في خطوة وُصفت بالمؤشّر البارز على عودة الدفء الكامل إلى العلاقات الثنائية بين الرباط وباريس، سلّمت السلطات الفرنسية نظيرتها المغربية، يوم الجمعة الماضي، المواطن المغربي بدر الدين أكرود، الخبير في الفيزياء الإشعاعية، وذلك بعد إدانته بالإرهاب وتجريده من الجنسية الفرنسية، حيث تأتي هذه العملية في سياق تقارب استراتيجي متزايد بين البلدين منذ زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب سنة 2024، وما أعقبها من دينامية دبلوماسية وأمنية متسارعة، عززت التنسيق الثنائي في الملفات الحساسة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.
وتطرح هذه السابقة النوعية جملة من التساؤلات حول ما إذا كانت فرنسا بصدد مراجعة عميقة لسياستها تجاه شركائها الأمنيين في الجنوب، وعلى رأسهم المغرب، باعتباره فاعلاً إقليميًا يحظى بثقة دولية متنامية في مجالات الرصد والتفكيك والوقاية من التطرف العنيف، وحول إن كان يمثل تسليم أكرود تحوّلاً في العقيدة الأمنية الفرنسية تجاه الإرهاب، ومدى عكس هذه الخطوة لوعي أوروبي متزايد بفعالية النموذج المغربي في محاربة الإرهاب، وعن إمكانية فتح هذه الواقعة الباب أمام تعاون أوسع يشمل ملفات الهجرة، وتبادل المطلوبين، وتأمين منطقة الساحل والصحراء بإفريقيا التي تُعد مسرحا لتقاطع تهديدات مشتركة.
EXCLUSIF – Terrorisme : la France expulse un djihadiste marocain «cible prioritaire»
Article JDD : https://t.co/qOMl2RYoOY pic.twitter.com/3Abpd58532
— Le JDD (@leJDD) July 19, 2025
❖ رسائل مزدوجة
يبرز الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، والأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، أن تسليم فرنسا للمواطن المغربي أكرود لا يحمل فقط دلالات قانونية أو أمنية، بل هو في عمقه رسالة سياسية مزدوجة.
وأوضح الروداني في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه من جهة يؤكد أن باريس باتت تعتبر المغرب شريكًا موثوقًا وقادرًا على التعامل مع قضايا بالغة الحساسية؛ خاصة حين يتعلق الأمر بإرهاب مدجج بخلفية علمية متقدمة، كما هو الحال مع أكرود المتخصص في الفيزياء الإشعاعية.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
وأردف أنه من جهة أخرى، يشير هذا الحدث إلى أن القضاء الفرنسي قد تخلّى عمليًا عن مقاربة الانغلاق السيادي في قضايا الإرهاب، وانفتح على منطق الشراكة العملياتية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأشخاص يمتلكون علاقات مشبوهة مع تنظيمات تنشط في منطقة الساحل، وتحديدًا في فراغات جيوسياسية مثل مثلث مالي-بوركينا فاسو-النيجر، أو غرب خليج غينيا.
ولفت إلى أن هذا التحول ينبع من تقييم استراتيجي مشترك للتهديدات العابرة للحدود، ويعكس مستوى غير مسبوق من التفاهم بين الرباط وباريس، سواءً فيما يخص تبادل المعلومات، أو إسناد التحقيقات، أو تنفيذ عمليات الترحيل المعقدة.
❖ تحالف لا تنسيق
يؤكد الروداني أن الحديث لم يعد عن “تنسيق أمني” بمفهومه التقليدي، بل عن “تحالف استراتيجي” متعدد الأبعاد، موضحا أن التهديدات لم تعد محلية أو ظرفية، بل باتت شاملة ومتزامنة، تستهدف الأمن القومي المغربي كما الفرنسي، وتمتد من الصحراء الكبرى إلى ضواحي باريس.
وذكر أن هذا التحالف ينبني على تقاطع المصالح الأمنية للبلدين؛ خصوصًا في ظل تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية بمنطقة الساحل، مثل “تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين” و”داعش الصحراء الكبرى”، وهي كيانات أصبحت تندمج مع شبكات الجريمة المنظمة، في تحالفات عابرة للحدود والقارات.
