أعلنت المصالح الأمنية المغربية عن توقيف شابة تبلغ من العمر 21 سنة بمدينة الرباط، للاشتباه في تورطها في إعداد مشروع إرهابي يستهدف منشأة دينية، جاء التوقيف بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية الفرنسية، ما يعكس مستوى التعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب.
وتشير التحريات إلى أن الموقوفة كانت في مرحلة متقدمة من التحضير للعمل الإرهابي، بعد اكتساب معارف في مجال صناعة المتفجرات وتحضير السموم، إضافة إلى جمع المعدات اللازمة. كما تبين انخراطها في مشاريع ذات طابع إرهابي مرتبطة بفكر تنظيم “داعش”.
وتأتي هذه العملية ضمن جهود المغرب المتواصلة لمواجهة خطر الإرهاب، التي تعتمد على مقاربة أمنية استباقية وتنسيق دولي، إضافة إلى التركيز على دعم الشباب نفسياً واجتماعياً، وتعزيز الوعي بهدف الحد من ظاهرة الاستقطاب المتطرف.
♦انتماء وهوية مهددة
يرجع الدكتور الدكتور عبد الرحيم عنبي، أستاذ التعليم العالي والمتخصص في سوسيولوجيا الأسرة، سبب انخراط الشباب، لا سيما الفتيات، في منظمات إرهابية إلى غياب الانتماء الوطني لديهم، ما يخلق فراغا عاطفيا واجتماعيا تستغله هذه الجماعات لتقديم نفسها كملاذ يوفر إجابات وجودية لشباب يعانون من فقدان الاتجاه والهدف في حياتهم.
وينبه عنبي في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن بعض الطالبات اللواتي يعانين من ضعف في القدرات التعليمية يجدن في الجماعات المتطرفة مصدرا للدعم المالي والاجتماعي والنفسي، غير أن هذا الدعم سرعان ما ينقلب إلى وسيلة للاستغلال والزج بهن في تنفيذ أعمال تخريبية.
ويوضح المختص أن هذه التنظيمات لا تتردد في توظيف الأحداث السياسية والاجتماعية التي تشهدها بعض الدول، لتحويلها إلى روافد أيديولوجية تُغذي مشروعها المتطرف، وتُخدم من خلالها أجنداتها العابرة للحدود.
ويسلط المتحدث الضوء بشكل خاص على استهداف الطالبات المحافظات، حيث تستدرج هذه الفئة عبر فكر الجهاد الذي يتخذ أشكالا متعددة، من بينها ما يعرف بـ”جهاد النكاح”، وهو مشروع يروج له ضمن الأيديولوجيات التي تتبناها تنظيمات مثل داعش والقاعدة، ويقوم على الربط بين الولاء لما يُسمى “دولة الخلافة” الأسطورية، والانخراط في ولاء عابر للحدود يتم على حساب الانتماء الوطني.
ويورد عنبي أبحاثا تناولت الاستعدادات النفسية والبيولوجية التي تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتأثر بالجماعات المتطرفة، خصوصا من يعانون اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق، أو من يفتقرون إلى الدعم النفسي والاجتماعي، مثل الطلاب الذين يدرسون بعيدًا عن عائلاتهم ويواجهون الوحدة والضغط النفسي.
♦تحولات خطاب الإرهاب
وفي السياق ذاته، يبين الدكتور عنبي أن هذه الجماعات لا تقتصر على تقديم خطاب أيديولوجي جامد، بل تبني نمط حياة متكامل يشمل طقوسا وتفسيرات دينية تحفز الشباب على الانخراط في مشاريعها، وتعدهم بأن الاستشهاد هو طريق لتكفير الذنوب والحصول على الجنة والحور العين، مما يجعل هذه الوعود مغرية للغاية للشباب الباحثين عن معنى وهدف في حياتهم.
ويشير إلى أن هذا البروتوكول الحياتي المقدم من التنظيمات المتطرفة غائب تماما عن المؤسسات الرسمية، سواء كانت أسرية أو حزبية أو جمعوية، مما يترك المجال للشباب والفتية للبحث عن بدائل للانتماء تعوض غياب المشروع الوطني الواضح.
ويعتبر الدكتور عبد الرحيم عنبي أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 شكلت نقطة تحول جوهرية في الخطاب العالمي حول الإرهاب، إذ برزت خلالها مصطلحات جديدة مثل الإرهاب والجهاد.
قريش لـ “شفاف”: الإرهاب والخلافة… لماذا المغرب في صدارة أهداف التنظيمات المتطرفة؟
وبين عنبي أن تأثير هذه الأحداث لم يقتصر على الغرب فقط، بل أثار جدلا واسعا داخل المجتمعات الإسلامية نفسها، حيث انقسمت الآراء بين من يدين العنف باعتباره خارجا عن تعاليم الإسلام، ومن يتبنى خطاب التطرف ويدعمه، فضلاً عمن اختار الصمت بدافع الخوف أو الحيرة.
