يعكس اتساع الدعم داخل الكونغرس الأمريكي لمشروع القانون الرامي إلى تصنيف جبهة “البوليساريو” تنظيما إرهابيا تحوّلا نوعيا في مقاربة جزء متنام من المؤسسة التشريعية الأمريكية لهذا الملف، وانتقاله من خانة التعاطي السياسي التقليدي إلى مجال التقييم الأمني والقانوني ذي الأبعاد الاستراتيجية.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الدولي الراهن، الذي يتسم بتصاعد الهواجس المرتبطة بالأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في مناطق التوتر.
تقرير غوتيريش يجدد الدعوة إلى حل سياسي واقعي للنزاع حول الصحراء المغربية… فهل تقترب لحظة الحسم؟
♦أهمية الدعم الأمريكي المتزايد
أوضح المحلل السياسي وأستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط عباس الوردي، أن اتساع دائرة الدعم داخل الكونغرس الأمريكي لمشروع القانون الذي يقترح تصنيف جبهة “البوليساريو” تنظيما إرهابيا يمثل مؤشرا بارزا على تحول في النظرة الأمريكية لقضية الصحراء المغربية من زاوية الأمن والاستقرار الإقليمي.
وأشار الوردي في تصريح لجريدة “شفاف” إلى أن انضمام شخصيات بارزة مثل النائب الجمهوري لانس غودن، عضو لجنتي العدل والدفاع، إلى قائمة الداعمين يعطي المشروع زخما سياسيا ومؤسساتيا ملحوظا، ويشير إلى استعداد الكونغرس لمناقشة الملف بشكل عاجل وجاد.
وأضاف الوردي أن هذا التوسع في الدعم لا يقتصر على اعتبار المشروع مسألة تشريعية داخلية، بل يعكس إدراكا متزايدا من قبل صناع القرار الأمريكي لأبعاد تهديد جبهة “البوليساريو” على الاستقرار في شمال إفريقيا والمنطقة المغاربية بشكل عام.
ورأى أن هذه المبادرة تأتي في سياق إعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية تجاه المغرب ومنطقة الساحل والصحراء، حيث يزداد اهتمام واشنطن بالملفات الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، والتهديدات التي قد تنشأ عن تنظيمات مسلحة أو جماعات انفصالية.
موسكو والرباط.. هل تمنح اللجنة المشتركة لروسيا “مخرجاً دبلوماسياً” لدعم خطة الحكم الذاتي؟
وأشار المحلل إلى أن الخطوة الأمريكية تمثل رسالة واضحة للمجتمع الدولي حول ضرورة التعامل مع ملف البوليساريو من منظور أمني وقانوني، وليس فقط سياسي ودبلوماسي، بما يضمن أن أي دعم دولي أو تمويل أو تحرك سياسي للجبهة يخضع للرقابة والتقييم وفق معايير مكافحة الإرهاب.
واعتبر الوردي أن هذا التوجه يعكس تحولا ملموسا في الموقف الأمريكي، ويزيد من مصداقية المغرب في الدفاع عن سيادته على أقاليمه الجنوبية، ويعزز مكانته على الساحة الإقليمية والدولية.
♦انعكاسات محتملة على المنطقة
في هذا السياق، ذهب عباس الوردي إلى أن تصنيف جبهة “البوليساريو” تنظيما إرهابيا قد يكون له انعكاسات مباشرة على المشهد السياسي والأمني في المنطقة.
وأكد أن مثل هذا التصنيف سيضع قيودا على تحركات الجبهة، ويحد من قدرتها على الحصول على تمويل دولي، كما سيعيد ترتيب أولوياتها السياسية والدبلوماسية.
