شهد القطاع الصناعي المغربي خلال سنة 2024 طفرة غير مسبوقة في مسار تطوره، بعدما تجاوز لأول مرة في تاريخه عتبة المليون وظيفة، وفقًا لمؤشرات وزارة الصناعة والتجارة التي كشفت عن تسجيل 1.038.133 منصب شغل، بزيادة صافية بلغت 42 ألفًا و714 وظيفة جديدة خلال عام واحد فقط، وهذه الأرقام تعكس دينامية متسارعة في الاقتصاد الوطني، تؤكد انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من التصنيع وتوسيع قاعدة الإنتاج، في وقت بلغت فيه مداخيل الصناعة نحو 898 مليار درهم، بارتفاع ملحوظ مقارنة بسنة 2023، ما يعزز موقع هذا القطاع كقاطرة للنمو وركيزة للتنمية الاقتصادية.
وفي المقابل، يثير هذا التحول النوعي تساؤلات حول أبعاده العميقة ومآلاته المستقبلية، وإن كان يمثل تجاوز حاجز المليون وظيفة دليلاً على تحول هيكلي مستدام في بنية الاقتصاد المغربي، والكيفية التي يمكن الحفاظ من خلالها على وتيرة النمو الصناعي في ظل التحولات العالمية السريعة والمنافسة الإقليمية المتصاعدة، وحول مدى عكس هيمنة رأس المال الوطني بنسبة 70 % من النسيج الصناعي ثقة حقيقية في قدرة الاقتصاد المحلي على تحقيق استقلال إنتاجي متين، بعيدًا عن هشاشة الاستثمارات الظرفية.
❖ وزن محدود
يبرز محمد الشيكر، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الحديث عن “منعطف تاريخي” في القطاع الصناعي المغربي، بعد تجاوز عتبة المليون وظيفة، يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية بعيدًا عن الانبهار بالأرقام.
وقال الشيكر في تصريح لجريدة “شفاف”، إنه لا يمكن اعتبار هذا الرقم دليلاً على ثورة صناعية شاملة في بلد لا تتجاوز فيه نسبة العاملين في الصناعة 4 إلى 5 % من مجموع الساكنة النشيطة.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن المقارنة مع قطاعات أخرى، مثل الفلاحة التي تشغل نحو 40 % من اليد العاملة الوطنية؛ تكشف محدودية الوزن النسبي للصناعة في التشغيل الإجمالي، رغم ديناميتها الأخيرة.
وأوضح أنه مع تجاوز مليون وظيفة، فإن هذه النسبة تبقى ضئيلة مقارنة بالاقتصادات التي يعتمد ربع أو ثلث سكانها النشيطين على الصناعة والخدمات الإنتاجية، وهو ما يعني أن القطاع ما زال بعيدًا عن لعب دوره الكامل كقاطرة للتنمية ورافعة لتقليص البطالة بشكل ملموس.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وأردف رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن تضخيم الأرقام الرسمية يطمس الإشكالات البنيوية التي يعانيها النسيج الصناعي الوطني؛ أبرزها هشاشة التشغيل وضعف الاستدامة.
ولفت إلى أن الكثير من مناصب الشغل المعلنة ترتبط بأنشطة فرعية أو موسمية، ما يجعلها عرضة للتقلبات الدورية؛ خصوصًا عندما تكون مرتبطة بالطلب الخارجي أو بعقود محدودة المدة داخل المقاولات المتوسطة والصغرى.
❖ تبعية الاستثمار
يعتبر الشيكر أن الارتفاع في حجم الوظائف الصناعية مرتبط إلى حد كبير بتوسع الاستثمارات الأجنبية، وليس بتقوية قاعدة التصنيع الوطني المستقل.
وأبرز أن المغرب ركز خلال العقدين الأخيرين على جذب الرساميل الخارجية، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات، غير أن هذا التوجه لم يرافقه ما يكفي من جهود نقل التكنولوجيا أو بناء منظومات وطنية للإبداع والبحث التطبيقي.
وحذر من أن هذه التبعية تجعل النسيج الصناعي المغربي عُرضةً للاهتزاز عند أول أزمة دولية أو عند اتخاذ الشركات الأجنبية قرارات بالانسحاب أو تحويل أنشطتها نحو بلدان أخرى.
