أثار تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، بشأن “توجه أغلب الأساتذة نحو تدريس أبنائهم في التعليم الخصوصي”، موجة من الجدل داخل الساحة التربوية، بعدما اعتبرته فعاليات نقابية وتربوية تصريحا مثيرا يحمل دلالات سلبية تمس المدرسة العمومية.
وتباينت ردود الفعل بشأن تصريح وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إذ رأى فيه بعض المتتبعين توصيفا لواقع يعكس تراجع الثقة في المدرسة العمومية، في حين اعتبره آخرون حكما متسرعا يسيء لنساء ورجال التعليم ويقوّض صورة المدرسة العمومية في الوعي الجماعي.
وهذا الجدل أعاد إلى الواجهة النقاش حول وضعية التعليم العمومي بالمغرب، وحول مدى قدرة الإصلاحات الجارية على استعادة ثقة الأسر في المدرسة الوطنية وتحسين جودة التعلم داخلها.
المغرب يتراجع في مؤشر العدالة العالمية… فهل بات إصلاح التعليم ضرورة استعجالية لا خيارا مؤجلا؟
♦تصريحات الوزير تثير الجدل
اعتبر عبد الإله دحمان، نائب الأمين العام للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، أن هذه التصريحات “غير مسؤولة ومجانبة للواقع”، وتشكل ـ حسب تعبيره ـ “تناقضا صارخا مع الخطاب الرسمي للحكومة التي تؤكد في كل مناسبة أنها حققت تقدمًا في ورش إصلاح التعليم العمومي”.
وأوضح دحمان في تصريح لجريدة “شفاف”، أن مضمون تصريح الوزير “يتضمن نوعا من الاستهتار والتبخيس للجهود الحكومية والنقابية التي انخرطت خلال السنوات الأخيرة في إصلاح المنظومة التربوية من خلال النظام الأساسي الجديد، وخارطة الطريق، ومدارس الريادة”، مضيفا أن ما صدر عن الوزير “يسيء للحكومة نفسها التي ينتمي إليها، ويقوّض ثقة المواطنين في المدرسة العمومية”.
الرفع من تعويضات الساعات الإضافية للأساتذة… تحفيز أم مواجهة سطحية لأزمة التعليم؟
وأشار المتحدث إلى أن “هذا النوع من الخطاب يعكس وجود تضارب داخل مكونات الحكومة، ويكشف غياب الانسجام في مواقفها تجاه قطاع يعتبر من أهم القطاعات الاستراتيجية في البلاد”.
♦ تصريح مجانبا للحقيقة والمنطق معا
أكد دحمان أن حديث الوزير عن توجه أغلب الأساتذة نحو التعليم الخصوصي “لا يستند إلى أي معطى علمي أو إحصائي دقيق”، مشددا على أن التعليم الخصوصي “لا يغطي سوى ما بين 7 و10 في المئة من التلاميذ على الصعيد الوطني”، في حين يشتغل داخل المنظومة العمومية “أكثر من 300 ألف أستاذة وأستاذ”، وهو ما يجعل من هذا الادعاء ـ على حد قوله ـ “مجانبا للحقيقة والمنطق معا”.
وأضاف أن “المدرسة العمومية رغم التحديات البنيوية التي تواجهها، لا تزال تفرز كفاءات وطنية مشهود لها، سواء في المباريات الوطنية أو في ولوج المعاهد والجامعات الدولية، وهو ما يؤكد أن جودة التعليم العمومي لا تختزل في مظاهر جزئية أو أحكام انطباعية”.
كما اعتبر أن “الوزير، قبل الإدلاء بمثل هذه التصريحات، كان من المفروض أن يعتمد على معطيات رسمية، ومؤشرات علمية موثوقة، بدل الانسياق وراء خطاب شعبوي لا يخدم المصلحة العامة”، مضيفا أن “التعامل مع قطاع التعليم يجب أن يكون بموضوعية ومسؤولية، لأنه لا يحتمل المزايدات السياسية أو الحسابات الظرفية”.
