على بُعد شهر فقط من دخول القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة حيّز التنفيذ، وجّه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، منشورًا رسميًا إلى مختلف القطاعات الحكومية والإدارية، يحث من خلاله على الإسراع في تفعيل مقتضيات هذا الورش الإصلاحي، باعتباره خطوة مركزية في تحديث السياسة الجنائية المغربية وتخفيف الضغط عن المؤسسات السجنية، حيث يُرتقب أن يشكل هذا القانون، الذي صادق عليه البرلمان منذ سنة، تحولا نوعيًا في بنية العقاب القضائي، من خلال اعتماد بدائل غير سالبة للحرية، على رأسها العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، والتدابير العلاجية أو التأهيلية، إلى جانب الغرامات اليومية.
وغير أن هذا التوجه التشريعي الطموح لا يخلو من أسئلة ضمنية بشأن قدرة الدولة على توفير البنيات التحتية، والموارد البشرية، وآليات التنسيق اللازمة لضمان تنزيل فعلي ومتوازن لهذه البدائل على أرض الواقع، ما يثير فرضيات أيضا حول توفر الإدارات والمؤسسات العمومية على الإمكانات الكفيلة باحتضان هذا النوع من العقوبات، والكيفية التي ستتم بها مراقبة مدى التزام المحكومين بالشروط المفروضة، وكذا موقع العدالة الاجتماعية في هذا التصور الجديد للعقوبة، وأثره على ثقة المواطن في المنظومة القضائية.
❖ تنزيل متسارع ومقلق
ترى آمال الأمين، منسقة ائتلاف “دنيا” لمنع زواج الطفلات، ومسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، أن استعجال تفعيل قانون العقوبات البديلة، كما جاء في منشور رئيس الحكومة، خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لأنها تسعى إلى تقليص الاكتظاظ السجني وتحديث السياسة العقابية.
وأبرزت الأمين في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التسريع يطرح مخاوف حقيقية في غياب الإعداد المؤسساتي والميداني المواكب له، معتبرة أن إصدار المناشير وحده لا يكفي لضمان تطبيق فعّال، بل يجب أن يُسبق بخطة دقيقة ومقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار جاهزية كل الفاعلين المعنيين.
وأكدت أن القانون رقم 43.22 يمثل خطوة متقدمة نحو تخفيف الضغط عن السجون وتحقيق نوع من العدالة التصالحية، لكن تنفيذه دون تحضير كافٍ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لافتة إلى أن القانون وإن كان في ظاهره تقدميًا، فإنه في مضمونه يتطلب أدوات وآليات مهنية وتنظيمية متطورة لضمان عدم تحوله إلى مجرد إجراء شكلي.
وتساءلت المتحدثة بشكل ضمني عن مدى واقعية تنزيل هذا المشروع على أرضية غير مهيأة، متسائلة عمّن سيتولى التنفيذ والمراقبة، وعن الإمكانيات التي سيتم بها ذلك، وإن جرى فعلاً تحضير بيئة قانونية وإدارية ومجتمعية تتناسب مع فلسفة هذا القانون.
❖ “ضعف الجاهزية المؤسسية”
في تقييمها لوضعية المؤسسات المعنية بتنزيل هذا الورش، شددت الأمين على أن الجاهزية لا تزال محدودة، مبرزة أن المندوبية العامة لإدارة السجون رغم مجهوداتها، تعاني من خصاص واضح في الموارد البشرية المؤهلة، خاصة فيما يتعلق بالأطر المختصة في إعادة الإدماج والمراقبة المجتمعية.
وأبرزت مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة، أن القانون المذكور يستوجب كفاءات متخصصة لمواكبة مسارات المحكومين، وتقييم قابليتهم للاستفادة من العقوبات البديلة.
وأشارت إلى أن هناك تفاوتًا في القدرات التنظيمية بين مختلف المؤسسات، كما أن التنسيق بين الإدارات لا يزال ضعيفًا وغير ممنهج، مما يعزز من احتمالات فشل التفعيل أو تعثره في مراحله الأولى.
مندوبية السجون تسجل رقما قياسيا في عدد السجناء.. فهل تحد العقوبات البديلة من الاكتظاظ في السجون؟
وأضافت أن التنزيل لا يتعلق فقط بالبنية التشريعية، بل بضرورة توفر موارد لوجيستيكية، وبنيات استقبال، وبرامج مرافقة ميدانية.
وعبرت عن تخوفها من أن غياب التجهيز قد يفتح الباب أمام اختلالات خطيرة، مثل استفادة أشخاص غير مؤهلين من هذه الآلية، وهو ما قد يهدد الأمن المجتمعي في حال تم إقصاء المعيار الموضوعي في اختيار المستفيدين.
