في وقت تُراهن فيه السياسات العمومية على المقاولات الصغرى والمتوسطة كرافعة محورية للنموذج التنموي الجديد، كشفت دراسة حديثة صادرة عن الهيئة المغربية للمقاولات الصغرى عن أرقام مقلقة تُبرز ضعف انخراط هذه الفئة في منظومة الصفقات العمومية، وتواضع حضورها في الأسواق الدولية، حيث أظهرت نتائج الدراسة أن 70% من المقاولات الصغرى لم تشارك مطلقًا في أي صفقة عمومية، بينما لم يسبق لـ97% من المستجوبين الاستفادة من أي دعم للمشاركة في معارض دولية، ما يُسلط الضوء على فجوة مؤسساتية وتنظيمية بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
وهذه المعطيات تثير تساؤلات مشروعة حول أسباب عرقلة اندماج المقاولات الصغرى، ومدى قدرة البرامج العمومية على تحقيق الإنصاف الاقتصادي والفرص المتكافئة، في ظل استئثار فئات محدودة بالحصة الكبرى من الطلبيات العمومية، كما تدفع إلى التفكير في مدى نجاعة الآليات الحالية للدعم والمواكبة، وموقع الجهات المسؤولة عن تصحيح هذا الاختلال؛ خصوصًا وأن هذه المقاولات تمثل النسيج الغالب للاقتصاد الوطني، وتحمل مؤهلات مهمة في التشغيل والتصدير إن أُتيحت لها الشروط المناسبة.
70 % من المقاولات الصغرى بالمغرب خارج دائرة الصفقات العمومية
❖ ضعف البنية والشفافية
يعتبر علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن الإقصاء الواسع للمقاولات الصغرى من الصفقات العمومية في المغرب لا يعود لعامل واحد، بل إلى تداخلات بنيوية ومؤسساتية متعددة.
ويشير الغنبوري في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن النظام المعمول به في الصفقات يفرض شروطًا إدارية ومالية تعجيزية، مثل تقديم ضمانات وشهادات يصعب على هذه المقاولات توفيرها نظرًا لمحدودية مواردها وضعف هيكلتها.
وأوضح رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن هذا الوضع يجعلها عاجزة عن دخول دائرة التنافس الفعلي، ويفتح المجال أمام المقاولات الكبرى للاستئثار بالطلبيات العمومية.
وأضاف أن غياب المعلومات حول الفرص المتاحة يعمق من عزلة هذه الفئة، إذ تبقى غير قادرة على مواكبة الإجراءات التقنية والآجال الضيقة، مبرزا أن الإدارات العمومية تميل تلقائيًا إلى تفضيل المقاولات الكبرى ذات الخبرة، ما يضع المقاولات الصغرى في موقع تنافسي هش، خصوصًا مع محدودية قدرتها على تقديم عروض مالية مغرية.
في السياق ذاته، يلفت رضوان زهرو، أستاذ الاقتصاد بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – عين الشق بالدار البيضاء، والمحلل الاقتصادي والاجتماعي، إلى وجود أسباب داخلية تخص المقاولات نفسها، كضعف التجارب، وغياب التمويل، وقلة الموارد البشرية والمادية، وهي نقاط تضعف جاهزيتها لأي عرض جدي.
وربط المحلل الاقتصادي والاجتماعي الأمر أيضًا بأسباب خارجية؛ منها ضعف الشفافية والرشوة، وغياب الحوكمة الجيدة في منح الصفقات، مما يُفرز وفقه مناخًا تنافسيًا غير متكافئ.
❖ فجوة المواكبة والدعم
يؤكد الغنبوري أن البرامج الحكومية، رغم ما تحمله من نوايا حسنة، لم تحقق بعد الأثر المطلوب على مستوى الدعم والمواكبة، موضحًا أنه رغم وجود مبادرات مثل برنامج “دعم ومواكبة المقاولة” وآليات الضمان، إلا أن نتائجها لا تزال محدودة.
وذكر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن البيانات الصادمة تؤكد أن 97% من المقاولات الصغرى لم تستفد مطلقًا من أي دعم يتيح لها الولوج إلى المعارض الدولية.
أما على صعيد التأهيل التقني، فقد أشار إلى وجود برامج مثل “IMPACT CAMP” و”Dare Inc”، لكنها لا تغطي سوى شريحة ضئيلة من المقاولات.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وأردف أن هذا الأمر يطرح الحاجة إلى توسيع هذه المبادرات، وتبسيط شروط الولوج إليها؛ خاصة عبر تكوين موجَّه في مجالات التكنولوجيا والتسويق الرقمي، لتأهيل المقاولات الصغرى لمواجهة التحديات الجديدة للسوق.