ويظهر عنبي على أن هذا الانقسام تجدد مع ظهور أحداث إرهابية أخرى، مثل هجمات صحيفة شارلي إيبدو في فرنسا، وأعمال تنظيمات القاعدة والدولة الإسلامية.
♦استهداف الشباب المغربي
وفي الإطار ذاته، يحذر المختص من استغلال الجماعات الإرهابية للدين كغطاء يبرر أفعالها، حيث تستخدم تفسيرات مغلوطة لمفاهيم دينية مثل الجهاد والخلافة وتطبيق الشريعة لاستقطاب الأفراد، خصوصًا الشباب الذين يعانون من فراغ فكري وروحي.
ويشرح كيف تطورت هذه التنظيمات مع ظهور الفضاء الرقمي، إذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أدوات رئيسية لنشر أفكارها وتجنيد الأعضاء بسرعة غير مسبوقة، مستغلة الفراغ الفكري والغموض الديني لدى الفئات المستهدفة.
ويلفت عنبي إلى خطورة الفتاوى العابرة للحدود التي تستخدم في استقطاب الأفراد، بمن فيهم النساء، عبر ما يعرف بجهاد النكاح، حيث يتم استغلال النساء ليس فقط في العمليات الإرهابية، بل في أدوار دعم متعددة. مبرزا أن هذه الفتاوى غالبا ما تصدر عن قيادات الجماعات المتطرفة وتقدم تفسيرات مشوهة للنصوص الدينية لتبرير العنف.
البسيج يكشف عن تفاصيل جديدة بخصوص الخلية الإرهابية “أسود الخلافة في المغرب الأقصى”
ويلفت الدكتور عنبي إلى أن المغرب لم يسلم من هذه الظاهرة، مذكرا بحادثة مقتل سائحتين في منطقة أوريكا كمثال على تداعيات الانتماء العابر للحدود. ومؤكدا أن تجنيد الأفراد أصبح يعتمد بشكل أساسي على الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي بدل الكتب والمطبوعات التقليدية.
ويبرز أن موقع المغرب الاستراتيجي في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء يجعله هدفا رئيسيا للجماعات الإرهابية التي تسعى لتوسيع نفوذها من خلال استغلال بوابته. مجددا تأكيده على أن مؤسسة إمارة المؤمنين التي تمتلك تاريخا عريقا ودورا في تعزيز الوحدة الوطنية تشكل عقبة أمام التنظيمات المتطرفة التي تحاول فرض رؤيتها الخاصة بالخلافة.
♦عوامل الاستقطاب الشبابي
وفي الاتجاه ذاته، بين الدكتور عنبي أن هناك عدة عوامل اجتماعية ونفسية تزيد من تعرض الشباب للاستقطاب، من أبرزها الأمية والهدر المدرسي، حيث الأشخاص الذين يعانون من ضعف في التعليم يفتقرون إلى مهارات التفكير النقدي، ما يجعلهم أهدافا سهلة للجماعات المتطرفة. مضيفا أن الهدر المدرسي يخلق لديهم شعورا بالعزلة والضعف الاجتماعي، مما يدفعهم إلى البحث عن انتماء بديل غالبا ما تجده لدى هذه التنظيمات المتطرفة.
ويظهر المتحدث أن غياب التفكير النقدي داخل النظام التعليمي المغربي، خصوصا في التخصصات التقنية، يحرم الطلاب من اكتساب مهارات تحليل القضايا الاجتماعية والسياسية، ما يجعلهم أكثر قابلية لتلقي الخطابات المتطرفة دون مساءلة أو تمحيص. مشيرا إلى أن غياب تدريس العلوم الإنسانية، مثل الفلسفة والسوسيولوجيا، يساهم في إضعاف الوعي النقدي ويترك فراغا معرفيا تستغله الجماعات المتطرفة في التأثير على فئات واسعة من الشباب.
ويضيف عنبي أن من بين العوامل الأساسية التي تجعل الشباب عرضة للخطاب المتطرف، الفراغ الروحي والوجودي، حيث يدفع الإحباط وتكرار الأزمات النفسية العديد منهم إلى الارتماء في أحضان جماعات إرهابية تقدّم أجوبة سهلة ومغرية، عبر وعود بالخلاص الأخروي مثل الجنة والحور العين.
ويبين المتحدث المتزايد الذي بات يلعبه الفضاء الرقمي في تسهيل عمليات الاستقطاب، موضحا أنه تحول إلى أداة فعالة تستخدمها الجماعات المتطرفة لبث محتوى عاطفي وروحي مصمم بعناية، يستهدف فئات واسعة من الشباب، بمن فيهم المتعلمون وحاملو الشهادات.
ويحذر عنبي من أن الشعور بالتهميش والظلم، سواء في أبعاده الاجتماعية أو الاقتصادية، يضعف الإحساس بالانتماء الوطني، ويدفع العديد من الأفراد إلى البحث عن بدائل هوياتية، غالبًا ما تروّج لها التنظيمات المتطرفة كمسارات للخلاص، أو كوسيلة لاستعادة الكرامة وتحقيق العدالة المفقودة.
