أثار أسلوب تعامل محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مع أسئلة الأطفال البرلمانيين خلال الدورة الوطنية لبرلمان الطفل، وجلسة مجلس النواب الأخيرة، جدلًا واسعًا حول مدى فاعلية تواصل الحكومة في قضايا حساسة.
وواجه الوزير انتقادات حادة لعجزه عن تقديم إجابات واضحة وبسيطة باللغة العربية، مكتفيًا في الغالب بالتعهد بتوفير إجابات كتابية لاحقًا، وهو ما أثار تساؤلات حول قدرة حكومة “الكفاءات” على مواجهة الملفات المعقدة.
كما أثار الوزير موجة جدل واسعة في الأوساط التعليمية والسياسية بعد إشادته بمشروع “مدارس الريادة”، وقوله على أن الأخير حقق نتائج إيجابية الأمر الذي جعل خبراء تعليم من الهند يشيدون بالتجربة المغربية.
وهذه التصريحات أثارت كذلك تساؤلات وانتقادات داخل الأوساط التعليمية المغربية، حيث أعرب البعض عن استغرابهم من ثناء خبراء أجانب على المشروع دون اطلاع ميداني على واقع المدارس المغربية.
كما تساءل آخرون عن مدى مصداقية هذه الإشادات، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنظومة التعليمية في البلاد.
في حوار مع شفاف .. الخبير التربوي “عبد الناصر ناجي” يُقيم فرص نجاح سعد برّادة على رأس وزارة التعليم
♦أزمات التعليم بين غياب الكفاءة وضعف الرؤية
قالت فاطمة التامني، البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، إن إشادة وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، سعد برادة، بما يسمى “مدارس الريادة” تعكس ورائها مقاربة تقنية تخفي أزمات هيكلية عميقة يعيشها قطاع التعليم في المغرب.
وفي حديثها لـ”شفاف”، أوضحت النائبة البرلمانية أن الوزير المكلف لا يمتلك الإلمام الكافي بواقع التعليم المغربي، مشيرة إلى أن تصريحاته تعتمد على تقارير تقنية مكتوبة وملقنة له، ما تُظهر ضعف تواصله واستيعابه للمشاكل الجوهرية التي تواجه المدرسة العمومية.
وقالت التامني إن الوزير يعتمد في مداخلاته على بيانات جافة، ترتكز على نتائج اختبارات دون الخوض في التفاصيل الواقعية المتعلقة بمشاكل البنية التحتية والتجهيزات الأساسية.
واعتبرت أن هذا النهج يعكس غياب رؤية شمولية لإصلاح قطاع التعليم، ويظهر بوضوح خلال المناقشات البرلمانية، حيث يبدو الوزير غير مطّلع على الوضع الحقيقي للمدارس المغربية.
♦مدارس الريادة: نجاح تقني أم فشل ميداني؟
تطرقت التامني في تصريحها إلى ما وصفته بـ “اختلالات كبرى” في تجربة مدارس الريادة التي أشاد بها الوزير.
واعتبرت أن هذه التجربة تعاني من ضعف البنية التحتية ونقص التجهيزات الأساسية، فضلًا عن غياب التنسيق الفعّال، ما يجعلها بعيدة عن تحقيق أهدافها المعلنة.
كما أشارت إلى غياب الوقت الكافي للمواد المدرسة، وارتفاع عدد التلاميذ في الفصول الدراسية، الذي قد يصل إلى أكثر من 40 تلميذًا في بعض المدارس، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم.
وأضافت أن مقاربة الوزير تركز بشكل كبير على معالجة تعثر المتعلمين دون إعطاء الاهتمام اللازم للمتعلمين المتفوقين، مما يؤدي إلى تراجع في جودة التعليم وتهميش قدرات الفئة المتفوقة.
“شفاف” تحاور الخبير التربوي عبد الرزاق بن شريج حول مدى نجاعة خارطة الطريق التي بلورتها وزارة بنموسى
وأكدت أن هذه الفئة تحتاج إلى مقاربات تعليمية متقدمة لتعزيز مهاراتها وتطوير إمكانياتها، وهو ما يغيب تمامًا في السياسات الحالية.
♦سياسات مستوردة تكرّس فشل الإصلاحات
انتقدت التامني اعتماد المغرب على استيراد تجارب تعليمية من دول أخرى، مثل المكسيك والهند، دون تكييفها مع الواقع المحلي، مؤكدة أن هذه السياسات المستوردة أثبتت فشلها.
وأشارت إلى أن البرامج السابقة، مثل البرنامج الاستعجالي، استنزفت موارد مالية ضخمة دون تحقيق النتائج المرجوة، ولم تُصحح الأخطاء أو يحاسب المسؤولين عنها.
واستطردت قائلة: إن المغرب يفتقر إلى مقاربة وطنية حقيقية لإصلاح التعليم، مبرزة أن التجارب المستوردة غالبًا ما تُطبق دون إشراك الفاعلين الحقيقيين في القطاع.
وشددت التامني، أن الإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من حاجيات المدرسة العمومية المغربية وأن يشمل إشراكًا واسعًا لكل الأطراف المعنية، بما في ذلك الأساتذة والطلاب وأولياء الأمور.
♦خصخصة التعليم
أشارت التامني إلى أن السياسات الحكومية تشجع على خصخصة التعليم على حساب المدرسة العمومية، مما أدى إلى تزايد الاعتماد على القطاع الخاص، الذي يُعنى بالربح بدلًا من تقديم تعليم شامل ومجاني.
وأوضحت أن هذا التوجه يعمق الفجوة الاجتماعية، حيث يلجأ حتى الأسر ذات الدخل المحدود إلى المدارس الخاصة بسبب فقدان الثقة في التعليم العمومي.
وزير التعليم يعجز عن الإجابة على أسئلة البرلمانيين.. فهل الاستوزار في حكومة الكفاءات يخضع لمعايير؟
وأضافت أن المدرسة العمومية أصبحت تعاني من مشاكل متراكمة، مثل الإضرابات المستمرة وضعف الخدمات التعليمية، مما يجعلها بيئة غير جاذبة للتلاميذ وأسرهم. مؤكدة أن إعادة الثقة في المدرسة العمومية تتطلب إصلاحًا جذريًا يشمل المناهج، البنية التحتية، وسياسات التوظيف والتكوين.
مطالب بتوضيحات لبنموسى حول إقصاء أساتذة الأمازيغية من منح مؤسسات الريادة
♦دعوة إلى إصلاح وطني شامل ومستقل
اختتمت التامني قولها بالتأكيد على أن المغرب يحتاج إلى إصلاح تعليمي شامل ومستقل، ينبع من احتياجات المدرسة العمومية المغربية ويتجاوز استنساخ التجارب الخارجية.
ودعت إلى اعتماد دراسات ميدانية وموضوعية تعكس الواقع الحقيقي للقطاع، وإشراك جميع الفاعلين في صياغة وتنفيذ السياسات التعليمية.
وحذرت من استمرار الوضع الحالي، الذي يجعل من المدرسة العمومية حقلًا للتجارب الفاشلة، مؤكدة أن هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التدهور وفقدان الثقة في التعليم العمومي، مع ما لذلك من آثار كارثية على مستقبل الأجيال الصاعدة.
إقصاء المختصين التربويين والاجتماعيين من منحة الريادة يسائل بنموسى

