قرر بنك المغرب تثبيت سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 %، في خطوة تعكس توجهًا حذرًا للسياسة النقدية في ظل توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار، حيث يأتي هذا القرار في سياق وطني يتسم بتحسن المؤشرات الاقتصادية، خاصة مع توقعات بانتعاش الإنتاج الفلاحي واستمرار دينامية الاستثمار في القطاعات غير الفلاحية.
وفي المقابل، يظل هذا التوجه محاطًا بتحديات خارجية متزايدة، مرتبطة أساسًا بتقلبات الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار الطاقة، ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة هذا الخيار في مواجهة الضغوط المستقبلية، وبين رهانات تحفيز الاقتصاد وضبط التضخم، يبرز قرار بنك المغرب كخيار استراتيجي يستدعي قراءة تحليلية معمقة لمختلف أبعاده.
❖ رسائل القرار
يرى أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن قرار تثبيت سعر الفائدة عند 2.25%، يبعث بإشارة واضحة مفادها أن بنك المغرب يعتبر التضخم تحت السيطرة النسبية، لكنه في المقابل لا يرى البيئة الدولية مستقرة بما يكفي للانخراط في دورة تيسير نقدي جديدة.
واعتبر سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التوقعات تشير إلى تضخم في حدود 0.8% سنة 2026 و1.4% في 2027، وهي مستويات مريحة نسبيًا، غير أن المخاطر المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية، خاصة في الشرق الأوسط، وبتقلبات أسعار الطاقة، ما تزال قائمة وتفرض قدرًا كبيرًا من الحذر.
بين تفاؤل الأرقام وحذر التحديات.. الخبير الغنبوري يبرز رهانات وآفاق الاقتصاد المغربي
وأضاف أن هذا القرار يعكس تموقعًا وسطًا للسياسة النقدية، حيث لا يرغب البنك المركزي في خنق النمو عبر رفع أسعار الفائدة، ولا في المجازفة بخفضها في لحظة قد تعود فيها الضغوط التضخمية المستوردة.
وأوضح أن القرار ليس حياديًا كما قد يبدو، بل هو تعبير عن يقظة استراتيجية قائمة على معادلة دقيقة، تتمثل في تضخم داخلي منخفض يقابله خطر تضخم مستورد عبر قنوات النفط والنقل وسلاسل الإمداد.
وأكد أن بنك المغرب يبعث أيضًا برسالة تتعلق بالمصداقية، إذ إن الانتقال السريع نحو خفض جديد للفائدة بعد مسار التيسير النقدي خلال 2024 و2025 قد يفهم على أنه تجاهل للمخاطر الخارجية.
ولفت إلى أن الحفاظ على مستوى 2.25% منذ 2025 يعكس توجهًا نحو التريث الاستراتيجي (Strategic Patience) أي “الصبر الاستراتيجي” القائم على التقييم المستمر بدل اتخاذ قرارات متسرعة.
❖ توازن دقيق
في تقييمه لقدرة هذا القرار على تحقيق التوازن بين دعم النمو والتحكم في التضخم، يرى أمين سامي أن الأمر ممكن إلى حد معتبر، لكنه ليس مضمونًا بشكل مطلق، فمن جهة، يظل الإبقاء على سعر الفائدة عند هذا المستوى عامل دعم نسبي للنشاط الاقتصادي.
وأردف أنه لا يرفع كلفة التمويل بالنسبة للمقاولات والأسر؛ خاصة في سياق يتوقع فيه تسجيل نمو قوي يبلغ 5.6% في 2026، مدفوعًا بانتعاش القطاع الفلاحي واستمرار دينامية الاستثمار في القطاعات غير الفلاحية.
وأوضح أن هذا القرار يساهم في الحفاظ على تدفق الائتمان واستمرار الاستثمارات، دون فرض ضغوط نقدية إضافية قد تعرقل التعافي الاقتصادي، بمعنى آخر، فإن السياسة النقدية الحالية تتيح للاقتصاد “التنفس”، وتدعم الطلب الداخلي دون خلق اختلالات كبيرة على مستوى الأسعار.