ولفت إلى أن هذا التطور قد يعزز موقف المغرب في المفاوضات الدولية، ويقوي حجة المملكة أمام المجتمع الدولي بأن الجهود المغربية في الصحراء تهدف إلى حماية الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأورد الوردي أن الخطوة الأمريكية تأتي في وقت حساس، حيث يتواصل المغرب في تعزيز قدراته الدبلوماسية والسياسية لضمان اعتراف أوسع بسيادته على الصحراء، بما في ذلك توسيع شبكة العلاقات الثنائية والإقليمية والدولية، وتقوية التعاون الأمني والاستخباراتي مع شركاء استراتيجيين.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
وحث المحلل السياسي إلى أن الدعم المتزايد داخل الكونغرس يعكس نوعا من الانسجام مع التوجهات المغربية في تعزيز الاستقرار ومكافحة أي نشاطات تهدد أمن المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى تحولات ملموسة في سياسات بعض الدول الأوروبية تجاه النزاع الإقليمي.
ونبه الأستاذ الجامعي أيضا إلى أن انعكاسات التصنيف على المستوى القانوني ستكون ملموسة، حيث يمكن أن يؤدي إلى فرض قيود على التمويل الدولي للجبهة، وتقييد قدرتها على التنقل والدبلوماسية، بما يقلل من فعاليتها على الصعيد الدولي.
وأبان أن هذا يعزز موقف المغرب في المحافل الدولية، ويزيد من الضغط على الجبهة للتقليل من أنشطتها التي يمكن اعتبارها تهديدا للأمن الإقليمي.
كما لفت إلى أن هذه الخطوة قد تساهم في تعزيز التعاون الأمريكي المغربي في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب، مما يعكس ثقة الولايات المتحدة في قدرة المغرب على ضبط ملف الصحراء بشكل مسؤول وفعال.
♦تحديات التحليل المستقبلي
وعن التحديات المرتبطة بهذا التطور، شدد عباس الوردي على أن قراءة انعكاسات الدعم الأمريكي لمشروع القانون تتطلب نظرة شاملة، تأخذ في الاعتبار الموازين الداخلية في الكونغرس، ومستوى التوافق بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بالإضافة إلى الاهتمامات الاستراتيجية للولايات المتحدة في شمال إفريقيا.
الدبلوماسية الأمريكية والصحراء المغربية… كيف ستؤثر التحركات الأخيرة على موازين القوى الإقليمية؟
وأظهر أن تقييم الأثر الحقيقي للمشروع يجب أن يدمج تحليل التفاعلات الدولية، بما في ذلك ردود فعل الدول المجاورة والشركاء الدوليين، وموقف الأمم المتحدة من أي خطوات تصعيدية من قبل الجبهة.
وأكد الوردي أن التحليل المستقبلي يحتاج أيضا إلى متابعة دقيقة لتوازنات القوى داخل الكونغرس الأمريكي، حيث أن سرعة البث في المشروع تعتمد على الدعم السياسي الداخلي وقدرة اللجنة المختصة على تمريره.
وقال إن هناك احتمالية أن تواجه المبادرة عراقيل تشريعية أو دبلوماسية، لكنها في كل الأحوال تمثل مؤشر قوة للمغرب على الساحة الدولية، خصوصا في مساعيه لتعزيز الاعتراف بسيادته على الصحراء ومواجهة أي محاولات لتقويض مصالحه.
وخلص عباس الوردي إلى أن الدعم الأمريكي المتزايد لمشروع القانون يعكس اعترافا متناميا بالدور المغربي في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وأن أي خطوات تصعيدية من قبل جبهة “البوليساريو” ستواجه ردودا دولية ملموسة، بما يعزز موقف المغرب دبلوماسيا وأمنيا.
واسترسل المتحدث أن المتابعة الدقيقة لتطورات المشروع ستكون ضرورية لفهم انعكاساته على السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، وعلى مسار حل النزاع الإقليمي في الصحراء المغربية، مع التأكيد على أن المغرب يمتلك قدرة كبيرة على توظيف هذا الدعم الدولي لتعزيز سيادته وحماية مصالحه الوطنية.

