سجل عدد من المصطافين امتعاضهم على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تدهور نظافة شواطئ المملكة وانتشار النفايات بشكل واسع خلال موسم الاصطياف الحالي.
وعبر الكثيرون منهم عن استيائهم من السلوكيات غير المسؤولة لبعض الزوار الذين يتركون مخلفاتهم دون احترام للبيئة، ما أدى إلى تشويه جمال الفضاءات الساحلية التي تعتبر متنفسا هاما للسكان ومقصدًا للسياح.
ويعكس هذا الاستياء غيابا واضحا للوعي البيئي وضعف الثقافة المجتمعية في مجال حماية الفضاءات العامة، ما دفع إلى مطالبة الجهات المسؤولة بالتحرك الفوري وتفعيل دورها لضمان نظافة الشواطئ والحفاظ عليها.
ويؤكد المصطافون أن هذه الظاهرة تتطلب تحركا سريعا من مختلف الجهات لضمان بيئة نظيفة وآمنة تحترم صحة الإنسان والطبيعة، وتحافظ على هذه المواقع الحيوية كجزء من التراث الوطني.
♦ بيئة بلا وعي
يرى فؤاد يعقوبي، الخبير في علم النفس الاجتماعي والإعلامي، أن تدهور حالة الشواطئ المغربية خلال موسم الاصطياف لا يقتصر على مشهد بيئي سلبي، بل يعكس أزمة مجتمعية وثقافية عميقة تعبر عن غياب وعي جماعي حقيقي تجاه حماية البيئة والفضاءات العامة.
وأوضح يعقوبي، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن ما يشهده المغرب من تراكم النفايات وتجاوزات سلوكية على الشواطئ هو نتاج خلل في التنشئة الاجتماعية والثقافية للجيل الحالي، حيث لم تزرع في نفوس المواطنين قيم احترام الطبيعة والاعتناء بالمرافق المشتركة، مما أفسح المجال أمام سلوكيات ملوثة وغير مسؤولة تنتشر بشكل ملفت في فترات الاصطياف.
ولفت يعقوبي إلى أن ضعف التنشئة البيئية يمثل السبب الجوهري وراء الإهمال المتكرر للبيئة، خصوصا على مستوى الشواطئ. مضيفا أن المناهج التعليمية لم توظف بعد دورها الفعلي في دمج التربية البيئية ضمن البرامج الدراسية، كما غابت الحملات التوعوية المستمرة التي يجب أن تستهدف المجتمع ككل، خاصة الأطفال والشباب، لبناء جيل واع بالمسؤولية البيئية.
رماد وأكوام وجلود .. مشاهد تفسد رونق الاحتفال بعيد الأضحى وتهدد البيئة، فأين يكمن الخلل ؟
وأشار إلى أن غياب هذه القيم وغياب إدراك التأثيرات البيئية السلبية يدفع أعدادا كبيرة من المواطنين إلى التهاون في احترام القوانين المتعلقة بالنظافة، ما يتحول مع الوقت إلى نمط سلوكي عادي في فصل الصيف، رغم ما يشكله من خطر على البيئة والصحة العامة.
♦ مسؤولية مؤسساتية وأدوار ناقصة
وفي السياق ذاته، يشير يعقوبي إلى أن المؤسسات التعليمية والإعلامية تتحمل مسؤولية محورية في ترسيخ الثقافة البيئية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية الفضاءات الطبيعية.
ويؤكد أن المدارس والجامعات مطالبة بإدماج التربية البيئية ضمن المناهج الدراسية بشكل فعال، عبر دروس ومحتويات تربوية تغرس في نفوس التلاميذ والطلبة قيم احترام الطبيعة والعناية بالأرض.
ويرى أن هذه العملية التربوية ينبغي أن تبدأ من المراحل الأولى، لتكسب الأجيال الناشئة سلوكيات واعية ومسؤولة تجاه الفضاء العام، وتعلمهم كيفية التعامل مع الموارد البيئية بروح المواطنة والالتزام.
وشدد يعقوبي على ضرورة أن يتحول الإعلام إلى فاعل مركزي في هذا الورش، من خلال إنتاج حملات إعلامية وتغطيات صحفية تروج للممارسات الإيجابية، وتسلط الضوء على المبادرات المواطنة التي تساهم في نظافة الشواطئ والحفاظ على المساحات الطبيعية. مؤكداً أن الأخير، إذا ما أدى دوره بكفاءة، يمكن أن يصبح أداة فعالة لإعادة تشكيل الوعي البيئي وتوجيه السلوك الجماعي نحو حماية المصلحة البيئية المشتركة.
جدل استيراد النفايات الأوروبية بين التطمينات والتحذيرات.. من المستفيد ومن المتضرر؟
♦ تدهور ثقافي بيئي
ومن جهة أخرى، قال يعقوبي إن محدودية الوعي البيئي في المجتمع ليست سوى مظهر خارجي لأزمة أعمق ترتبط بخلل في البنية الثقافية والاجتماعية، حيث يغيب لدى فئات واسعة من المواطنين الإحساس بالانتماء والمسؤولية الجماعية تجاه الموارد الطبيعية.
