إطار قانوني واضح ومتكامل ينظم اشتغال الأطباء بين القطاعين العام والخاص، بشكل يضمن التوازن بين متطلبات المرفق العمومي وحقوق المهنيين.
وأبان أن التقنين يتيح وضع ضوابط دقيقة تحدد شروط المزاولة المزدوجة، بما لا يضر بالخدمة العمومية ولا يمس بحقوق المرضى، وفي الآن ذاته يوفر للطبيب إمكانية تحسين دخله في إطار مشروع وشفاف.
وأورد أن الأرقام المتوفرة تعكس بوضوح عمق الأزمة، حيث إنه رغم الزيادات في الأجور وفتح مناصب مالية جديدة خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2026، فإن عدد الأطباء لم يتجاوز سقف 9000 طبيب، وهو رقم يظل دون مستوى الانتظارات والحاجيات الفعلية.
وكشف أن هذا المعطى يشكل دليلا على أن الإشكال يتجاوز مسألة المراقبة، ويرتبط بعوامل أعمق تشمل ظروف العمل، والتحفيز، وآفاق التطور المهني.
ووذكر بأن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بلورة إصلاح جذري وشامل للمنظومة الصحية، يقوم على رؤية متكاملة توازن بين الحكامة والانصاف والتحفيز.
وخلص إلى أن الاستمرار في مقاربة تضييقية قد يؤدي إلى فقدان المزيد من الكفاءات، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على المواطن الذي يظل المتضرر الأول من أي اختلال في العرض الصحي.

