شهدت مدينة أكادير يوم أمس الأحد، وقفة احتجاجية حاشدة أمام مستشفى الحسن الثاني، شارك فيها العشرات من المواطنين وفعاليات مدنية، للتنديد بما وصفوه بتردي الخدمات الصحية والاكتظاظ وتأخر المواعيد الطبية، فضلا عن الخصاص الحاد في التجهيزات والأطر الطبية، والوقفة التي واجهتها السلطات المحلية بمحاولات المنع عكست عمق الاستياء الشعبي من واقع القطاع الصحي، وأعادت إلى الواجهة قضية الثقة في قدرة الحكومة على تنزيل الإصلاحات المعلنة في هذا المجال الحيوي.
وخلف هذه الوقفة، برزت دلالات رمزية قوية، إذ جرت في مدينة تعد القاعدة الانتخابية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، ما فتح الباب أمام أسئلة صامتة حول الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، وحول كفاية الاستثمارات الضخمة التي رصدت لبناء وتجهيز المستشفيات لتغطية أعطاب الحكامة وسوء التدبير، وعن إن كان الاستمرار في نهج الوعود غير الملموسة سيهدئ من غضب المواطنين، أم أن الاحتجاجات مرشحة للانتشار وطنيا إذا لم تُواكب بإصلاحات جذرية تعيد الثقة في الخدمة الصحية العمومية.
❖ “خصخصة مقنعة”
يرى عبد الإله بنعبد السلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن ما وقع بأكادير ليس حادثًا معزولًا، بل انعكاس لمسار متواصل من الإجهاز على الحق في الصحة.
وقال بنعبد السلام في تصريح لجريدة “شفاف”، إن احتجاجات المواطنين أمام مستشفى الحسن الثاني تكشف أن السياسات العمومية تميل أكثر نحو خوصصة القطاع الصحي، بشكل يضعف القدرة الشرائية ويحول العلاج إلى امتياز للفئات الميسورة بدل كونه حقًا للجميع.
واعتبر أن الوضع لا يتعلق بالحكومة الحالية فقط، بل هو جزء من سياسة دولة شاملة تستسلم لإملاءات خارجية وتعيد ترتيب أولوياتها بعيدًا عن التعليم والصحة.
واستشهد بنعبد السلام بأمثلة واقعية من معاناة المواطنين؛ مثلما هو الأمر مع مواعيد قد تصل إلى سنتين لإجراء الفحص بالأشعة (سكانير)، وأثمان أدوية تفوق قدرة فئات واسعة، وتفاقم حالات مرضية كالسرطان نتيجة غياب العلاج المبكر.
وأشار إلى أن الدولة تستثمر في الملاعب والقطارات السريعة بينما تغض الطرف عن الاستثمار الحقيقي؛ أي في الإنسان وصحته وكرامته.
وأبرز منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، أن هذه المفارقة تعكس غياب تصور استراتيجي يجعل من الصحة العمومية عمودًا أساسيًا للسياسات الوطنية.
فيما إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، يعزز هذا التحليل بقراءة حقوقية صريحة، إذ يرى أن “الخوصصة المقنّعة” تفرغ الفصل 31 من الدستور من مضمونه، وتتناقض مع التزامات المغرب الدولية؛ خصوصًا المادة 12 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
حكومة أخنوش بين الأرقام والواقع.. إنجازات لافتة أم حصيلة مثيرة للجدل؟
وذكر السدراوي في تصريح لـ”شفاف”، أن الدولة بدل ضمان أعلى مستوى من الصحة للجميع، تترك المواطن يواجه الاكتظاظ والخصاص وضعف الشفافية؛ ما يحول الحق في العلاج إلى معركة يومية تمس كرامة الإنسان.
❖ أزمة الثقة
يشدد بنعبد السلام على أن فقدان الثقة في المنظومة الصحية يعكس فقدانًا أوسع في الثقة بالمؤسسات، مبرزًا أن المواطن الذي يُجبر على الاختيار بين شراء الدواء أو إطعام أسرته، أو ذاك الذي يُمنح موعدًا طبيًا بعد سنوات، يدرك أن كرامته تُسلب تدريجيًا.
وتساءل منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان؛ قائلا: كيف يمكن الحديث عن دولة اجتماعية بينما الأساسيات كالصحة والتعليم لا تجد مكانًا لها في سلم الأولويات؟
ويذهب السدراوي في الاتجاه نفسه، مؤكدًا أن احتجاج ساكنة أكادير رسالة قوية ضد هذا التآكل في الثقة، مبرزا أن اختيار مدينة تُعد القاعدة الانتخابية لرئيس الحكومة يحمل رمزية واضحة، إذ يفضح الهوة بين الشعارات السياسية حول الإصلاح، وبين واقع ينتج المزيد من التفاوتات المجالية ويعمق الإحباط الشعبي.
