يشهد الموسم الفلاحي الحالي حالة من الترقب والقلق بسبب تأخر التساقطات المطرية، في وقت تعتبر فيه هذه الفترة حاسمة لانطلاق الزراعات الخريفية التي تشكل العمود الفقري للإنتاج الوطني.
فبعد أسابيع من الانتظار، ما تزال أغلب المناطق الفلاحية تعاني من جفاف التربة وغياب الرطوبة اللازمة للحرث والبذر، مما أربك برامج الفلاحين وخلق مخاوف من انعكاسات محتملة على المردودية وعلى توفر الأعلاف والمنتجات الزراعية في الأشهر المقبلة.
هذا الوضع المناخي غير المعتاد يعيد إلى الواجهة النقاش حول هشاشة المنظومة الفلاحية أمام التغيرات المناخية، وحول مدى استعداد السياسات الزراعية للتعامل مع مواسم تقل فيها التساقطات وتزداد فيها المخاطر على الأمن الغذائي الوطني.
♦تأخر التساقطات وتداعياته المباشرة
قال الخبير البيئي رياض أوحتيتة، إن تأخر التساقطات المطرية خلال هذا الموسم الزراعي أصبح من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي بالمغرب، مشيرا إلى أن هذا التأخر لم يعد مجرد ظرف موسمي عابر، بل مؤشر واضح على تغيرات مناخية عميقة تمسّ دورة الأمطار واستقرار الفصول الزراعية.
وأوضح رياض أوحتيتة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن غياب الأمطار في الفترة المعتادة الممتدة ما بين أكتوبر ونونبر تسبب في ارتباك كبير لدى الفلاحين، خاصة في المناطق البورية التي تعتمد كليا على التساقطات المطرية في الحرث والبذر.
وأبان أوحتية أن هذا الوضع المناخي أدى إلى تأخر انطلاق الموسم الفلاحي في مناطق واسعة، وتراجع وتيرة التحضيرات الزراعية، مما انعكس سلبا على نفسية الفلاحين الصغار والمتوسطين الذين يعيشون حالة من الترقب والقلق.
وأبرز أن التأخر في نزول الأمطار خلال الأسابيع الأولى من الموسم يُفقد التربة خصوبتها الطبيعية ويؤخر عمليات الإنبات، وهو ما يقلص المردودية النهائية للحبوب التي تشكل الركيزة الأساسية للأمن الغذائي الوطني.
التساقطات الثلجية.. ما أثرها على الفرشة المائية وهل تبدد شبح الجفاف بالجنوب الشرقي للمملكة؟
وأكد الخبير أن تأخر الأمطار لا يقتصر أثره على الزراعة فقط، بل يمتد إلى المراعي الطبيعية، موضحاً أن قلة الكلأ في هذه الفترة المبكرة رفعت تكاليف التغذية الحيوانية بشكل كبير، خاصة بالنسبة لمربي الماشية في المناطق الجبلية والهضابية.
وأفاد أن العديد من الفلاحين اضطروا إلى اقتناء الأعلاف المركبة في وقت مبكر وبأثمنة مرتفعة، مما سيؤثر على كلفة الإنتاج الفلاحي برمّته.
وأشار إلى أن تراجع الغطاء النباتي بسبب الجفاف المبكر يهدد أيضا التوازن الإيكولوجي للمناطق القروية، ويزيد من خطر التعرية والتصحر، ما يضع عبئا إضافيا على المنظومات البيئية الهشة أصلا.
واعتبر أن التأخر المسجل في التساقطات المطرية هذا الموسم هو ناقوس خطر جديد يدعو إلى مراجعة النموذج الفلاحي القائم الذي يظل هشاً أمام التقلبات المناخية المتسارعة.
♦الفلاحون والحبوب في الواجهة
يرى أوحتية أن الفلاحين الصغار والمتوسطين هم الفئة الأكثر تضررا من تأخر التساقطات، باعتبارهم لا يتوفرون على وسائل السقي ولا على إمكانيات مالية كافية لتجاوز فترات الجفاف.
