شهدت موريتانيا خلال الأيام الأخيرة تطورًا مقلقًا في الوضع الوبائي بعد إعلان وزارة الصحة عن ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن مرض “الدفتيريا” إلى 15 حالة، من أصل أكثر من 200 إصابة مؤكدة، غالبيتها بين الأطفال دون سن الخامسة عشرة، حيث أوضحت السلطات الصحية في نواكشوط أن الوضع “تحت السيطرة”، لكنها أطلقت خطة طوارئ وطنية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية؛ تضمنت تأجيل التحاق التلاميذ بالمدارس في القرى المتضررة، وعزل الحالات المشتبه بها لمدة لا تقل عن سبعة أيام، في محاولة لكسر سلسلة العدوى والحد من انتشار المرض في مناطق الحوض الغربي ولعصابة.
وهذا التطور الميداني يثير تخوفات إقليمية متزايدة بالنظر إلى القرب الجغرافي بين موريتانيا والمغرب، وتنامي حركة العبور البري عبر معبر الكركرات الذي يشكل صلة وصل حيوية بين البلدين، وفي ظل الطبيعة المعدية لمرض “الدفتيريا”، وارتباطه بالظروف المناعية والتلقيح، يطرح الوضع الراهن تساؤلات حول مدى جاهزية المنظومة الصحية المغربية لمواجهة خطر وباء محتمل قادم من الجنوب، وحول فاعلية التنسيق الصحي الإقليمي في الحد من المخاطر العابرة للحدود، في وقت تتنامى فيه التحديات الصحية بالقارة الإفريقية.
❖ جرس إنذار وبائي
أبرز الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن تسجيل 15 وفاة وأكثر من 200 إصابة بمرض الدفتيريا في موريتانيا منذ مطلع سنة 2025، يشكل جرس إنذار وبائي للمنطقة المغاربية، باعتبار هذا المرض من الأوبئة البكتيرية الخطيرة التي كانت قد اختفت لعقود بفضل برامج التلقيح الواسعة.
وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تكشف عن خطتها لمواجهة انتشار “بوحمرون”
وأوضح حمضي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن عودة “الدفتيريا” في السنوات الأخيرة لا تقتصر على موريتانيا فحسب، بل شملت أيضًا دولًا أوروبية متقدمة، نتيجة تراجع نسب التلقيح خلال جائحة “كوفيد-19” وما رافقها من خطابات مضللة ومعادية للقاح.
وأضاف أن المغرب مطالب باليقظة والاستباق، رغم عدم تسجيل أي حالة إصابة داخل أراضيه، من خلال تعزيز التلقيح والمراقبة الحدودية، وتدارك تأخر بعض الأطفال في استكمال جرعاتهم الأساسية، حتى لا تتكرر سيناريوهات أمراض منسية كالحصبة التي عادت بقوة في العامين الماضيين بعد اختفائها لسنوات طويلة.
❖ مرض منسي
يصف الدكتور حمضي “الدفتيريا” بأنها عدوى بكتيرية حادة تصيب الجهاز التنفسي، وتتميز بخطورة مضاعفاتها، خاصة لدى الأطفال غير الملقحين.
وأشار إلى أن أعراضها تبدأ عادة بالتهاب الحلق والحمى وصعوبة التنفس، ويمكن أن تؤدي إلى اختناق قاتل إذا لم تُعالج بسرعة.
في حوار مع شفاف .. علي لطفي يكشف تحديات تحقيق السيادة الدوائية ويشرّح أعطاب القطاع الدوائي بالمغرب
ولفت الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، إلى أنه توجد أنواع جلدية من الداء تصيب الجلد وتُلاحظ خصوصًا عند المسافرين والمهاجرين القادمين من مناطق موبوءة.
وأضاف أن هذا المرض اختفى من المغرب بفضل البرنامج الوطني للتلقيح، الذي وفر حماية جماعية ضد عدد من الأمراض المعدية.
وذكر أن العالم اليوم يشهد عودة تدريجية لهذه الأمراض المنسية، ليس بسبب ضعف التطبيب، بل نتيجة تراجع الإقبال على التلقيح في فترات الأزمات.