ويرى رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن الأمر لم يعد مجرد خلل تقني أو تدبيري، بل أزمة سياسية تتطلب مراجعة شاملة للخيارات المعتمدة.
وأردف أن هذه الأزمة قد تنذر بتحولات اجتماعية أكبر، فإذا لم تُترجم الاستثمارات الضخمة إلى خدمات ملموسة، فإن الاحتجاجات ستتوسع وتتحول إلى كرة ثلج وطنية، خاصة في ظل تراكم ملفات مشابهة في التعليم والقدرة الشرائية، لافتًا إلى أنه هنا تبرز مخاوف حقيقية من انفجار اجتماعي قد يصعب التحكم في تداعياته.
❖ اختلالات بنيوية
يوضح السدراوي أن الوضع الصحي الراهن ليس وليد ظرفية آنية، بل نتيجة اختلالات بنيوية متجذرة، مشيرًا إلى أن الاكتظاظ في المستشفيات وتأخر المواعيد ليس سوى عرض لأزمة أعمق، تتجلى في غياب الحكامة، وضعف التخطيط، وغياب التوزيع العادل للموارد بين الجهات.
ويشدد بنعبد السلام على أن المواطن البسيط، سواءً كان بائع خضار أو عاطلًا عن العمل، يجد نفسه عاجزًا حتى عن اقتناء مضاد حيوي لا يتجاوز ثمنه 100 درهم، لأنه يضطر للاختيار بين العلاج والغذاء.
ونبه منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، إلى أن هذه التفاصيل اليومية البسيطة التي ذكرها؛ تعكس المأساة الحقيقية التي تعيشها آلاف الأسر المغربية.
من جانبه، يوضح السدراوي أن تقارير الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان رصدت مظاهر عديدة للاختلال؛ منها نقص حاد في الأطر الطبية، وتفاوتات مجالية صارخة، وانتهاكات متكررة لكرامة المرضى.
واستطرد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن هذه المؤشرات تجعل من الحق في الصحة مجرد شعار فارغ، وتُحول المستشفيات إلى فضاءات للمعاناة بدل أماكن للعلاج.
❖ بدائل عاجلة
رغم قتامة الصورة، يطرح السدراوي مجموعة من الخطوات العاجلة لتفادي الانفجار الاجتماعي؛ تتمثل في التوظيف الفوري للأطباء والممرضين في مناطق الخصاص، وتوزيع عادل للبنيات التحتية والتجهيزات، وتوفير الأدوية الأساسية للفئات الهشة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تسيير المستشفيات.
ودعا رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إلى ضرورة إشراك المجتمع المدني والهيئات الحقوقية في تتبع السياسات الصحية لضمان الشفافية.
أما بنعبد السلام، فيذهب أبعد من الحلول التقنية ليضع المسألة في إطارها السياسي الأشمل، إذ بالنسبة له، لا يمكن إنقاذ الصحة العمومية دون بناء دولة حق وقانون، تضع الإنسان في قلب أولوياتها وتتحرر من إملاءات المؤسسات المالية الدولية.
وأضاف المتحدث ذاته، أن المشكل في جوهره هو غياب إرادة حقيقية لاستثمار الموارد في المواطن بدل البنية التحتية التي تخدم واجهة الدولة أكثر مما تخدم حياة الناس اليومية.
وتساءل قائلا: هل الدولة مستعدة لتغيير نموذجها التنموي ليجعل من المواطن ركيزة أساسية، أم أنها ستواصل الرهان على مشاريع كبرى تلمع الصورة دوليًا بينما تتآكل الحقوق الأساسية داخليًا؟
❖ أفق الانتقال
يشير السدراوي إلى أن الخروج من هذه الأزمة يستدعي انتقالًا حقيقيًا نحو مجتمع المواطنة، مبرزًا أن الاستثمار الأجدى هو الذي يكون في الإنسان، من خلال ما يرتبط بتعليمه وصحته، لافتًا إلى أنه من دون ذلك؛ تتحول البنية التحتية إلى هياكل فارغة.
وأضاف أن الشعارات حول “الدولة الاجتماعية” ستظل بلا معنى ما لم تُترجم إلى ضمان ملموس للحق في العلاج، معتبرًا أن استمرار هذا التناقض بين الخطاب والواقع قد يقود إلى فقدان الأمل لدى الشباب، وتآكل أسس الاستقرار الاجتماعي.
ونبه إلى أنه بذلك، يصبح الرهان الأكبر اليوم ليس فقط وقف تدهور الخدمات الصحية، بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع عبر إرساء نموذج تنموي يجعل من الحق في الصحة قاعدة أساسية، لا مجرد بند في الدستور أو التزامات دولية غير مفعّلة.

