أظهرت بيانات نشرتها وسائل إعلام وطنية ودولية أن المغرب رغم تسجيله أرقاما قياسية في عدد السياح، لا يزال يواجه تحديات في المردودية المالية مقارنة بوجهات إقليمية منافسة.
ففي حين حافظ المغرب على صدارة القارية من حيث عدد الوافدين خلال سنتي 2024 و2025، أظهرت الإحصاءات فجوة متزايدة في مداخيل العملة الصعبة مقارنة بمصر، التي سجلت عائدات أعلى رغم تقارب أعداد السياح.
ويرجع هذا التفاوت إلى اختلاف نماذج التنمية السياحية؛ حيث يركز المغرب على الكم أكثر من القيمة، بينما تسعى مصر إلى رفع متوسط إنفاق السائح وتنويع عروضها السياحية.
ويؤكد خبراء أن هذه الفجوة أعادت طرح النقاش حول ضرورة إعادة تقييم السياسات السياحية وربط مؤشرات النجاح ليس فقط بعدد الوافدين، بل بجودة المداخيل الاقتصادية أيضا.
♦السياحة بين العدد والمردودية
أفاد الخبير في الشأن السياحي، الزوبير بوحوث، أن تقييم أداء القطاع السياحي بالمغرب لا يمكن أن يستند إلى عدد الوافدين وحده، معتبرا أن المؤشر الحاسم يظل مرتبطا بقدرة السياحة على توليد مداخيل حقيقية بالعملة الصعبة، ومدى انعكاسها على الاقتصاد الوطني.
وأوضح بوحوث في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تصدر المغرب للواجهة الإفريقية من حيث عدد السياح خلال سنة 2025 لا يعكس بالضرورة قوة النموذج السياحي المعتمد، ما دام هذا التفوق العددي لا يواكبه تطور مماثل في حجم العائدات مقارنة بوجهات منافسة، وعلى رأسها مصر.
وأشار المتحدث إلى أن المغرب استقبل خلال سنة 2025 ما يقارب 19.8 مليون سائح، مقابل 19 مليون سائح لمصر، ما جعله يتصدر القارة الإفريقية من حيث عدد الوافدين.
وأبرز أن هذه الصدارة تخفي وراءها اختلالا واضحا في المردودية المالية، إذ لم تتجاوز المداخيل السياحية المغربية، وفق التقديرات، 124 مليار درهم إلى غاية نهاية نونبر، مع توقع بلوغها حوالي 135.85 مليار درهم عند إغلاق السنة، أي ما يعادل نحو 14.3 مليار دولار.
وفي المقابل، بيبن الخبير أن مصر سجلت مداخيل سياحية ناهزت 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، ما أفرز فجوة مالية تناهز 9.7 مليار دولار، أي ما يقارب 100 مليار درهم، لصالح القاهرة، رغم التقارب الكبير في عدد السياح بين البلدين.
واعتبر بوحوث أن هذا المعطى يكشف بوضوح أن الإشكال لا يكمن في القدرة على استقطاب الأعداد، بقدر ما يرتبط بضعف تحويل هذا التدفق السياحي إلى قيمة اقتصادية فعلية.
كما لفت إلى أن نسبة النمو المسجلة في عدد السياح بالمغرب لم تتجاوز 14 في المائة، مقابل 21 في المائة بالنسبة لمصر، ما يعكس، حسب تحليله، دينامية أسرع لدى الوجهة المصرية، سواء من حيث توسيع قاعدة الأسواق أو من حيث تحسين جاذبية العرض السياحي الموجه للسياح الدوليين.
♦مقارنة رقمية متصاعدة الفجوة
وفي قراءته للتطور الزمني للأرقام، أبرز الزوبير بوحوث أن المقارنة مع سنة 2024 تكشف بشكل أوضح مسار اتساع الفجوة بين المغرب ومصر، سواء على مستوى المداخيل أو على مستوى النجاعة الاقتصادية للنموذج السياحي.
وأوضح أن المغرب كان يتفوق خلال سنة 2024 على مصر بفارق 1.7 مليون سائح، حيث بلغ عدد الوافدين إلى المملكة 17.4 مليون، مقابل 15.7 مليون سائح فقط لمصر.
