كشف تقرير حديث لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام عن تحول لافت في خريطة التسلح داخل القارة الإفريقية، بعدما تصدر المغرب قائمة مستوردي السلاح خلال سنة 2025، متقدما في الترتيب العالمي، حيث اعتلى التصنيف على المستوى الإفريقي، في حين سجلت الجزائر تراجعًا حادًا في وارداتها العسكرية، ويعكس هذا التطور مسارًا متباينًا في السياسات الدفاعية للبلدين، في سياق إقليمي يتسم بتصاعد التوترات وتزايد الاهتمام بتحديث القدرات العسكرية.
وتفتح هذه الأرقام أيضًا بابًا واسعًا للتساؤل حول دلالاتها الاستراتيجية الحقيقية، وإن كان يعكس تقدم المغرب تحولاً بنيويًا في ميزان القوة العسكرية داخل المنطقة، وعن إشارة تراجع الجزائر إلى أزمة ظرفية مرتبطة بالاقتصاد أم إلى تحول أعمق في استراتيجيتها الدفاعية، وكذا الحد الذي يمكن أن يؤثر فيه هذا التطور على سباق التسلح بين البلدين وعلى معادلات الردع والاستقرار في شمال إفريقيا.
المغرب يتصدر مستوردي السلاح بإفريقيا والجزائر تسجل تراجعا حادا
❖ إعادة هندسة
يبرز هشام معتضد، الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أنه لا ينبغي تفسير تقدم المغرب في واردات السلاح كمجرد مؤشر كمي على زيادة الإنفاق العسكري، بل باعتباره جزءًا من عملية أوسع لإعادة هندسة قدراته الدفاعية.
وأشار معتضد في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المملكة المغربية خلال العقد الأخير، انتقلت تدريجيًا من نموذج تسلح تقليدي قائم على الحفاظ على التوازن العددي بين الجيوش، إلى نموذج تحديث نوعي يركز على إدماج التكنولوجيا العسكرية المتقدمة ضمن بنيتها الدفاعية.
سباق التسلح المغربي الجزائري.. توازن ردع أم معركة عقائد عسكرية متباينة؟
وأضاف أن هذا التحول يرتبط بتطوير منظومات القيادة والسيطرة الحديثة، وتعزيز القدرات الجوية الدقيقة، إضافة إلى إدماج أنظمة الاستشعار والمراقبة المتقدمة في العمليات العسكرية.
وأوضح أن ارتفاع واردات السلاح يعكس مرحلة انتقالية في بناء منظومة ردع حديثة تقوم على التفوق التكنولوجي والقدرة على إدارة العمليات العسكرية بفعالية عالية، بدل الاعتماد فقط على حجم القوات أو كثافة العتاد.
واعتبر أن ما يجري اليوم في المغرب ليس مجرد زيادة في حجم التسلح، بل عملية تحديث عميقة تهدف إلى بناء جيش أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحديات الأمنية المعاصرة؛ خصوصًا في ظل التحولات التي يعرفها المجال الأمني الإقليمي، سواء في منطقة الساحل أو في الفضاء المتوسطي.
❖ دورات التسلح
يرى معتضد أن التراجع المسجل في واردات الجزائر العسكرية لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه مؤشر على ضعف القدرات العسكرية، بل ينبغي فهمه في سياق دورات التسلح التي عرفتها البلاد خلال العقدين الماضيين.
ولفت الجزائر قامت بين سنتي 2005 و2018 بعمليات اقتناء عسكرية واسعة؛ خصوصًا من روسيا، شملت أنظمة دفاع جوي متقدمة وطائرات مقاتلة ومنصات برية ثقيلة.
واستطرد أن هذه الصفقات الكبرى سمحت للجزائر خلال تلك الفترة ببناء ترسانة عسكرية كبيرة نسبيا مقارنة بدول المنطقة، وهو ما يعني أن التراجع الحالي في الواردات قد يكون جزئياً نتيجة اكتمال دورات اقتناء سابقة.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأشار الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، إلى أن الدول التي تقوم بصفقات تسلح ضخمة تحتاج عادة إلى سنوات طويلة قبل الدخول في دورة تحديث جديدة.
وأردف أن العامل الاقتصادي يلعب دورًا مهمًا في هذا السياق، إذ إن الجزائر تأثرت خلال السنوات الأخيرة بتقلبات عائدات الطاقة، وهو ما فرض ضغوطاً على توازناتها المالية.
ونبه إلى أن إدارة برامج التحديث العسكري قد تتم بوتيرة أكثر حذرًا، مع التركيز على صيانة الأنظمة الموجودة وتطويرها بدلاً من إطلاق موجات اقتناء واسعة جديدة.
❖ فلسفة دفاع
يرى معتضد أن المفارقة الاستراتيجية في هذه المعطيات تكمن في أن المسارين المختلفين للمغرب والجزائر يعكسان فلسفتين دفاعيتين متباينتين داخل المنطقة المغاربية.
وأردف أن المغرب يعتمد نموذجًا يقوم على تحديث تدريجي ومستمر لقدراته العسكرية، مع التركيز على التكنولوجيا والتكامل العملياتي مع شركاء غربيين.
واستطرد أنه في المقابل، ظل النموذج الجزائري تقليديًا يعتمد على صفقات تسلح كبيرة ومتقطعة؛ غالبًا ما ترتبط بدورات اقتناء ضخمة تليها فترات من الاستقرار النسبي في حجم الواردات العسكرية.
