كشف تقرير صحفي إسرائيلي عن انخفاض مبيعات الأسلحة الإسرائيلية السنوية خلال 2023، الموجهة للدول العربية التي استأنفت علاقاتها مع تل أبيب في 2020 عن طريق اتفاقيات “أبراهام” (اتفاقيات إبراهيم)، مشيرا إلى أن هذا الأمر يأتي في وقت سجلت فيه قيمة الصادرات بالمجموع الضعف تقريبا مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات.
وذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل – The Times of Israel” الإسرائيلية نقلا عن مديرية التعاون الدفاعي الدولي التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلي (سيبات)، أن مبيعات إجمالي الصادرات الدفاعية بلغ 13 مليار دولار العام الماضي، متجاوزا 12.5 مليار دولار المسجل في عام 2022، وهو الرقم القياسي السابق، حيث ظل الأمر يتراوح ما بين عامي 2018 و2020 في حدود 7.5 مليار دولار و8.5 مليار دولار.

وتابعت أنه مع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر الماضي، قالت وزارة الدفاع إنها بدأت العمل في “وضع الطوارئ”، مع تجنيد مقاولي الدفاع للمجهود الحربي من خلال تصنيع الأسلحة والمعدات للجيش الإسرائيلي على مدار الساعة، إلى جانب تلبية الطلبات السابقة للعملاء الأجانب.
وأبرزت الصحيفة الإسرائيلية أن “الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، التي قامت بتطبيع العلاقات مع إسرائيل في اتفاقيات عام 2020 المعروفة باسم ((اتفاقيات إبراهيم))، شكلت 3% فقط من مشتريات الأسلحة، أي بانخفاض بلغ 24 % مقارنة بعام 2022″، وهو ما يثير تساؤلات عديدة عن علاقة ذلك بالعدوان الذي تتعرض له غزة وموقف الرباط المنادي بوقف الحرب على غزة وإيصال المساعدات الإنسانية وحل الدولتين طبقا للشرعية الدولية ولقرارات منظمة الأمم المتحدة.
Israeli arms sales break record for 3rd year in row, reaching $13 billion in 2023 https://t.co/qrqtXREny7
— The Times of Israel (@TimesofIsrael) June 17, 2024
♦ أسباب وسياقات التراجع
يرى الشرقاوي الروداني، الأستاذ الزائر بعدة جامعات مغربية ودولية، والخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن بيع أو شراء الأسلحة يخضع لضوابط وشروط صارمة وليست له علاقة مباشرة بالوضع في غزة.
وأضاف الروداني أن المغرب في إطار خلق منظومة عسكرية دفاعية وضع استراتيجية دقيقة مرتبطة اولاً بتقييم الوضع ورؤية مسار متطلبات الاحتياجات في الزمان والمكان، وذلك في قراءة متأنية للضوابط التي تحكم عملية البيع والشراء، إذ يكون الهدف هو تحديد الحاجيات الأساسية التي تسمح باستخدام الإمكانيات المتاحة بدقة.
وتابع أن العلاقات المغربية الأمريكية الإسرائيلية تحكمها قواعد وضوابط محددة في الاتفاق الثلاثي، والتي لها طابع استراتيجي بالنسبة للمجموعة، فإذا كانت الصحافة الاسرائيلية تقول حسب ما جاء في المقال أن المبيعات انخفضت فلا يمكن إلا وضع المعلومة تحث المجهر وقراءتها بشكل عام.
وأردف أنه على المستوى الداخلي، هناك مشاكل كبيرة تواجه الحكومة الإسرائيلية، وهناك شرخ كبير بين المؤسسة العسكرية والسياسية، مبرز أنه لعل إقالة مسؤولين عسكريين دليل على هذا الأمر، لافتا إلى وجود صراع كبير بين الأجنحة داخل إسرائيل التي أصبحت ترى الأمور المرتبطة بتداعيات الوضع على العلاقات الخارجية تأخذ منحى آخر.
في السياق ذاته، اعتبر محمد الطيار، الخبير والباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، في تصريح لـ“شفاف”، أن تراجع مبيعات إسرائيل للدول التي ربطتها بها علاقات رسمية في 2020؛ غير مؤثر على العلاقات بين هاته البلدان، مشيرا إلى أن المغرب استأنف علاقاته مع تل أبيب في إطار اتفاق ثلاثي يجمع الطرفين إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية في إطار واضح ينبني على علاقات استراتيجية تشمل عدة مجالات.
وأضاف أن هذا التراجع في المبيعات له علاقة بالحرب على قطاع غزة، حيث أن أي دولة كيفما كانت عندما تكون منخرطة في حرب تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى مختلف أنواع الأسلحة ولا يمكنها بالتالي الإقدام على بيعها لأطراف أخرى، مهما كانت مستويات العلاقات والشراكات التي تجمعها بها.
وأبرز أن الدول المصنعة للأسلحة لمّا تدخل في أي صراع تتراجع بشكل تلقائي مبيعاتها من الذخيرة والآليات العسكرية، مبرزا أن هذا هو السبب الرئيسي في انخفاض المشتريات المغربية من السلاح ذات المصدر الإسرائيلي، موضحا أن الرباط لا تعتمد على جهة بعينها في هذا الجانب، بل إن استراتيجيتها تقوم على تنويع الشركاء بما يتعلق بترسانتها العسكرية.
