يشهد قطاع الجلود في الآونة الأخيرة نقاشا متزايدا حول سبل تجاوز مجموعة من التحديات المرتبطة بتوازن السوق وآليات توزيع الأرباح بين مختلف الفاعلين.
ويأتي هذا النقاش في سياق يتسم بوفرة العرض مقابل محدودية الطلب الداخلي، ما يطرح إشكالات مرتبطة بتصريف الفائض والحفاظ على استقرار القطاع.
وفي ظل هذه المعطيات، تتعدد المقاربات المطروحة بين من يدعو إلى حلول ظرفية مرتبطة بتيسير التصدير، وبين من يراهن على إصلاحات هيكلية تعزز التصنيع المحلي وترفع من مستوى القيمة المضافة.
ويعكس هذا الجدل حجم التحولات التي يعرفها القطاع، والحاجة إلى مقاربات متوازنة تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد الاقتصادية والصناعية، بما يضمن استدامة النشاط وتحسين تنافسيته على المستويين الوطني والدولي
♦تشخيص واقع الاختلالات الحالية
أكد هشام الجوابري الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بجهة الدار البيضاء-سطات محدودية جدوى تصدير الجلود الخام كحل ظرفي، ودعا إلى توجيه الجهود نحو التصنيع المحلي باعتباره الخيار الاستراتيجي القادر على خلق قيمة مضافة حقيقية وإعادة التوازن إلى القطاع.
وأبرز الجوابري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن عمق الاختلال البنيوي الذي كان يعانيه قطاع الجلود، موضحا أن الخلل لم يقتصر على جانب دون آخر، بل امتد ليشمل مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، من مرحلة التجميع إلى التسويق النهائي.
وبيّن أن هذا الوضع أفرز تفاوتا واضحا في توزيع الأرباح، حيث استفادت بعض الأطراف بشكل غير متكافئ مقارنة بغيرها، ما أضعف التوازن العام داخل المنظومة وحدّ من فعاليتها الاقتصادية.
وسجل المتحدث استمرار ضعف التنسيق بين الفاعلين في القطاع، مشيرا إلى أن غياب رؤية موحدة كان يعرقل تحقيق التكامل المطلوب، ويؤدي إلى تضارب في المصالح بدل تكاملها.
كما أوضح أن السوق ظل مفتوحا أمام ممارسات غير منظمة أثرت سلبا على الشفافية وزادت من تعقيد المشهد العام.
ونبه الجوابري إلى محدودية تثمين الموارد، معتبرا أن الجلود، رغم أهميتها الاقتصادية، لم تستغل بالشكل الأمثل، إذ تم التعامل معها في كثير من الأحيان كمادة أولية دون استثمار إمكانياتها التحويلية، ما أدى إلى ضياع فرص مهمة لخلق قيمة مضافة محلية.
وإظهر أن هذا الاختلال انعكس مباشرة على مردودية القطاع، حيث ظل الإنتاج غير قادر على تحقيق العائدات المنتظرة، في ظل غياب بنية صناعية قوية قادرة على تحويل المادة الخام إلى منتجات نهائية تنافسية في الأسواق الوطنية والدولية.
وشدد على أن استمرار هذا الوضع كان من شأنه أن يعمق الفجوة بين الإمكانيات المتاحة والنتائج المحققة، ما فرض تدخلًا عاجلًا لإعادة التوازن وإصلاح الأعطاب الهيكلية التي أعاقت تطور القطاع.
♦تقييم الخيارات المطروحة
عرض الجوابري النقاش الدائر حول الحلول الممكنة لتجاوز الوضع القائم، مشيرا إلى أن بعض المهنيين دعوا إلى فتح باب تصدير الجلود كحل مرحلي يهدف إلى تصريف الفائض وتحقيق حد أدنى من العائدات، وأقر بأن هذا الخيار وجد مبرراته في السياق الراهن، خاصة في ظل محدودية الطلب الداخلي.
واعتبر في المقابل أن هذا التوجه ظل محدود الأثر، موضحا أن تصدير الجلود في شكلها الخام لم يحقق القيمة الاقتصادية المرجوة، بل كرس تبعية القطاع للأسواق الخارجية، وجعل العائدات رهينة بتقلبات الطلب الدولي وأسعاره.
وأكد أن التصدير الخام فوت فرصًا حقيقية لخلق مناصب شغل وتعزيز النسيج الصناعي المحلي، إذ تم نقل القيمة المضافة إلى خارج البلاد بدل استثمارها داخليا، واعتبر أن الاقتصار على هذا الحل عكس غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
ونبه إلى أن الاعتماد المفرط على هذا الخيار كان من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف قدرات القطاع على التطور، حيث تم تأجيل الإصلاحات الضرورية مقابل حلول ظرفية لم تعالج جذور الإشكال.
ودعا إلى التعامل مع التصدير كإجراء تكميلي وليس بديلا عن الإصلاح الشامل، مشددا على ضرورة توجيه الجهود نحو بناء منظومة متكاملة قادرة على تحقيق الاستدامة الاقتصادية.
♦مقترحات لإعادة الهيكلة الشاملة
شدد الجوابري على ضرورة إعادة هيكلة القطاع بشكل متكامل، انطلاقا من تنظيم السوق ووضع آليات واضحة ضمنت الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف المتدخلين، معتبرا أن هذه الخطوة شكلت الأساس لأي إصلاح حقيقي.
وطالب بتحفيز الاستثمار في وحدات الدباغة، مؤكدا أن تطوير هذه الحلقة شكل ركيزة أساسية لخلق قيمة مضافة، حيث أمكن تحويل الجلود من مادة أولية إلى منتجات نصف مصنعة أو نهائية ذات جودة عالية.
وأبرز أهمية تعزيز التنسيق بين الفاعلين، من خلال إرساء آليات للحوار والتشاور المستمر، بما سمح بتوحيد الجهود وتفادي تضارب المصالح، والعمل وفق رؤية مشتركة خدمت مصلحة القطاع ككل.
واقترح تطوير منظومة التكوين والتأهيل لضمان توفر يد عاملة مؤهلة قادرة على مواكبة التحولات الصناعية، مشيرا إلى أن الاستثمار في الموارد البشرية كان عنصرًا حاسمًا في نجاح أي استراتيجية إصلاحية.
وشدد أن تثمين الجلود تطلب رؤية صناعية واضحة قامت على الابتكار والجودة، بما مكن من ولوج أسواق جديدة وتعزيز تنافسية المنتجات المحلية.
وخلص إلى أن تحويل الجلود إلى رافعة اقتصادية حقيقية لم يكن ممكنًا إلا من خلال تبني مقاربة شمولية جمعت بين التنظيم، الاستثمار، والتنسيق، بما ضمن استدامة القطاع وقدرته على الإسهام الفعلي في التنمية الاقتصادية.

