كشفت دراسة وطنية حديثة أعدها المركز المغربي للمواطنة عن تدهور مقلق في مستوى السلوك المدني لدى المغاربة، إذ رصدت الدراسة التي أنجزت بين 10 من فبراير و13 من مارس من سنة 2025 مؤشرات عديدة تنذر بتراجع قيم الاحترام والانضباط والنظافة والمسؤولية الجماعية داخل الفضاءات العامة، مقابل بروز سلوكات غير مدنية تهدد صورة البلاد وتضر بجمالية المجال العمومي، خصوصاً في أفق استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030.
وقد استندت الدراسة إلى استبيان إلكتروني مفتوح شارك فيه 1173 مواطناً ومواطنة من مختلف جهات المملكة، تمثل فئة نشطة رقمياً وتوزعت من حيث النوع على 75.9% من الذكور و24.1% من الإناث.
♦تدهور السلوك المدني
أشارت الوثيقة إلى أن اعتماد العينة على مشاركين من الفضاء الرقمي قد يحد جزئياً من تمثيلية شاملة لكل فئات المجتمع، لكنه مع ذلك يمنح مؤشرات دقيقة عن فئة واسعة من المواطنين.
وتشير الدراسة إلى أن التحولات الاجتماعية والعمرانية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، من تمدن متسارع وهجرة داخلية من القرى نحو المدن، قد ساهمت في خلق أنماط عيش جديدة يغلب عليها التوتر والانغلاق وضعف الانضباط، وهو ما أدى إلى تراجع واضح في جودة العلاقات الاجتماعية وتفكك آليات الرقابة والتضامن الجماعي. مبرزة هذا الوضع أدى إلى تنامي سلوكيات فردية غير مدنية تضعف من الإحساس الجماعي بالانتماء وتضر القيم التي بني عليها المجتمع المغربي.
فيما يتعلق بالتفاعل الاجتماعي في الفضاء العام، عبّر 42.8% من المشاركين عن عدم رضاهم عن مدى احترام اللباقة واستخدام لغة محترمة، بينما وصف 44.8% الوضع بالمتوسط، ولم يتجاوز الراضون عن هذا الجانب نسبة 12.4%.
أما بخصوص احترام الجيران، فقد أبدى 44.4% انزعاجهم من سلوك المغاربة تجاه بعضهم البعض، وأكد 52.2% استياءهم من طريقة التعامل مع النساء، و47.2% من تعامل المواطنين مع الفئات الهشة والمستضعفة. بينما أظهر تقييم احترام كبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة نتائج أكثر إيجابية، حيث عبّر 43.3% عن رضاهم.
فيما يخص الممارسات البيئية، أكدت النتائج أن 73.5% من المستجوبين غير راضين عن سلوك المواطنين فيما يخص رمي النفايات، و66.8% اعتبروا أن المساحات الخضراء لا تلقى الاحترام الكافي، في حين بلغت نسبة الاستياء من عدم الحفاظ على تجهيزات الفضاء العام 69.8%. وفيما يخص التدخين في الأماكن العامة، أعرب 49.8% عن انزعاجهم من الظاهرة، مقابل 18.6% فقط عبّروا عن رضاهم.
♦مؤشرات السلوك السلبي
تشير المعطيات إلى أن سلوك الانضباط لا يحظى باحترام كافٍ لدى فئة واسعة من المواطنين. فقد عبّر 60.7% عن عدم رضاهم عن احترام المواعيد، و46.2% من احترام الطوابير، و54.8% من التصرفات في وسائل النقل العمومي. كما ندد 60.9% بعدم احترام قوانين السير، و53.5% بانزعاجهم من ارتفاع الأصوات في الفضاء العام. أما الالتزام باللباس اللائق، فقد حصل على تقييم سلبي من 33.2% من المشاركين، في حين وصف 41.9% الوضع بالمتوسط.
