تعود مناورات الجيش الجزائري في المناطق القريبة من الحدود المغربية لتثير النقاش من جديد، خاصة في ظل تكرارها في توقيت متزامن مع تنظيم المغرب لمناورات “الأسد الإفريقي” التي تجمعه بشركاء دوليين وإقليميين، أبرزهم الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذه التمارين العسكرية، على اختلاف أشكالها ومواقعها، أصبحت محط متابعة إعلامية وسياسية دقيقة، نظرًا لتقاطعها مع السياقات الإقليمية المعقدة والتحولات الجيوسياسية في المنطقة المغاربية.
وفي هذا السياق، هل تعكس هذه المناورات مجرد خطة تدريبية بحتة، أم أنها تحمل أبعادًا سياسية وأمنية مرتبطة بتوازنات الداخل والخارج؟ وهل هي استعراض للجاهزية العسكرية أم تعبير عن مواقف استراتيجية تجاه التطورات المحيطة؟
♦ مناورات تكشف أزمات داخلية وهيمنة عقيدة العداء للمغرب
أكد محمد الطيار، خبير في الدّراسات الأمنية والاستراتيجية، ورئيس للمرصد الوطني للدّراسات الاستراتيجية، أن تكرار الجزائر لمناوراتها العسكرية بالقرب من الحدود المغربية، تزامنًا مع تنظيم المغرب لتمرينات “الأسد الإفريقي” بشراكة مع الولايات المتحدة ودول إفريقية وغربية أخرى، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام للأزمة الداخلية المتفاقمة التي يعيشها النظام العسكري الجزائري.
وأبان الخبير في الدّراسات الأمنية والاستراتيجية، أن هذه التحركات لا تمثل تصعيدًا حقيقيًا بقدر ما تعكس حالة من التوتر البنيوي داخل القيادة العسكرية الجزائرية، التي تحاول عبرها تصدير أزمتها إلى الخارج وصناعة وهم تهديد خارجي لتبرير القبضة الأمنية داخليًا.
وأوضح الطيار، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه المناورات التي تجرى في المنطقة العسكرية الثالثة في الجزائر، ليست جديدة من حيث الشكل أو التوقيت، لكنها باتت تحمل دلالات أعمق من أي وقت مضى، خاصة في ظل تصاعد التصدعات داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، وما يرافقها من حملة اعتقالات طالت أكثر من 54 مسؤولًا عسكريًا ساميًا، بينهم جنرالات من الصف الأول.
♦ استعراض موجه إلى الداخل لا إلى الخارج
يرى الطيار أن هذه المناورات لا تعد وسيلة للدفاع الإقليمي أو للردع العسكري، بل هي موجهة أساسًا إلى الرأي العام الداخلي، كوسيلة لتقوية الجبهة العسكرية وتقديم صورة “الجيش الجاهز”، في محاولة لخلق إجماع وطني حول المؤسسة العسكرية التي تعرف نزيفًا داخليًا متواصلاً.
وكشف الخبير أن تلك المناورات أقرب إلى خطاب تعبوي، يستخدم التوتر مع المغرب كأداة لتوحيد الصفوف المتصدعة داخل الجيش، وإقناع المواطنين الجزائريين بأن الجيش لا يزال متماسكًا.
وأضاف أن التوقيت ليس اعتباطيًا، بل يأتي غالبًا ردًا على الحضور المغربي الدولي والإفريقي، وعلى الشراكات العسكرية المتنامية التي تقيمها الرباط مع شركاء عالميين، في مقدمتهم الولايات المتحدة، خصوصا أن الجزائر تشعر بأن دورها الإقليمي يتقلص، وتسعى إلى إظهار نفسها كفاعل عسكري قادر على حماية حدوده، رغم أن الواقع التقني واللوجستي يُكذّب هذا الادعاء.