ويرى أن هذا الغياب أنتج مناخا يسمح بانتشار سلوكيات التلوث والإهمال، في ظل ضعف ثقافة احترام الفضاء المشترك وغياب روح التعاون والتضامن البيئي.
وبين أن تجاوز هذه الوضعية لا يمكن أن يتحقق عبر تدخل جزئي أو ظرفي، بل يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة تتقاطع فيها أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والإعلام، إلى جانب تدخل فعّال من الدولة عبر إقرار منظومة قانونية صارمة، وتفعيل آليات المراقبة والزجر، بما يضمن احترام القواعد البيئية بشكل منهجي وليس ظرفيا.
ولفت يعقوبي إلى أن المجتمع المدني، بكل مكوناته الجمعوية والبيئية، يمثل أحد أبرز الخطوط الأمامية في التصدي لمظاهر التلوث والإهمال، من خلال تنظيم حملات تحسيسية وأنشطة ميدانية لتنظيف الشواطئ وتربية المواطنين على احترام المجال الطبيعي.
♦ الوعي البيئي بين النظرية والممارسة
أكد فؤاد يعقوبي، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب في ملف البيئة لا يقتصر على نقص الوعي، بل يتجسد في ضعف ترجمة هذا الوعي إلى سلوك يومي مستدام داخل الأسرة والمدرسة وأماكن العمل والفضاء العام.
وكشف أن تجاوز هذا الخلل يتطلب تخطيطا تربويا مندمجا، يبدأ من السنوات الأولى للتعليم، ويهدف إلى غرس القيم البيئية كمكون أساسي في شخصية الفرد المغربي.
وشدد على أن النظافة والعناية بالشواطئ لا يمكن أن تظل مرتبطة فقط بالمبادرات الموسمية أو الحملات الظرفية، بل ينبغي أن تتحول إلى سلوك مجتمعي راسخ، تنخرط فيه كل الفئات والقطاعات بوعي جماعي ومسؤولية دائمة.
وأضاف أن تحويل الوعي البيئي من مجرد شعار إلى ممارسة واقعية يفرض مقاربة شاملة، تشمل التربية، التشريع، الرقابة، والإعلام، بالإضافة إلى إشراك المجتمع المدني والمواطنين في الجهود الرامية إلى حماية البيئة.
وتابع إلى أن تحقيق هذا التحول يتطلب أيضا تفعيل عقوبات صارمة تجاه المخالفين لقوانين حماية البيئة، بما يعزز الردع ويكرس ثقافة احترام الفضاء العام. داعيا إلى إشراك المواطن في السياسات البيئية، ليس فقط كمتلقٍ للبرامج، بل كفاعل مباشر وشريك في القرار والتنفيذ، حتى يشعر بأن حماية الشواطئ والفضاءات العامة جزء من مسؤوليته المباشرة.
وأظهر أن الحفاظ على نظافة الشواطئ المغربية يجب أن يشكل أولوية وطنية، تُدرج ضمن استراتيجية التنمية المستدامة، وتستند إلى التنسيق المستمر بين مختلف الفاعلين، من حكومة ومؤسسات تعليمية وإعلامية ومجتمع مدني، مع ضرورة تحفيز المواطنين على المشاركة الفعلية في جهود الحفاظ على البيئة، ليس من باب التطوع، بل باعتبارها التزامًا وطنيا يوميا.
خبير بيئي يكشف لـ”شفاف” أهمية الصبيب الإيكولوجي في الحفاظ على التنوع البيولوجي ودعم المنظومة البيئية
وقال إن البيئة تمثل رئة الوطن، ومصدر حياة الأجيال القادمة، وإن إهمالها هو إضرار مباشر بمستقبل البلاد وصحة ساكنتها. مشددا على أن استعادة الشواطئ المغربية لوضعها الطبيعي لا يمكن أن تتم عبر مبادرات معزولة، بل تحتاج إلى إعادة بناء ثقافة بيئية جديدة تحترم الطبيعة وتكرّس قيم المسؤولية الفردية والجماعية.
وجدد يعقوبي تأكيده على أن أي مجهود لحماية البيئة لن يكتب له النجاح ما لم يتحول إلى التزام دائم، يبدأ من الفرد ويمتد إلى الأسرة، المدرسة، المؤسسات، والمجتمع ككل.
واعتبر أن حماية الموارد الطبيعية والاستثمار في جودة الحياة مسؤولية مشتركة، لا تعترف بالفواصل بين القطاعات أو المستويات الإدارية، بل تتطلب تعبئة شاملة ومستمرة.
وخلص إلى أن التغيير الحقيقي لن يحدث إلا إذا تحولت ثقافة احترام البيئة إلى مرجعية عامة في سلوك المغاربة، وأصبحت جزءا من منظومة القيم اليومية، مشيرا إلى أن ضمان استدامة الموارد وحماية الصحة العامة لا يمكن فصله عن بناء هذا الوعي الجماعي والقدرة على ممارسته بشكل فعلي ومتواصل.