وأظهر أن هذا التفوق العددي لم يترجم إلى تفوق مالي، إذ حققت مصر خلال السنة نفسها مداخيل سياحية بلغت 15.3 مليار دولار، مقابل 12 مليار دولار فقط للمغرب، ما أفرز فجوة مالية في حدود 3.3 مليار دولار، معتبرا أن هذه الفجوة، التي كانت محدودة نسبيا سنة 2024، عرفت توسعا لافتا خلال سنة واحدة فقط، لتصل إلى ما يقارب ثلاثة أضعافها في 2025.
وأشار إلى أن تضاعف الفجوة من 3.3 مليار دولار إلى 9.7 مليار دولار لا يمكن تفسيره فقط بتغيرات ظرفية، بل يعكس اختيارات بنيوية مختلفة بين النموذجين، سواء من حيث طبيعة الأسواق المستهدفة، أو متوسط إنفاق السائح، أو مدة الإقامة، أو نوعية العرض السياحي المتاح.
وأبان بوحوث أن مصر نجحت في رفع نسبة نمو مداخيلها السياحية إلى حوالي 57 في المائة، مقابل نسبة لم تتجاوز، وفق التقديرات، 19 في المائة بالنسبة للمغرب، ما يعكس تفاوتا كبيرا في القدرة على تثمين المنتوج السياحي، مظهرا أن هذه الأرقام تؤكد أن الإشكال لا يتعلق بعدد السياح في حد ذاته، بل بمستوى إنفاقهم وبالقيمة التي يضيفها كل سائح للاقتصاد الوطني.
وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه التصاعدي للفجوة المالية ينذر بتحول المغرب إلى وجهة سياحية ذات طابع عددي أكثر منه اقتصادي، في حال لم يتم تدارك الاختلالات المرتبطة ببنية العرض، وجودة الخدمات، ونوعية السياحة المستقطبة.
♦مراجعة النموذج السياحي الوطني
وفي تشخيصه لأسباب هذا التفاوت، أقر الزوبير بوحوث بأن النموذج السياحي المغربي يحتاج إلى مراجعة عميقة، موضحا أن احتساب مغاربة العالم ضمن عدد الوافدين يساهم في رفع المؤشرات العددية، لكنه لا يعكس بالضرورة قوة المداخيل بالعملة الصعبة، مقارنة بالسياحة الدولية التقليدية، مبينا أن هذا المعطى يجب أخذه بعين الاعتبار عند تقييم أداء القطاع، حتى لا يتم الخلط بين التدفق البشري والعائد الاقتصادي.
وشدد الخبير على أن الاحتفاء بالأرقام القياسية في عدد السياح، دون ربطها بمؤشرات الإنفاق والمردودية، قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة لواقع القطاع، داعيا إلى اعتماد مقاربة تقييمية ترتكز على المؤشرات الحقيقية القادرة على قياس الأثر الاقتصادي للسياحة.
وحث بوحوث على ضرورة الانتقال من منطق الكم إلى منطق الجودة، من خلال تطوير عروض سياحية ذات قيمة مضافة أعلى، قادرة على استقطاب سياح ذوي قدرة إنفاق أكبر، وتعزيز مدة الإقامة، ورفع متوسط الصرف اليومي، ومؤكدا أن تحسين المردودية يمر أيضا عبر الرفع من جودة الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الربط الجوي، وتوسيع قاعدة الأسواق الدولية المستهدفة.
وخلص إلى أن المنافسة الإقليمية والدولية تفرض على المغرب إعادة النظر في اختياراته السياحية، ليس بهدف تقليص عدد الوافدين، ولكن من أجل تحقيق توازن أفضل بين العدد والمداخيل، وضمان مساهمة أقوى للقطاع السياحي في دعم الاقتصاد الوطني.
وأقر بوحوث بأن تجاوز منطق الاكتفاء بالمؤشرات العددية، والانفتاح على قراءة أعمق للمعطيات المالية، يشكل المدخل الأساسي لبناء سياحة مستدامة وقادرة على خلق قيمة اقتصادية وتنموية حقيقية، مؤكدا أن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق بعدد السياح الذين يدخلون البلاد، بل بما يضيفه كل سائح للاقتصاد الوطني من حيث العملة الصعبة والاستثمار وفرص الشغل.