المرسوم التنظيمي وإشكالية التعليم الدامج… تعزيز الحقوق أم مجرد نص قانوني؟
وأشار إلى أن “المدرسة العمومية ليست في وضع مثالي، لكنها أيضا ليست كما صوّرها الوزير، بل تحتاج إلى دعم جاد وإصلاح ممنهج قائم على تقييم دقيق وشفاف، لا على أحكام عامة تفتقد الموضوعية”.
♦تصريح شارد ومضمون سياسي
في تعليقه على خلفيات الموقف، وصف دحمان تصريح الوزير بأنه “تصريح شارد وسياسوي، يعكس حسابات ضيقة داخل المشهد الحكومي أكثر مما يعبر عن قراءة مهنية للواقع التربوي”.
وأوضح أن “مثل هذه التصريحات تؤكد أن بعض أعضاء الحكومة يتعاملون مع قطاع التعليم بمنطق انتخابي لا بمنطق استراتيجي”، معتبرا أن “هذا الأسلوب يفرغ الإصلاح من مضمونه، ويحول النقاش حول المدرسة العمومية إلى مادة للصراع السياسي”.
وتابع أن “من المؤسف أن يصدر عن وزير في حكومة واحدة كلام يتناقض مع ما تصرح به مؤسساتها الأخرى حول إنجازاتها في التعليم”، مبرزا أن “ذلك يضعف الثقة في العمل الحكومي ويزرع الشك لدى الرأي العام حول جدية الإصلاحات التي يجري الترويج لها”.
أخنوش يزعم “طي” ملف التعاقد.. إدماج فعلي لأطر التعليم أم “مغالطات رسمية” لأزمة مستمرة؟
وذهب إلى أن “الرهان الحقيقي اليوم ليس في تبادل الاتهامات أو التشكيك في القطاع العمومي، بل في تعبئة جماعية لإصلاح المدرسة المغربية وفق رؤية موحدة ومتكاملة”، مضيفا أن “المدرسة العمومية أثبتت تاريخيًا قدرتها على تكوين أطر ناجحة ساهمت في بناء الدولة وتطوير الاقتصاد الوطني، ولا يمكن اختزالها في خطأ أو ضعف ظرفي”.
♦إصلاح التعليم واستعادة الثقة
وفيما يتعلق بسبل استعادة الثقة في المدرسة العمومية، أكد دحمان أن “المدخل الأساس للإصلاح هو احترام المرجعيات القانونية والمعتمدة، وفي مقدمتها “الرؤية الاستراتيجية 2015-2030” و”القانون الإطار للتربية والتكوين”، باعتبارهما الإطارين الملزمين لأي سياسة تعليمية وطنية”.
وأبان أن “المشكل القائم اليوم يكمن في تعدد البرامج والمخططات الموازية، من قبيل الخطة الاستعجالية وخارطة الطريق، مما خلق ارتباكا في التوجهات وأضعف التنسيق بين القطاعات، وجعل الإصلاح رهينًا بإرادات سياسية متغيرة بدل أن يكون مشروعًا وطنيًا متكاملًا”.
وشدد على أن “إصلاح التعليم لا يتحقق بالتصريحات أو بتبادل اللوم، بل بالعمل الميداني المبني على التقييم العلمي المستمر، وعلى إشراك الفاعلين الحقيقيين داخل المنظومة، من أساتذة ونقابات وخبراء”.
وتابع أن “ترسيخ الثقة في المدرسة العمومية يتطلب إرادة سياسية واضحة تفصل بين زمن الحكومة وزمن الإصلاح، وتقطع مع المزايدات التي أضرت بهذا الورش الوطني لعقود”.
وخلص دحمان إلى أن “التعليم العمومي سيظل ركيزة أساسية لبناء المجتمع المغربي، وأن أي تشكيك في جودته أو تبخيس لمجهودات العاملين فيه، هو في الواقع إضعاف للثقة في الدولة نفسها، لأن المدرسة العمومية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي فضاء لإنتاج المواطنة والعدالة الاجتماعية”.

