في خطوة تؤكد المكانة الصناعية المتنامية للمغرب على الساحة الدولية، أشرف الملك محمد السادس، مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن، على تدشين أضخم مركب لصناعة محركات طائرات “الإيرباص” العملاقة بإقليم النواصر (ضواحي مدينة الدار البيضاء)، حيث إن هذا المشروع، الذي تشرف عليه مجموعة “سافران” الفرنسية الرائدة في مجال الطيران، يرسخ مكانة المملكة كقطب استراتيجي عالمي في الصناعات الجوية المتقدمة، ويجسد الرؤية الملكية الساعية إلى جعل المملكة منصة تنافسية لصناعة الطيران بفضل كفاءاته المؤهلة وبنياته التحتية المتطورة واستقراره الاقتصادي والمؤسساتي.
وهذا الحدث البارز يثير تساؤلات ضمنية حول دلالاته الاستراتيجية وآفاقه المستقبلية، وإن كان سيشكل هذا المشروع تتويجًا لمسار طويل من التحول الصناعي، أم بداية لمرحلة جديدة من السيادة التكنولوجية المغربية، وعن الكيفية التي سينعكس بها على موقع المملكة في سلاسل القيمة العالمية وعلى تنافسيتها الإقليمية والدولية، وكذا إمكانية أن يشكل التعاون مع “سافران” نموذجا لشراكة اقتصادية متوازنة بين الشمال والجنوب.
الملك يترأس حفل تقديم وإطلاق أشغال إنجاز المركب الصناعي لمحركات الطائرات التابع لمجموعة “سافران”
❖ تحول استراتيجي جديد
يرى عبد الخالق التهامي، الخبير والمحلل الاقتصادي، أن تدشين الملك محمد السادس، لأكبر مركب لصناعة محركات الطائرات في إفريقيا يعد محطة فارقة في المسار الصناعي للمملكة، مبرزًا أن المغرب يواصل تثبيت مكانته كقوة صناعية صاعدة في مجالات دقيقة عالية التكنولوجيا، بعد أن نجح في ترسيخ حضوره في قطاع السيارات والطاقة المتجددة.
واعتبر التهامي في تصريح لجريدة “شفاف” أن هذا المشروع ليس فقط استثمارًا في البنية الصناعية، بل هو استثمار في المستقبل، وفي التموقع الاستراتيجي والقدرات الوطنية.
المغرب يعزز الاستثمارات في شبكة السكك الحديدية.. فما هي المكاسب التي سيجنيها الاقتصاد المغربي؟
وفي السياق ذاته، يؤكد بدر الزاهر الأزرق، أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المغرب يشرع فعليًا في الانفتاح على القطاعات الصناعية الكبرى، بخطى أسرع وأكثر نضجًا مما كان عليه قبل عقدين.
وأضاف الأزرق في تصريح لـ”شفاف”، أن الانتقال من صناعة السيارات إلى الطيران يمثل تصعيدًا في مستوى التعقيد الصناعي، وهو ما يعكس الرغبة في تحقيق استقلال صناعي وتكنولوجي متكامل خلال العقدين القادمين.
❖ تنويع القاعدة الصناعية
يلفت التهامي إلى أن دخول المغرب عالم صناعة محركات الطائرات يبرز نقلة نوعية في تنويع الاقتصاد، ويؤكد أن التصنيع لم يعد حكرًا على مجالات تقليدية، بل أصبح يمتد إلى الصناعات المتقدمة التي تتطلب دقة تقنية ومعرفة علمية متخصصة.
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا التوجه الذي يبرز من خلال هذا المشروع؛ سيعزز من حضور المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية ويضاعف قدرته التصديرية.
توطين الصناعات الدفاعية بالمغرب.. خيار سيادي واستراتيجية جيوأمنية متعددة الأبعاد
أما الأزرق، فيرى أن التجربة المغربية في الطيران تسير بنفس المنهج الذي طُبق في قطاع السيارات؛ المتمثل في بناء منظومة تشغيل وتكوين، ثم رفع نسبة الاندماج الصناعي المحلي، ، لافتًا إلى أن رقم معاملات صناعة قطاع الطيران بالمملكة تقارب اليوم 3 مليارات دولار.
واستطرد أن الهدف اليوم هو استنساخ التجربة الناجحة لصناعة السيارات في الطيران، ثم في قطاعات أخرى كالسكة الحديدية وصناعة السفن والتجارة البحرية، لتشكيل قاعدة صناعية وطنية متكاملة.