وأظهر أن هؤلاء الفلاحين يشكلون النسبة الكبرى من العاملين في الزراعة البورية، وهم الذين ينتجون الجزء الأهم من الحبوب في المغرب، مما يجعل أي اضطراب مناخي ينعكس مباشرة على دخلهم ومستوى معيشتهم.
وأضاف الخبير أن الإنتاج الوطني من الحبوب يرتبط عضويا بالتساقطات المطرية، إذ أن كل تأخر أو نقص في كمية الأمطار يؤدي إلى انخفاض حاد في المحصول النهائي.
وذكّر بأن المغرب عرف خلال السنوات الأخيرة تقلبات مناخية متكررة أثرت بشكل مباشر على إنتاج القمح والشعير والذرة، مما اضطر البلاد إلى رفع وارداتها من الحبوب لتغطية الحاجيات الداخلية.
وذهب إلى أن تراجع إنتاج الحبوب لا يمس فقط التوازن الغذائي، بل يؤثر أيضا على الاقتصاد الوطني ككل، لأن القطاع الفلاحي يساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الخام، ويوفر ملايين فرص الشغل في العالم القروي.
وشدد على أن تكرار مواسم الجفاف يهدد هذا التوازن، ويطرح أسئلة عميقة حول استدامة النموذج الفلاحي الوطني القائم على الزراعات الموسمية الهشة.
ولفت أوحتية الانتباه إلى أن المعطيات المناخية الحالية تفرض التفكير في أنماط إنتاج جديدة تراعي واقع الجفاف وتقلب الفصول، مبينا أن هذا التحول نحو الزراعات المقاومة للجفاف، واستعمال البذور المحسّنة القادرة على التأقلم مع ضعف التساقطات، أصبح خيارا استراتيجياً لا يمكن تأجيله، إضافة إلى تعزيز الدعم التقني والإرشاد الفلاحي الموجّه للفلاحين الصغار، باعتبارهم الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج.
♦حلول مستدامة ومقاربات جديدة
فيما يتعلق بالحلول الممكنة، شدد الخبير البيئي على أن مواجهة ظاهرة تأخر التساقطات تتطلب رؤية شمولية ومندمجة تجمع بين السياسة الفلاحية والسياسة المائية والبيئية في إطار منسق، موضحا أن الرهان اليوم لا يقتصر على انتظار المطر، بل على بناء قدرة مجتمعية ومؤسساتية على التكيّف مع التغيرات المناخية.
وأكشف أوحتية أن البلاد بحاجة إلى تسريع تنفيذ برامج تعبئة المياه، وتوسيع المساحات المسقية بتقنيات السقي الموضعي، واعتماد تدبير عقلاني للموارد المائية، خصوصاً في المناطق التي تعرف خصاصاً هيكليا.
ودعا إلى تشجيع البحث العلمي في المجال الزراعي، بهدف تطوير أصناف نباتية قادرة على الإنتاج في ظروف مناخية قاسية، وتعميم تقنيات الاقتصاد في المياه على المستوى الوطني.
ولمح إلى أن مفهوم الأمن المائي أصبح اليوم ملازماً للأمن الغذائي، وأن أي اختلال في الأول سينعكس حتماً على الثاني، ومبرزا أن مقاربة الحلول يجب أن تتجاوز الطابع الظرفي القائم على التدخل بعد الأزمة، نحو مقاربة استباقية تعتمد التخطيط المسبق وتعبئة الموارد بشكل دائم.
وتابع الخبير أن إطلاق برامج تحفيزية لتشجيع الفلاحين على اعتماد الزراعات المستدامة وتنويع أنماط الإنتاج يمكن أن يخفف من هشاشة المنظومة الفلاحية.
كما دعا إلى تفعيل نظام تأمين فلاحي فعال يغطي الخسائر الناتجة عن الجفاف ويؤمن استقرار دخل الفلاحين، خاصة في المناطق القروية الأكثر عرضة للمخاطر المناخية.
وخصل أوحتية إلى أن الانتقال نحو فلاحة أكثر مرونة واستدامة أصبح ضرورة وطنية، وليس خياراً تقنياً فقط، موضحا أن التعامل مع تأخر الأمطار لا ينبغي أن يبقى موسميّا أو ظرفيّا، بل ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد تدمج البعد المناخي في كل السياسات الفلاحية والتنموية.