خفض سعر الفائدة.. قراءة في تأثيراته المرتقبة على المقاولات والاستثمار وفرص الشغل
وشدد على أن هذا التوازن يظل رهينًا بعدم تفاقم الصدمات الخارجية، فالتضخم في الحالة المغربية لا يرتبط فقط بعوامل داخلية، بل يتأثر بشكل كبير بأسعار الطاقة وتكاليف النقل وسلاسل التوريد العالمية.
وأشار المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، إلى أنه إذا ظلت هذه العوامل تحت السيطرة، فإن خيار التثبيت يبدو مناسبًا، أما إذا ارتفعت بشكل حاد، فإن سعر الفائدة الحالي قد لا يكون كافيًا لامتصاص الصدمة، لأن مصدرها خارجي بالأساس.
❖ مخاطر خارجية
يبرز أمين سامي أن أول وأهم المخاطر التي تهدد الاقتصاد المغربي تتمثل في عامل الطاقة، حيث يتوقع بنك المغرب اتساع عجز الحساب الجاري إلى 3.1% من الناتج الداخلي الإجمالي في 2026 نتيجة ارتفاع الفاتورة الطاقية.
وأشار إلى أن اضطرابات الإمدادات العالمية، مثل إغلاق مضيق هرمز، دفعت المنتجين الخليجيين إلى إعادة توجيه شحناتهم عبر بدائل مثل ميناء ينبع وخط الأنابيب شرق-غرب السعودي، ما يعكس دخول سوق النفط مرحلة توتر لوجستي وجيوسياسي حقيقي، وليس مجرد تقلبات ظرفية.
وأضاف أن الخطر الثاني، يتجلى في عودة التضخم المستورد، إذ إن ارتفاع أسعار الوقود ينتقل بسرعة إلى مختلف حلقات الاقتصاد، من النقل إلى الإنتاج فالتوزيع، وصولاً إلى أسعار المواد الاستهلاكية.
وأوضح أن هنا يبرز الأثر الاجتماعي، حيث تتآكل القدرة الشرائية للأسر، وتتقلص هوامش أرباح المقاولات، ما يجعل النمو الاقتصادي أقل جودة رغم استمراره من الناحية الرقمية.
وأردف أن الخطر الثالث يتمثل فيما يسميه “الهشاشة الخارجية المركبة”، أي تزامن عدة صدمات في وقت واحد، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة العالمية، وتزايد حالة اللايقين المالي.
وفي هذا الإطار، أشار إلى وكالة التصنيف الائتماني (S&P) أي “ستاندرد آند بورز”، التي وضعت العراق تحت ضغط تصنيفي بسبب تراجع إنتاجه النفطي، وهو مثال على كيفية تحول صدمة طاقية إلى أزمة مالية وسيادية، وهو ما قد ينعكس بدوره على اقتصادات مثل المغرب عبر قنوات متعددة.
❖ رهانات المستقبل
ينبه أمين سامي إلى خطر رابع لا يقل أهمية، يتمثل في الخلط بين النمو الظرفي والنمو البنيوي، فجزء كبير من النمو المتوقع في 2026 مرتبط بتحسن الموسم الفلاحي وارتفاع محصول الحبوب إلى حوالي 8.2 ملايين طن، وهو عامل إيجابي لكنه غير مستدام بطبيعته.
وأبرز المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن تسجيل معدل نمو مرتفع لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد أصبح أكثر صلابة، خاصة وأن التوقعات تشير إلى تباطؤه إلى 3.5% في 2027.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وفي هذا السياق، يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في التحكم في التضخم، بل في قدرة المغرب على تحويل الصدمات الخارجية إلى فرص لإعادة الهيكلة الاقتصادية، بدل الاكتفاء بامتصاص آثارها، وهو ما يتطلب تعزيز التنويع الاقتصادي وتقوية المناعة الهيكلية للاقتصاد الوطني.
ولفت إلى أن أفضل ما في قرار تثبيت سعر الفائدة هو كونه يمنح الاقتصاد “وقتًا ثمينًا”، أي مساحة زمنية للتكيف مع التحولات العالمية، وتعزيز الاستثمار، وتقوية الأسس الاقتصادية، قبل دخول دورة اقتصادية دولية جديدة قد تكون أكثر تقلبًا وتعقيدًا.