❖ الرهان على القيمة المضافة
يعتبر التهامي أن القيمة المضافة الكبرى للمشروع تكمن في نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات المحلية، مشيرًا إلى أن التحول الصناعي الحقيقي لا يتحقق إلا حين تصبح المعرفة التقنية ملكًا للبلد لا للشركات الأجنبية.
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي أن المملكة المغربية تسعى في إطار سياساتها المرتبطة بالمجال الصناعي إلى الانتقال من مرحلة استقبال التكنولوجيا إلى خانة إنتاجها.
وفي رؤية موازية، يوضح الأزرق أن الغاية النهائية ليست فقط جذب المستثمرين الأجانب، بل بناء منظومة مغربية قادرة على تطوير تكنولوجياتها الخاصة خلال العشرين سنة المقبلة.
وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تستهدف أيضًا تنويع الشركاء الصناعيين، من أوروبا إلى أمريكا الشمالية وآسيا، بما يعزز موقع المملكة كمحور عالمي متوازن في الشمال والجنوب.
❖ التموقع داخل سلاسل الإنتاج
يؤكد التهامي أن المغرب بات مندمجًا بقوة داخل سلاسل الإنتاج العالمية، ولم يعد مجرد طرف تجميعي، بل أصبح يساهم بمكونات أساسية في الصناعات العالمية الكبرى، ومنها الطيران والسيارات والإلكترونيات الدقيقة.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي على أن هذا الاندماج يعكس نضج التجربة الصناعية المغربية، ويمنحها بُعدًا استراتيجيا هامًا في الاقتصاد الدولي.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
ويستكمل الأزرق هذا التحليل بالتأكيد على أن المملكة تعمل على تطوير عرض صناعي متكامل يرتبط بالنقل واللوجستيك والبنية التحتية.
واعتبر أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد، أن هذا التكامل هو الذي يعزز القدرة التصديرية للمغرب، ويؤهله ليكون أول دولة عربية وإفريقية في صناعة الطيران خلال السنوات المقبلة.
❖ التكوين والبحث العلمي
يشدد التهامي على أن نجاح التحول الصناعي رهين بتطوير الرأسمال البشري، داعيًا إلى الاستثمار أكثر في التكوين الهندسي والتقني وربط الجامعات بمراكز البحث المتخصصة في الصناعات المتقدمة.
وأكد المتحدث ذاته، على أن التحول الصناعي بدون بحث علمي وتأهيل مهني يبقى هشًا، مهما كان حجم الاستثمارات ضخمًا أو ذات طابع تقني أو تكنولوجي خاص.
البنك الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المغربي إلى 4.4 %.. هل يكرس ذلك عودة الزخم للاقتصاد الوطني؟
أما الأزرق، فيرى أن توطين التكنولوجيا يمر عبر تطوير منظومة البحث العلمي وربطها مباشرة بالمشاريع الصناعية، معتبرًا أن التكوين المهني في مجالات الطيران والفضاء يمثل صمام الأمان لتحقيق السيادة الصناعية.
واستطرد أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد، أن المملكة مطالبة بمواكبة التطور الصناعي بسرعة موازية في التعليم والبحث، حتى لا يتسع الفارق بين الاستثمار والإنتاج العلمي.
❖ رؤية بيئية وتنموية مستدامة
يبرز التهامي أن أحد الأبعاد الأساسية في المشاريع الصناعية الجديدة هو البعد البيئي، إذ يندرج المصنع الجديد ضمن التوجه العالمي نحو تقليص البصمة الكربونية واعتماد التصنيع الأخضر.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا الالتزام يجعل الصناعة المغربية متوافقة مع المعايير الأوروبية والدولية الجديدة، ما يعزز تنافسيتها في الأسواق الخارجية.
ثورة تنموية مسنودة بانتقال ديمقراطي ونجاح دبلوماسي.. حصيلة 25 عاما من عهد الملك محمد السادس
من جانبه، يرى الأزرق أن اختيار المغرب لمسار التصنيع النظيف ليس مجرد خيار بيئي، بل رهان استراتيجي على الموثوقية الدولية.
وأكد أستاذ قانون الأعمال والاقتصاد، أن الاستدامة أصبحت عاملاً اقتصاديًا حاسمًا في التموقع العالمي، والمغرب يدرك جيدًا أهمية هذا الرصيد في بناء الثقة مع الشركاء والمستثمرين.