♦فراغ الهوية والتطرف
وفي نفس الاتجاه رصد الدكتور عبد الرحيم عنبي الأبعاد النفسية والاجتماعية للصدمات التي قد يتعرض لها بعض الأفراد، مثل تجارب العنف، فقدان الأقارب، أو العيش في أحياء هامشية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات. مردفا على أن هذه الظروف تخلق ضغطا نفسيا متراكما يدفع الكثيرين إلى البحث عن انتماء بديل، غالبًا ما يجدونه داخل الجماعات المتطرفة، التي تقدم نفسها كملاذ يوفر معنى وغاية، رغم ما تنطوي عليه من عنف ومخاطر جسيمة.
ويضيف أن التنظيمات الإرهابية تستغل هذه الصدمات من خلال تقديم نفسها كعائلة بديلة لأشخاص عاشوا في بيئات أسرية مفككة أو عانوا من العنف، حيث توفر هذه الشبكة قراءة بديلة لهؤلاء تقوم على مظاهر الحب والرأفة، لكنها تخفي في أعماقها أهدافًا عنيفة.
وتوقف الدكتور عبد الرحيم عنبي عند أزمة الهوية التي يعاني منها بعض الشباب، خصوصا أولئك الذين تلقوا تعليما غربيا أو يملكون تحصيلا دراسيا محدودا، حيث يواجهون صعوبات في الاندماج داخل المجتمع أو في ممارسة شعائرهم الدينية بشكل متوازن، مما يؤدي إلى حالة من التشتت والفراغ تدفعهم إلى البحث عن هوية بديلة تمنحهم شعورًا بالانتماء.
ويبرز عنبي أن غياب قنوات التواصل والحوار معهم من طرف الأحزاب السياسية والمؤسسات الرسمية يجعلهم أكثر عرضة لاستقطاب الجماعات المتطرفة، التي تمنحهم أدوارا رمزية وشعورا بالأهمية، لا سيما في صفوف الطالبات الباحثات عن معنى لانتمائهن ورغبة في التأثير داخل الفضاء العام.
الاستخبارات المغربية تفك شفرات الإرهاب العالمي.. لماذا تفوقت “لادجيد” على مخابرات دول عظمى؟
وينبه المتحدث إلى الأثر البالغ للمحيط الاجتماعي والضغط الجماعي في دفع الشباب نحو التطرف، موضحا أن الأصدقاء أو الأقارب المرتبطين بجماعات متطرفة غالبًا ما يؤدون دورا محوريً في عمليات الاستقطاب، ومؤكدا أن هذا النوع من الضغط الجماعي يضعف الهوية الفردية، ويدفع بالأفراد إلى تبني هوية جماعية تتماهى مع أهداف التنظيمات الإرهابية، بما يفرغ الشخص من استقلاله الذاتي ويكرّسه كأداة داخل مشروع متطرف.
ويشدد المختص على الأثر البارز الذي أصبحت تمارسه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، موضحا أنها تحولت إلى أدوات مؤثرة في ترسيخ الولاء والبيعة العابرة للحدود، ونشر خطابات الكراهية، وتلميع صورة المشروع التكفيري، مما يسهم في تسهيل تعبئة الشباب واستقطابهم عبر مختلف أنحاء العالم.
ويتابع عنبي مبينا أن هذه الوسائط، رغم ما تتيحه من إمكانيات إيجابية في التوعية والانفتاح، إلا أنها تسهّل أيضًا انتشار الأفكار المتطرفة، بفضل قدرتها على اختراق الحواجز والوصول إلى جمهور واسع من الفئات الهشة والقابلة للتأثر.
♦تفعيل الدعم النفسي وتوحيد الجهود
وفي الأخير، يركز المتحدث على ضرورة تفعيل دور المكاتب الاجتماعية والأخصائيين النفسيين في الجامعات والأحياء الجامعية، لتقديم الدعم النفسي والاستشاري للطلاب الذين يعانون من القلق أو الاضطرابات النفسية، والعمل على توعيتهم ومساعدتهم في الابتعاد عن خطر الاستقطاب.
ويؤكد الدكتور على أهمية العمل المشترك بين المؤسسات التعليمية، الاجتماعية والسياسية لوضع استراتيجيات شاملة لمواجهة هذه الظاهرة، وتوفير بدائل حقيقية للشباب لبناء هويتهم الوطنية والثقافية بعيدًا عن الأفكار المتطرف،
وسلط المختص الضوء على أن المغرب، بفضل مؤسساته العريقة مثل إمارة المؤمنين، يملك الإمكانات لمجابهة هذه التحديات من خلال تعزيز الانتماء الوطني والتمسك بالثوابت الوطنية، مشدداً على أهمية توجيه استثمارات مستدامة في مجال التعليم وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأجيال القادمة.
ويرى أن هذا الجهد الجماعي هو السبيل الوحيد لضمان أمن واستقرار المجتمع والحفاظ على وحدة المغرب وموقعه الاستراتيجي في المنطقة.