تداعيات استقطاب الشباب.. كيف يواجه المغرب تحديات التطرف والإرهاب؟
وأشار الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، إلى أن المغرب سلّم في وقت سابق عددًا من المبحوث عنهم للسلطات الفرنسية، ما يبرهن على توازن متبادل في هذه الشراكة، التي يُتوقع أن تتطور أكثر لتشمل إدارة المخاطر السيبرانية، ومراقبة تمويل الإرهاب، والهجرة غير النظامية ذات الطابع الأمني.
❖ خلفيات جيوسياسية
يتوسع الروداني في تفسير الخلفية الجيوسياسية لهذا التعاون، مذكّرًا بأن منطقة الساحل وغرب إفريقيا تحولت إلى بؤرة للاضطراب، بفعل انهيار المنظومات السياسية في بعض دولها، وتصاعد التمردات المسلحة، وظهور “تنظيمات هجينة” تجمع بين العقيدة الجهادية والمصالح الاقتصادية الإجرامية.
الاستخبارات المغربية تفك شفرات الإرهاب العالمي.. لماذا تفوقت “لادجيد” على مخابرات دول عظمى؟
وأردف أنه في هذا السياق، أصبحت فرنسا تدرك بأن أمنها الداخلي يبدأ من خارج حدودها، وتحديدًا من الجنوب، لافتا إلى أنه هنا يأتي المغرب كحليف طبيعي، ليس فقط بفضل موقعه الجغرافي، بل أيضًا بفضل خبرته المتراكمة في تفكيك الخلايا النائمة، ونجاعة أجهزته في التوقع والوقاية.
ويشدد الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، على أن التحولات الجيوسياسية والانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى تنامي النفوذ الروسي؛ جعلت من المغرب بوابة الاستقرار الوحيدة الممكنة للتوازن الأوروبي في العمق الإفريقي.
❖ تحذيرات للأوروبيين
يوضح الروداني أن المغرب لا يمكنه أن يتحمل وحده تكلفة صد التهديدات الإرهابية التي تستهدف جنوب المتوسط وشماله معًا، مضيفًا أن الفراغ الجيوسياسي الحالي تملؤه تنظيمات مسلحة، من بينها فصائل محسوبة على البوليساريو، التي تورّطت بعض عناصرها في أنشطة إرهابية.
وأكد الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن تقارير دولية عدة أصبحت تضع البوليساريو في خانة التهديدات المتنامية؛ خاصة بعد رصد ارتباطات لأعضائها مع تنظيمات مثل داعش في الساحل، وتفكيك الخلية الأخيرة بين الرباط والرشيدية دليل ملموس على أن التهديد لم يعد افتراضيا.
وطالب الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، ببلورة خريطة طريق مشتركة بين الرباط والعواصم الأوروبية، تقوم على تبادل حقيقي للمعلومات الاستخباراتية، وإرساء آليات إنذار مبكر، وتوحيد جهود التمويل والدعم اللوجستيكي للردع والمواجهة.
❖ فرصة لإعادة البناء
يرى الروداني أن تسليم فرنسا لأكرود قد يشكل “منعطفًا مفصليًا” لإعادة بناء الشراكة بين المغرب وأوروبا على أساس واقعي وعملي، بدل الاكتفاء بشعارات التعاون أو إعلانات النوايا.
وأوضح الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، أن العالم يعيش وضعًا دقيقًا على مستوى التهديدات، والمغرب لم يعد مجرد “حارس للبوابة”، بل فاعل إقليمي في صلب معادلة الأمن الجماعي.
قاعدة عسكرية في جنوب الصحراء.. هل يعيد المغرب رسم خريطة الأمن في الساحل؟
وشدد على أن التكلفة الأمنية لأي اختراق إرهابي أصبحت مرتفعة جدًا؛ اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما يفرض منطق التكتل والتنسيق العميق، خصوصًا أن إفريقيا تمر بمرحلة اضطراب حاد تتطلب تحالفات عابرة للضفاف، ومقاربة تدمج الأمن بالتنمية في أفق استراتيجي أوسع.