❖ انتقائية التطبيق
تبرز الأمين أن التحدي الحقوقي الأكبر يتمثل في ضمان العدالة والشفافية في اختيار المستفيدين من هذه العقوبات، متسائلة عن المعايير التي ستُعتمد لتمييز المحكوم عليهم المؤهلين فعلاً للاستفادة من هذا النظام، وإن كان سيكون المال أو النفوذ عاملاً حاسمًا في ذلك.
ولفتت إلى أن هناك خطرًا حقيقيًا من تحويل هذه العقوبات إلى امتياز طبقي، مؤكدة أنه من غير المقبول أن يستفيد مرتكبو جرائم عنف ضد النساء أو جرائم جنسية ضد الأطفال من هذه الآلية، نظرًا لخطورة هذه الأفعال، ولكونها تُشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمع.
العقوبات البديلة.. هل هي طوق النجاة لإصلاح العدالة الجنائية؟
وتابعت منسقة ائتلاف “دنيا” لمنع زواج الطفلات، أن “هناك سجينات محكومات في قضايا بسيطة، كان من الممكن أن يستفدن من هذه البدائل منذ سنوات، في حين قد نُفاجأ اليوم بإدراج ملفات لمرتكبي جرائم خطيرة”.
وحذرت من أن الانتقائية في التطبيق قد تُفقد القانون مصداقيته، وتخلق شعورًا بالتمييز وسط الساكنة السجنية والمجتمع ككل، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإنصاف التي يفترض أن يقوم عليها هذا المشروع.
❖ الحاجة للتكوين والمرافقة
تشدد آمال الأمين على أن نجاح هذا المشروع التشريعي يمر حتمًا عبر تمكين الفاعلين من التكوين اللازم، مبرزة أن القضاة وممثلي النيابة العامة والمؤسسات المعنية بالعقوبات البديلة في حاجة إلى تكوين دقيق يمكنهم من فهم واستيعاب شروط وآليات تنفيذ هذه البدائل.
وأردفت مسؤولة المشاريع بجمعية حقوق وعدالة أن الانتقال من العقوبة السجنية إلى العقوبة البديلة ليس مجرد تغيير شكلي، بل تحول جذري في التصور العقابي برمته، وهو ما يتطلب عقلية جديدة وتكوينًا مؤسساتيًا موازيًا.
وتابعت أن المرافقة الاجتماعية والنفسية للمستفيدين تشكل حلقة مركزية في هذا الورش، وإلا فإن العقوبات البديلة قد تتحول إلى إجراء إداري مفرغ من بعده الإصلاحي.
ونبهت إلى ضرورة بناء منظومة تتبع دقيقة وشفافة؛ سواءً عبر آليات تقنية كالسوار الإلكتروني، أو عبر تتبع اجتماعي مباشر من طرف مختصين في الإدماج.
ورفعت المتحدثة مطلب إحداث هيئة مستقلة لمراقبة مدى احترام معايير التطبيق، وتقييم مدى التزام المؤسسات ببنود القانون؛ تفاديًا لأي انزلاقات أو اختلالات.
❖ الإدماج بين النظرية والتطبيق
ذكرت الأمين أن العقوبات البديلة، كما هي مصاغة في القانون، تُعتبر مدخلاً إنسانيًا فعّالاً لإعادة الإدماج، إذا ما تم تفعيلها في شروط سليمة.
واعتبرت أن هذه البدائل تمكن الشخص المدان من البقاء في محيطه العائلي والاجتماعي، مما يعزز من فرص إدماجه بعد تنفيذ العقوبة، ويمنع تحوله إلى “مجرم حقيقي” نتيجة تجربة سجنية قاسية.
وأضافت أن هذه المقاربة تتماشى مع فلسفة العقاب الحديثة، التي لا ترى في السجن هدفًا في حد ذاته، بل أداة للإصلاح وإعادة البناء الشخصي.
واستدركت قائلة: إلا أن هذا الطموح يصطدم بواقع يفتقر للبنيات المواكِبة، والتأطير المؤسساتي، والثقة المجتمعية، وهو ما يتطلب سياسة جنائية متكاملة تُقرن القانون بالفعل، وتضمن التتبع والتقييم والتصحيح المستمر.
ولفتت إلى أن القانون رقم 43.22 يمكن أن يشكل نقطة تحول في العدالة الجنائية المغربية، شريطة ألا يتحول إلى أداة جديدة للتمييز، أو إلى حقل للمضاربات والامتيازات، بل يجب أن يظل أداة إصلاح وإنصاف ومصلحة عامة، كما خُطط له في الأصل.