تخصيص أزيد من 157 مليار درهم.. هل يمثل ارتفاع الإنفاق الدفاعي رهانًا للسيادة أم سباقا إقليميًا؟
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، أن هذا الاختلاف في النهج لا يؤثر فقط في وتيرة التسلح، بل أيضًا في طبيعة بناء الردع العسكري.
وأبرز أنه بينما يميل النموذج المغربي إلى بناء قدرات متكاملة تعتمد على الشبكات العملياتية الحديثة والأنظمة الرقمية؛ ظل النموذج الجزائري أكثر ارتباطًا بالمقاربات التقليدية التي تركز على امتلاك منصات قتالية ثقيلة وكميات كبيرة من العتاد العسكري.
❖ تنويع الشركاء
يشير معتضد إلى أن تنويع الشركاء العسكريين من طرف المغرب يعكس تحولاً تدريجيًا في عقيدته الدفاعية من نموذج دفاع إقليمي محدود إلى نموذج أمن استراتيجي متعدد الأبعاد.
واعتبر أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، الذي تعزز عبر اتفاقيات طويلة الأمد وتمارين مشتركة واسعة النطاق، أسهم في إدخال القوات المسلحة المغربية ضمن منظومة تشغيلية أقرب إلى المعايير الغربية.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وأبرز أن هذا التعاون ارتبط خصوصًا بمجالات القيادة الرقمية والاستخبارات العسكرية والقدرات الجوية المتقدمة، وهي عناصر أساسية في أي منظومة دفاعية حديثة.
ولفت الخبير في العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، إلى أن هذه الشراكات تسمح بتطوير القدرات العملياتية للقوات المسلحة من خلال التدريب المشترك وتبادل الخبرات العسكرية.
وذكر أن التعاون مع إسرائيل، يمثل بعدًا مختلفًا في هذه المعادلة، إذ يتيح للمغرب الوصول إلى منظومات تكنولوجية متقدمة في مجالات حساسة مثل الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية، وهي مجالات أصبحت اليوم من الركائز الأساسية لأي عقيدة ردع حديثة.
❖ ردع تكنولوجي
يؤكد معتضد أن التحول المغربي لا يتعلق فقط بتحديث الترسانة العسكرية، بل بإعادة تعريف مفهوم الردع نفسه، ففي الماضي كان الردع العسكري يعتمد أساسًا على توازن الكتلة العسكرية بين الجيوش، أي على حجم القوات وعدد المنصات القتالية الثقيلة.
وأضاف أن اليوم أصبح الردع يعتمد بشكل متزايد على القدرة على التحكم في الفضاءات العملياتية الحديثة، مثل المجال الجوي والفضاء السيبراني وأنظمة الاستشعار المتقدمة، وهذه المجالات تمنح الدولة القدرة على مراقبة المجال العملياتي وإدارته قبل أن يتحول إلى مواجهة تقليدية واسعة.
وأبرز أنه في هذا السياق، فإن تنويع الشراكات العسكرية يمنح المغرب مرونة استراتيجية أكبر في بناء منظومة ردع متكاملة تجمع بين القدرات التكنولوجية والتكامل العملياتي مع شركائه الدوليين.
❖ توازن إقليمي
رغم أن ارتفاع وتيرة التسلح المغربي مقابل التراجع النسبي في الواردات الجزائرية قد يوحي بإمكانية إعادة تشكيل ميزان القوى داخل شمال إفريقيا، إلا أن معتضد يشدد على أن موازين القوى العسكرية لا تتغير بسرعة.
ولفت إلى أن القوة العسكرية ليست مجرد حجم الإنفاق أو عدد الصفقات، بل هي نتاج تراكمات طويلة من القدرات البشرية والتكنولوجية واللوجستية. لذلك، فإن أي تحول حقيقي في ميزان القوى سيكون تدريجيًا، ويعتمد أساسًا على قدرة الدول على تحويل استثماراتها العسكرية إلى قدرات عملياتية فعالة.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
واستطرد أن سباق التسلح في المنطقة لا يمكن فهمه فقط في إطار المنافسة الثنائية بين المغرب والجزائر، بل يجب وضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بالتوازنات الإقليمية والدولية.
❖ نظام الردع
يوضح معتضد أن شمال إفريقيا يقع عند تقاطع عدة فضاءات أمنية، من بينها الفضاء المتوسطي ومنطقة الساحل والشرق الأوسط، وهو ما يجعل ديناميات التسلح في المنطقة مرتبطة بتفاعلات جيوسياسية أوسع.
وأردف أن العلاقات العسكرية للمغرب والجزائر مع القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية، تلعب دورًا مهمًا في تشكيل موازين القوى الإقليمية، إلى جانب التهديدات الأمنية العابرة للحدود، خصوصًا في منطقة الساحل.
“جبل الصحراء” في مواجهة سباق التسلح الجزائري.. توازن استراتيجي أم تنافس مفتوح؟
وبناء على ذلك، يرى معتضد أن ميزان القوى في شمال إفريقيا سيظل على الأرجح محكوما بمنطق الردع المتبادل أكثر من منطق التفوق الحاسم، فكل من المغرب والجزائر يدرك أن أي اختلال كبير في التوازن قد يؤدي إلى سباق تسلح غير مستقر.
واعتبر أن ما تشهده المنطقة اليوم لا يمثل بالضرورة إعادة رسم فورية للخريطة العسكرية، بل يعكس مرحلة جديدة من التكيف الاستراتيجي داخل نظام ردع إقليمي يسعى بشكل متناقض (Paradoxical) إلى منع الصدام بقدر ما يستعد له.