♦ تنويع الشركاء والاستقلالية
يشير محمد الطيار إلى أن المغرب يعتمد على سياسة تنويع الشركاء لا من ناحية التزود ببعض الأنواع من السلاح والذخيرة أو ما يرتبط بتوجهه القائم على توطين الصناعة العسكرية بالمملكة، مبرزا أن الرباط لها اليوم شراكات قوية في هذا الجانب مع كل من أمريكا وإسرائيل والبرازيل والصين وتركيا، وغيرها من الدول الأوروبية الرائدة في هذا المجال.
وأبرز أن أمر تراجع واردات الرباط من السلاح الإسرائيلي لا يشكل موضوعا مؤثرا على التوجه المغربي القائم حاليا على تقليص فاتورة استيراد الأسلحة، من خلال إقامة صناعة عسكرية وطنية تسمح له مستقبلا بصنع سلاحه وذخيرته، ومختلف قطاع الغيار والآليات التي تحتاجها القوات المسلحة الملكية في مهامها.
وشدد الخبير والباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية أن المملكة تسعى في قادم السنوات لتطوير صناعتها العسكرية، بشكل يجعلها مستقلة عن باقي بلدان العالم ويغنيها ما أمكن عن الاستيراد من الخارج والذي تكون له كلفة مادية كبيرة، وتجعلها في الجانب ذاته غير مرتبطة في هذا المجال بالخارج.
وأوضح أن تقييد عدد من الدول لاستعمال أسلحتها في صراعات معينة في ظل تزايد الصراعات الإقليمية والدولية يدخل في إطار الاتفاقيات الثنائية بين البائع والمشتري، مشيرا إلى أن المغرب يعمل على ضمان استقلاليته في الصناعة العسكرية، وجعل هذه الأخيرة تساهم في توفير فرص الشغل، وفي التنمية المنشودة وفي فتح أوراش مهمة جدا لبلادنا، ولتنويع مصادر خزينة الدولة.
وفي جانب آخر، يعتبر الشرقاوي الروداني أنه حسب تصريحات مجموعة من المسؤولين أن عمليات البناء والترميم الذي عرفته بعض العلاقات الدولية لإسرائيل قد يكون للحرب على غزة تأثير في ديمومتها أو تعثرها، لافتا إلى أن المعطيات الصحفية قد تكون غير صحيحة، ولكنها فقط تشير في المجمل إلى زعزعة قد تربك مسار تحالفات مهمة.
وأضاف أنه على المستوى المغربي، فيمكن الإشارة إلى أن المملكة لها تحالفات استراتيجية مع مجموعة من الدول المصنعة للأسلحة، مشيرا إلى سوق هذه الأخيرة هو مفتوح بشكل كبير خصوصا بالنسبة للدول التي لها مصداقية كبيرة على المستوى الدولي.
وأشار إلى أن المغرب دخل منذ مدة في استراتيجية توطين صناعة الأسلحة الدفاعية، وذلك لعدة اعتبارات مرتبطة بتقوية الاستقلالية السيادية العسكرية، موضحا أن هذا الأمر تم الحسم فيه والمجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس أعطى تعليماته السامية في الإسراع في خلق منطقتين صناعيتين على المستوى الوطني.
وأبرز الخبير في الدراسات الجيوستراتيجية والأمنية، إلى أن المغرب قام بعدة خطوات مسبقة للوصول إلى هذه المرحلة، بداية من قيامه بجرد شامل خصّ تحليل الوضع الراهن وتقييم الاحتياجات عن طريق دراسة السوق من خلال تحليل الأسواق المحلية والدولية لتحديد الفرص والتحديات في المجال العسكري، وكذلك تقييم الموارد المتاحة عن طريق تقييم الموارد البشرية والتقنية والمادية المتاحة.
وأردف أنه بعد ذلك أتت مرحلة تحديد الاحتياجات الأمنية والدفاعية، لاسيما تحليل التهديدات الأمنية لتحديد المتطلبات الدفاعية، موضحا أنه كخطوة مهمة جاء تحديد الأهداف الاستراتيجية، والتي تلتها تطوير خطة العمل عن طريق اختيار التكنولوجيا المناسبة بما فيها تحديد التقنيات المتقدمة التي سيتم الاستثمار فيها.
المغرب بين رهان السيادة الدفاعية ومخاطر التحديات الأمنية في منطقة الساحل
واستطرد أن المغرب عمل على وضع خطوة للتصميم والتطوير، والتي سيتم فيها رسم ووضع خطط لتصميم وتطوير المنتجات العسكرية، مشددًا على أن مرحلة التعاون والشراكات تبقى ذات طابع خاص من خلال تحديد الشركاء الاستراتيجيين في القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى أنه في الأخير يتم تحديد المصادر التمويلية سواء من الميزانية الحكومية أو من الاستثمارات الخاصة، وكذا إدارة التكاليف لاسيما وضع آليات للتحكم في التكاليف وضمان الاستخدام الأمثل للموارد.
واعتبر الروداني أن المغرب دخل مراحل جد متقدمة في توطين هذه الاستراتيجية، وذلك من خلال الرفع من منسوب المنهجية التي سطرها القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة الذي يولي اهتمامًا كبير للابتكار وتطوير القدرات البشرية العلمية للجامعات والمعاهد العلمية المتخصصة في المجال، مبرزا أن هذا الأمر يمكن قراءته في خارطة الطريق التي جاءت في الأمر اليومي بمناسبة ذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية.