واعتبر أن التحدي لا يكمن فقط في السيطرة على “الدفتيريا” داخل حدود بلدٍ واحد، بل في ضمان التنسيق بين الدول المجاورة، لأن انتقال العدوى عبر الحدود أو عبر المسافرين يظل احتمالاً قائمًا ما لم تكن هناك مناعة جماعية متكاملة.
❖ تراجع التلقيح
يُرجع الدكتور حمضي عودة “الدفتيريا” إلى تراجع نسب تلقيح الأطفال منذ جائحة “كوفيد-19”، حين خاف الناس من زيارة المستشفيات أو تأخروا في متابعة جداول التطعيم، إضافة إلى انتشار نظريات المؤامرة حول اللقاحات وتأثيراتها، مما خلق حالة من الريبة المجتمعية تجاهها.
وأردف أن هذه الظاهرة ليست حكرًا على إفريقيا، بل لوحظت حتى في دول أوروبية متقدمة، حيث سُجلت حالات جديدة بعد عقود من الاختفاء.
الدكتور حمضي يبرز العواقب المدمرة للعزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة على الصحة البدنية والعقلية
واستطرد الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أن هذا الوضع دليل على أن التحصين الجماعي ليس مكسبًا دائمًا، بل يتطلب استمرارية في الالتزام والمتابعة.
وحذر من أن التراجع في التلقيح يفتح الباب أمام عودة أمراض أكثر خطورة، مثل شلل الأطفال والسعال الديكي، مؤكدًا أن الحفاظ على نسبة تلقيح تفوق 90% داخل المجتمع هو السبيل الوحيد لمنع الأوبئة من العودة.
❖ اليقظة المغربية
يشدد الدكتور حمضي على أن المغرب ما يزال في مأمن نسبيًا من مرض “الدفتيريا”، إذ لم تُسجل أي حالة مؤكدة، غير أن الاحتياط واليقظة يظلان ضروريين في ظل القرب الجغرافي من موريتانيا وكثافة حركة العبور عبر معبر الكركرات.
ودعا الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، إلى تشديد المراقبة الصحية بالمناطق الحدودية، ورفع مستوى التتبع في المراكز الطبية الجهوية، وتفعيل نظام الإنذار المبكر لأي حالة مشتبه بها.
وأكد على أن التلقيح المنتظم للأطفال هو خط الدفاع الأول، داعيًا الأسر إلى التأكد من استكمال أبنائهم جميع الجرعات الأساسية، مطالبًا بتدارك الفئات التي تأخرت عن التطعيم خلال فترة الجائحة، لأن أي ثغرة في المناعة الجماعية قد تفتح الباب أمام عودة أمراض اختفت لعقود.
وأشار إلى أن المغرب يملك تجربة رائدة في مجال التحصين بفضل برنامجه الوطني للتمنيع، الذي حقق نجاحات باهرة في القضاء على أمراض الطفولة المعدية، لكنه بحاجة إلى تعبئة جديدة لحماية هذه المكتسبات، خاصة مع تنامي الأخبار الزائفة حول اللقاحات في الفضاء الرقمي.
❖ دروس إقليمية
يرى حمضي أن تفشي “الدفتيريا” في موريتانيا يمثل إنذارًا للصحة الإقليمية، لأن الأوبئة لا تعرف الحدود، وأي تراخٍ في بلدٍ واحدٍ يمكن أن ينعكس سريعًا على جيرانه.
وأكد أن المطلوب اليوم هو تعاون مغاربي وإفريقي لتقوية أنظمة المراقبة الصحية وتبادل البيانات وتنسيق الاستراتيجيات الوقائية.
تسعير الأدوية بالمغرب.. بين انتقائية الإصلاح وتحديات الشراكة المهنية
وأضاف أن تجربة المغرب خلال جائحة “كوفيد-19” تقدم نموذجًا ناجحًا يمكن البناء عليه، من خلال الاستباق، والاعتماد على المقاربة الوقائية، والتواصل الفعال مع المواطنين.
ولفت الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، إلى أن الاستثمار في الوقاية والتلقيح لا يقل أهمية عن الاستثمار في العلاج والبنية التحتية الطبية.
وشدد على أن المغرب في موقع متقدم بفضل خبرته ومؤسساته الصحية، لكن الحفاظ على هذا التفوق يستدعي استمرار الثقة في اللقاح، واستدامة اليقظة الصحية، لأن الأوبئة لا تنتهي، بل تنتظر فقط ثغرة كي تعود من جديد.