ورغم هذه الإكراهات، يُقر زهرو بأن هناك مجهودًا مؤسساتيًا يُبذل في المغرب، خاصة في السنوات الأخيرة، من أجل تطوير نظام خاص بالصفقات العمومية موجَّه للمقاولات الصغرى والمتوسطة.
ويعتبر أستاذ الاقتصاد أن هذا التوجه يجب أن يتعزز في مجالات لا تتطلب لا حجما كبيرًا ولا خبرة ضخمة، كخدمات القرب، والمقاولات المحلية، والصيانة وغيرها.
❖ غياب الأسواق الخارجية
يرى الغنبوري أن غياب المقاولات الصغرى عن المعارض الدولية يمثل خسارة مزدوجة، أولًا لأنها تفقد فرصة عرض منتجاتها واكتساب شراكات جديدة، وثانيًا لأنها تبقى سجينة السوق المحلية التي تعاني أصلًا من الاكتظاظ والمنافسة الشرسة.
ويؤكد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن المشاركة في المعارض تُعد رافعة أساسية للتوسع، وتساهم في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز قدرات التصدير.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
ويحيل الخبير الاقتصادي إلى التجربة التونسية كنموذج ناجح، حيث مكّن دعم موجه ومباشر من رفع قدرة المقاولات الصغرى على المشاركة في المعارض، ما انعكس إيجابًا على الصادرات.
وشدد الغنبوري على أن المغرب في هذا الجانب بحاجة إلى نهج مشابه، يدمج بين التمويل وتسهيل الإجراءات، وتنظيم بعثات تجارية فعالة لفتح آفاق التوسع.
أما زهرو، فرغم تركيزه على العوائق الداخلية للمقاولات، فإنه لا يغفل أهمية الانفتاح على الخارج، ويرى أن دعم الدولة يجب ألا يقتصر على البناء المالي فقط، بل يشمل التكوين في تقنيات التفاوض والعرض والتسويق في فضاءات دولية، بما يضمن استعداد المقاولات الصغرى للولوج الحقيقي لهذه الأسواق.
❖ احتكار المقاولات الكبرى
في محور الصفقات العمومية، يشدد الغنبوري على أن النظام الحالي يكرّس نوعًا من الاحتكار لفائدة المقاولات الكبرى، بفعل حجم المشاريع ومتطلبات الخبرة السابقة، ما يجعل من الصعب على المقاولات الصغيرة مجرد الترشح.
ويستشهد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، بتقارير اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية، التي دعت إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان التنافسية والعدالة.
وأوصى بتخصيص نسبة لا تقل عن 20% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى، مبرزًا أن تقسيم الصفقات الكبرى إلى حزم صغيرة سيمنح المقاولات الصغيرة فرصة واقعية للمشاركة.
بين التزامات الحوار الاجتماعي واستدامة الإصلاحات.. هل يحافظ المغرب على صلابة توازناته الاقتصادية؟
ويتقاطع رأي زهرو مع هذا الطرح، إذ يعتبر أن طبيعة بعض المشاريع، خاصة في البنية التحتية الكبرى، تبرر تعامل الدولة مع مقاولات عملاقة.
ولكن في المقابل، يؤكد المحلل الاقتصادي والاجتماعي على أهمية بلورة سياسة عمومية تسمح للمقاولات الصغيرة بولوج مجالات تناسب إمكانياتها، وتعزيز مناخ الشفافية والتكافؤ.
❖ نماذج دولية ملهمة
لا يتوقف الغنبوري عند تشخيص الوضع الداخلي، بل يدعو للاستفادة من التجارب الناجحة في إشراك المقاولات الصغرى ضمن دينامية الاقتصاد.
ويشير إلى نموذج كوريا الجنوبية التي وفّرت تمويلات ميسرة مدعومة حكوميًا، ما مكن هذه المقاولات من التوسع بشكل ملحوظ، فضلًا عن تنظيم معارض للترويج الخارجي بشكل منتظم.
وأردف أن تجربة سنغافورة تستحق الإشارة بضا في هذا الجانب، إذ أنشأت مراكز دعم تكنولوجي متطورة تُوفر أدوات رقمية للمقاولات الصغرى، مما رفع إنتاجيتها وقدرتها على التسويق.
ويرى رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن المغرب بحاجة إلى سياسات مشابهة، تقوم على دعم مالي وتكويني وابتكاري شامل.
وشدد على أن إعادة تأهيل موقع المقاولات الصغرى في الاقتصاد الوطني يمر عبر سياسة جبائية تحفيزية، ودعم موجه للتكنولوجيا، مع منح تدريبات متخصصة، تمكن هذه الفئة من الارتقاء الفعلي ضمن الدورة الاقتصادية وليس على الهامش.