ورصدت الدراسة انتشار سلوكيات أخرى تؤثر سلباً على جودة الحياة، منها الغش في المعاملات التجارية (83.1%)، مضايقات حراس السيارات (87.7%)، احتلال الملك العمومي (93.2%)، والتسول (92.2%). كذلك، أبدى المستجوبون انزعاجهم من تشويه جمالية الفضاء العام عبر نشر الغسيل أو وضع الأطباق على الواجهات، بالإضافة إلى انتشار الأشخاص المصابين بأمراض نفسية في الشوارع (84.4%)، والحيوانات الضالة (85.8%).
في تقييمهم العام، عبّر 57.6% من المشاركين عن تقييم سلبي لمستوى السلوك المدني في الفضاء العام، مقابل 39.5% وصفوه بالمتوسط، و2.9% فقط اعتبروه مرتفعاً. وحول مستوى التسامح، اعتبر 54.8% أنه متوسط، بينما رأى 33% أنه ضعيف، في حين عبّر 12.1% عن رضاهم.
أما بخصوص تدخل المواطنين لتصحيح السلوك غير المدني، فأكد 54.2% أنهم تدخلوا عدة مرات، في مقابل 8.4% لم يتدخلوا مطلقاً أو لا يرون ضرورة لذلك. كما أظهرت الأرقام أن 38.8% من المشاركين سبق لهم أن شاركوا في مبادرات مواطنة، بينما لم يسبق لـ30.9% ذلك. وحول تطور الوعي بالسلوك المدني خلال السنوات الأخيرة، يرى 50% أنه تحسن بشكل طفيف وغير كاف، في حين أكد 30% أنه تراجع، ولم يلاحظ 10.6% أي تغيير، بينما رأى 9.4% أن هناك تحسناً ملموساً.
سجلت الدراسة قلقاً بالغاً لدى المشاركين من تأثير السلوكيات غير المدنية على صورة المغرب خلال تنظيم كأس العالم 2030. فقد اعتبر 84.8% أن الغش في المعاملات التجارية والسياحية من أبرز المخاطر، وتبعته ظاهرة رمي النفايات (81.7%)، والتسول (77.0%)، وغياب المراحيض العامة النظيفة (73.6%). كما شكلت مشاكل سيارات الأجرة، وضعف الخدمات الصحية، والتحرش، والمضايقات، والسياقة المتهورة، وسوء استقبال السياح، أبرز السلوكيات التي تهدد صورة المغرب، وفق نتائج الاستطلاع.
♦فرص الإصلاح والتغيير
رأى المشاركون أن الأسرة تمثل الحلقة الأهم في ترسيخ السلوك المدني بنسبة 80%، تليها المؤسسات التعليمية (59.7%)، ثم القوانين الصارمة (54.9%)، فالوازع الديني والقيم الأخلاقية (44.4%). كما اعتبر 43.3% أن سلوك المواطنين أنفسهم له تأثير كبير، و38.9% تحدثوا عن تأثير وسائل الإعلام الرقمية، في حين أكد 36.5% أهمية الشفافية في المعاملات، و25% أهمية إبراز القدوة، و20.8% فقط تحدثوا عن أهمية العمل التطوعي والمجتمعي.
خلص التقرير إلى ضرورة إطلاق حملة وطنية شاملة لتعزيز السلوك المدني في أفق كأس العالم 2030، تستند إلى ثلاث ركائز أساسية: التربية والقُدوة، الزجر وتطبيق القانون، والمشاركة المجتمعية. كما دعت التوصيات إلى تحسين جودة الفضاءات العمومية، واستثمار النجاحات الرياضية الرمزية، خصوصاً في كرة القدم، لترسيخ روح المواطنة والانضباط.
ترى الدراسة أن تنظيم كأس العالم 2030 يجب أن يُستثمر كفرصة استراتيجية لإطلاق دينامية داخلية لإصلاح الأعطاب البنيوية في السلوك المدني، شريطة توفر إرادة مؤسساتية صادقة، وانخراط جماعي واسع، واستراتيجية طويلة النفس. فنجاح هذا الحدث العالمي لا يتوقف فقط على جاهزية البنية التحتية، بل على مدى قدرة المجتمع المغربي على تقديم نموذج حضاري يتسم بالاحترام، والنظافة، والانفتاح، والتسامح.