♦ تبعية روسية تهدد التوازن العسكري الجزائري
يؤكد الطيار أن أحد أبرز عناصر الضعف البنيوي في الجيش الجزائري حاليًا يتمثل في اعتماده شبه الكلي على الترسانة الروسية، حيث حوالي 70 إلى 80 في المئة من أسلحته، بما في ذلك الذخائر وقطع الغيار، مصدرها روسيا، كما أن تشغيل بعض المنظومات القتالية يتم تحت إشراف خبراء روس. مبرزا أن هذا ما يجعل الجزائر اليوم في وضعية هشاشة استراتيجية، خصوصًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي تسببت في تقليص صادرات موسكو من الأسلحة وترك الجزائر دون بدائل فعلية.
وأضاف الطيار أن محاولات النظام الجزائري لفتح قنوات تسليح جديدة مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، باءت بالفشل، نظرًا لانعدام الموثوقية والمصداقية لدى الجزائر، التي لم تنجح في تقديم نفسها كشريك موثوق، بل لا تزال تُصنَّف في خانة الحلفاء التقليديين لموسكو وطهران، وهو ما زاد من تعقيد وضعية الجيش الجزائري، الذي أصبح غير قادر على مواكبة التحولات التقنية العسكرية الحديثة.
كما تحدث الطيار كذلك عن انحدار خطير في معنويات عناصر الجيش الجزائري، نتيجة تعدد الاعتقالات في صفوف كبار الضباط، والتسريبات المتواصلة حول ظروفهم المزرية داخل الثكنات.
وقال إن هذا التآكل المعنوي يشكل تهديدًا خطيرًا لوحدة المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي فقدت جزءًا كبيرًا من هيبتها الداخلية، كما أن استمرار القمع وتصفية الحسابات بين أجنحة الحكم العسكري يُنبئ بإمكانية انفجار داخلي مستقبلي.
♦ لعبة المناورات بين استعراض هشّ وعزل دولي
يرى الطيار أن الجزائر لا تملك اليوم القوة العسكرية التي تتيح فرض نفسها في موازين القوى في المنطقة. بل إن الاستعراضات العسكرية، وإن كانت مكلفة، لا تُخفي واقع العزلة الإقليمية المتزايدة التي تعيشها الجزائر، خاصة بعد تصاعد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، وتراجع منسوب التعاطف مع أطروحة “تقرير المصير” التي باتت الجزائر الوحيدة المدافعة عنها بشكل غير عقلاني.
ويضيف الطيار أن المغرب لا يتعامل مع هذه المناورات كتهديد حقيقي، بل يقرأها ضمن منطق الانفعال الاستراتيجي الذي يطبع سلوك الجزائر منذ سنوات. مبينا أن المغرب ينفتح على الفضاء الإفريقي الأطلسي، ويكرّس شراكات أمنية ومناورات ميدانية متعددة الأطراف، فيما تظل الجزائر منغلقة على خطاب عسكري تقليدي يعود الى عقد الستينيات من القرن الماضي، لم يعد يقنع حتى القلة التي تبقت من حلفاءها.
وخلص المتحدث على أن الخطاب العسكري في الجزائر صار وسيلة لصرف انتباه الرأي العام الداخلي عن أزمات حقيقية تعصف بالبلاد، من انهيار اقتصادي، واحتقان اجتماعي، وانسداد افق سياسي، في ظل غياب مؤشرات الانفتاح أو الانتقال الديمقراطي.
وأضاف أن النظام الجزائري لا يجد اليوم سوى “أسطورة العدو المغربي” والتهديد الخارجي لخلق تعبئة داخلية تُجنّبه الأسئلة المحرجة حول الفساد، وقمع الحريات، وتدهور البنية الاجتماعية في البلاد.
وشدد الطيار على أن المغرب، وعلى عكس الجزائر، يبني عقيدته العسكرية على التعاون الدولي والدفاع عن الشرعية وبناء الامن والاستقرار، بينما تواصل الجزائر الاستثمار في خطاب العداء للمغرب كغطاء لأزماتها الداخلية. وهذا ما يجعل المناورات العسكرية، في نهاية المطاف، مرآةً تعكس هشاشة النظام العسكري أكثر مما هي دليل على جاهزيته.

