تشهد مكونات الأغلبية الحكومية نقاشًا سياسيًا متصاعدًا على خلفية طريقة تدبير ملف المحاماة، بعد الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة بالتواصل المباشر مع هيئة المحامين، وهذا التطور أعاد إلى الواجهة سؤال حدود الاختصاص داخل العمل الحكومي، ومدى تأثير القرارات السياسية على توازنات التحالف الحاكم.
وفي هذا السياق، برز موقف حزب الأصالة والمعاصرة الداعم لوزير العدل عبد اللطيف وهبي كإشارة سياسية تتجاوز الملف القطاعي نحو دلالات مرتبطة بإدارة التنافس داخل الأغلبية؛ خاصة في ظرفية تتسم ببروز حسابات انتخابية مبكرة، وهو ما يثير التساؤل حول إن كانت هذه التطورات جزءًا من دينامية أوسع تعكس تحولات في العلاقات بين مكونات التحالف الحكومي.
“الأصالة والمعاصرة” يلوح بميثاق الأغلبية دفاعا عن وهبي ويشيد بـ”النجاحات القارية”
❖ اختصاص متداخل
يرى محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، أن القرار الذي اتخذه رئيس الحكومة عزيز أخنوش بهدف تخفيف تداعيات الإضرابات التي خاضتها هيئة المحامين لم يكن قرارًا تقنيًا صرفًا، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة.
وأبرز شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التواصل المباشر مع الهيئة، رغم كونه موجهًا لاحتواء أزمة مهنية، فإن له قراءة سياسية داخل مكونات الأغلبية.
وأبرز أن هذه الخطوة اعتبرت من زاوية وزير العدل والحزب الذي ينتمي إليه؛ تجاوزًا للاختصاص القطاعي، لأن الوزير هو المسؤول المباشر عن تدبير الملف.
وأوضح الباحث في العلوم السياسية أن هذا الإحساس بتداخل الصلاحيات لا يصل إلى مستوى الغضب، لكنه يعكس عدم قبول سياسي لطريقة تدبير الأزمة.
وأضاف أن الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين رئاسة الحكومة وهيئة المحامين فهم داخل الحزب كضربة سياسية لوزير العدل، ليس من حيث المضمون فقط، بل من حيث الرمزية، لأنه يوحي بأن حل الأزمة تم خارج القنوات الوزارية المعتادة، وهو ما يضعف موقع الوزير داخل معادلة التدبير الحكومي.
❖ توتر انتخابي
يربط شقير هذا التطور بالسياق السياسي العام الذي بدأت فيه حسب تعبيره؛ “تسخينات انتخابية” مبكرة، لافتًا إلى أن المشهد الحزبي يشهد تنافسًا متصاعدًا بين مختلف الفاعلين، بما في ذلك مكونات الائتلاف الحكومي نفسها، ما يجعل كل خطوة سياسية قابلة للتأويل في إطار الصراع على المواقع.
وأكد أن هذا التنافس ازداد وضوحًا في ظل معطيات سياسية داخلية، من بينها التحولات المرتبطة بقيادة الحزب الذي يرأسه رئيس الحكومة.
واستطرد الباحث في العلوم السياسية أن هذه المتغيرات ساهمت في رفع منسوب الحساسية تجاه أي قرار يمكن أن يقرأ كإعادة ترتيب للتوازنات داخل الأغلبية.
وأشار إلى أن قرار رئيس الحكومة لم يستقبل باعتباره مجرد مبادرة لتدبير أزمة مهنية، بل كفعل سياسي أعاد إشعال التنافس بين مكونات التحالف، في لحظة يتزايد فيها الاستعداد غير المعلن للاستحقاقات المقبلة.
❖ رد سياسي
يشدد شقير على أن الرد لم يصدر في شكل مواجهة شخصية من وزير العدل، بحكم موقعه داخل الحكومة، بل جاء عبر بلاغ حزبي، موضحًا أن هذا الاختيار يعكس وعيًا بأن القضية تتجاوز شخص الوزير إلى موقع الحزب داخل التوازن الحكومي.
ووصف البلاغ بأنه رد سياسي مؤطر في سياق التنافس الحاد بين مكونات الأغلبية، حيث سعى الحزب إلى الدفاع عن موقعه الرمزي والمؤسساتي، وإبراز أن ما حدث لا يتعلق فقط بملف مهني، بل بتوازنات داخلية ينبغي احترامها.
نزار بركة يقر بفشل سياسات الحكومة في ضبط أسعار اللحوم والأضاحي.. هل يتصدع التحالف الثلاثي؟
وأضاف أن سقف الخطاب الحزبي يعكس طموحًا سياسيًا واضحًا، إذ إن الحزب يقدم نفسه كفاعل قادر على قيادة المرحلة المقبلة، ما يجعل أي خطوة تفهم كإضعاف لوزير ينتمي إليه تقرأ كمساس بصورة الحزب ككل.
❖ توازن هش
يعتبر شقير أن هذه الواقعة تكشف هشاشة التوازن داخل الأغلبية، حيث يمكن لملف قطاعي أن يتحول إلى نقطة توتر سياسي، مبرزًا أن العلاقة بين منطق تدبير الأزمات ومنطق التنافس الحزبي أصبحت متداخلة بشكل يصعب الفصل بينهما.
ويرى أن ما جرى ليس صدامًا مباشرًا بالمعنى التقليدي، لكنه مؤشر على تصاعد التوتر المكتوم، الذي قد يتضاعف مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الاحتكاك يظل جزءًا من دينامية التحالفات الحكومية متعددة الأطراف.
صراع الأغلبية والمعارضة في البرلمان.. قراءة في خلفيات الاشتباك السياسي حول دعم المواشي
ولفت إلى أن استمرار مثل هذه الحالات سيضع مكونات الأغلبية أمام اختبار القدرة على ضبط خلافاتها داخل الأطر المؤسساتية، لأن أي انزلاق نحو صدام معلن قد ينعكس على صورة الانسجام الحكومي وعلى ثقة الفاعلين السياسيين والمهنيين في آليات الوساطة والتنسيق.