تمويل مشاريع “مونديال 2030” من خارج الميزانية.. تمويلات مبتكرة أم ديون مقنعة؟
ونبه إلى أن غياب التحكم في سلاسل الإنتاج والابتكار يجعل المغرب في موقع المنفذ أكثر من كونه صانعًا فعليًا للتكنولوجيا أو للمنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
وأكد أن المهندسين المغاربة الذين يتم إعدادهم لخدمة هذه القطاعات يعملون في الغالب كمنفذين تقنيين وليس كمبدعين أو مطورين للحلول الصناعية.
وتابع أنهم “مهندسو تنفيذ وليسوا مهندسي تصميم”؛ أي أنهم يشتغلون ضمن أنظمة إنتاجية جاهزة يحدد مسارها الفاعل الأجنبي، مما يضعف من قدراتهم على التحكم في دواليب الصناعة وتطويرها داخليًا.
وأشار إلى أن هذا الوضع يعيد طرح سؤال السيادة الصناعية؛ المتمثل في مدى إمكانية الحديث عن صناعة وطنية حقيقية إذا كانت مكوناتها التكنولوجية الأساسية ومراكز القرار فيها خارج الحدود، وكذا الخشية من أن يتحول النمو الصناعي الحالي إلى ازدهار ظرفي مرتبط بحوافز استثمارية لا غير.
❖ رهانات التعليم
يرى محمد الشيكر أن المدخل الحقيقي لأي نهضة صناعية مستدامة يبدأ من المدرسة، باعتبارها نواة بناء الإنسان المنتج والمبدع، لافتًا إلى أن غياب تعليم عمومي قوي وعالي الجودة، يعرقل تشكل قاعدة بشرية قادرة على الإبداع الصناعي والتحكم في التكنولوجيا.
وشدد على أن المدرسة العمومية ذات الجودة العالية هي القاعدة الصلبة لأي مشروع صناعي وطني، مضيفًا أن الابتكار لا يمكن أن يولد في بيئة تعليمية ضعيفة أو غير منصفة.
وأبرز رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الصناعة بمعناها الحقيقي، لا تقتصر على إقامة المعامل وتجميع المكونات، بل تتعلق أساسًا بامتلاك التكنولوجيا وتطويرها.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
وأكد أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وبناء جسور بين الجامعة والمقاولة، حتى يتحول رأس المال البشري المغربي إلى مصدر معرفة وإبداع وليس فقط إلى قوة تنفيذ.
وفي نظر الشيكر، فإن تحقيق هذا التحول يتطلب رؤية شمولية للسياسات العمومية، تبدأ من المدرسة وتصل إلى منظومة البحث والتطوير الصناعي، مع تحفيز المقاولات على الاستثمار في البحث التطبيقي، وتوفير بيئة تشريعية ومالية تدعم الابتكار بدل الاكتفاء بمنطق جلب الاستثمارات الجاهزة.
واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن المغرب لن يصبح بلدًا صناعيًا بالمعنى الكامل إلا عندما يتمكن من إنتاج التكنولوجيا وليس فقط من استعمالها.
❖ نحو تحول حقيقي
رغم ملاحظاته النقدية، لا ينكر الشيكر أن الأرقام الأخيرة تعكس دينامية اقتصادية حقيقية وتقدمًا ملموسًا في المؤشرات الصناعية، لكنها تظل في رأيه خطوة أولى ضمن مسار أطول لبناء استقلال إنتاجي فعلي.
وأوضح أن المغرب حقق تقدمًا مهمًا في البنيات التحتية الصناعية وجلب الاستثمارات، غير أن التحدي اليوم هو الانتقال من التصنيع بالغير إلى التصنيع بالذات.
وأكد أن هذا الانتقال يمر عبر إصلاحات عميقة في التعليم والبحث العلمي، وتوسيع قاعدة المقاولات الوطنية القادرة على الابتكار، وتقوية الروابط بين الصناعة والخدمات والتكنولوجيا.
مشروع قانون مالية 2026.. بين الطموح الاجتماعي وضيق الزمن الحكومي وحدود الفعل الاقتصادي
ولفت إلى أن ذلك، يستدعي مراجعة السياسات التحفيزية لجعلها مشروطة بنقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات المحلية، بما يضمن توزيعًا عادلاً للعائد الصناعي على المجتمع ككل.
وشدد على أن تجاوز عتبة المليون وظيفة لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة من التفكير في جودة التشغيل ومضمونه الإنتاجي، وليس فقط في عدد الوظائف المعلنة.
وأبرز أن المطلوب اليوم؛ هو بناء صناعة مغربية منتجة، مستقلة في قراراتها، ومؤهلة لمنافسة الأسواق الدولية بفضل عقول أبنائها لا بفضل الاستثمارات العابرة.

