شهدت القارة الإفريقية خلال الأيام الأخيرة تطورًا لافتًا أعاد رسم ملامح التنافس الدولي داخلها، بعد إعلان الصين عن إطلاق مشروع ضخم لتحديث خط سكة حديد استراتيجي بقيمة 1.4 مليار دولار، في خطوة تعكس تصاعد رهانات بكين على “اقتصاد الممرات” واندماجها العميق في البنيات التحتية الإفريقية، حيث يأتي هذا التحرك في وقت يتسارع فيه انخراط القوى الكبرى في سباق محموم للسيطرة على مسارات التجارة والمعادن الحيوية المرتبطة بالانتقال الطاقي، ما يجعل القارة أكثر من أي وقت مضى محورًا لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية ونقاط العبور الحيوية داخل الاقتصاد الدولي.
وفي مقابل هذا التقدم الصيني، تعزز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مساعيهما عبر ممر لوبِيتو الأطلسي، في محاولة لتأمين حضور استراتيجي موازٍ لا يقل تأثيرًا عن المشروع الشرقي الذي تقوده بكين، وبين هذين المسارين المتنافسين يبرز المغرب كفاعل إقليمي أساسي، بفضل موقعه الجغرافي وشراكاته الإفريقية واستثماراته المتسارعة في البنية التحتية واللوجستيك، بما في ذلك الاستعدادات الضخمة لاحتضان كأس العالم 2030، ومع صعود هذه الدينامية، تطرح التطورات الجارية أسئلة ضمنية حول الكيفية التي يمكن للمملكة عبرها تعظيم مكاسبها، وما إذا كان الانخراط في أحد الممرين أو كليهما قد يشكل فرصة جديدة لترسيخ دورها كحلقة وصل رئيسية بين إفريقيا وباقي الشركاء الدوليين.
❖ طبيعة الممرين
يشير أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير، إلى أن التنافس بين الصين والولايات المتحدة – أوروبا داخل القارة الإفريقية لم يعد تنافسًا حول السكك الحديدية فقط، بل حول “أنابيب معادن” تمتد من قلب القارة نحو المحيطات.
وأبرز سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن مشروع تجديد خط “تازارا” (TAZARA) باستثمار صيني يفوق 1.4 مليار دولار عبر عقد امتياز لـ 30 سنة، لتجديد 1,860 كلم من السكة وشراء قاطرات وعربات جديدة، يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ يُعاد ربط “حزام النحاس” الزامبي بالمحيط الهندي في إطار سباق عالمي محموم على المعادن الحيوية.
انفتاح المغرب على الصناعة البحرية.. الإمكانيات المرصودة والمكاسب المرتقب تحقيقها
وأضاف أن ممر لوبِيتو الأطلسي بدوره يعكس الرؤية الأمريكية-الأوروبية لخلق مسار بديل للمعادن الإفريقية، حيث يُعاد تأهيل خط بنغيلا داخل الكونغو الديمقراطية وزامبيا وصولا لميناء لوبِيتو في أنغولا على الأطلسي (حوالي 1.300–1.700 كلم)، ضمن امتياز لـ 30 سنة لصالح ائتلاف شركات “Lobito Atlantic Railway” مدعوم بقرض أمريكي يفوق 500 مليون دولار.
وأوضح المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير، أن هذه الخطوات التي تأتي في إطار الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار (Partnership for Global Infrastructure and Investment) المعروفة اختصارًا بـ”PGII”؛ تبرز رغبة الغرب في تحجيم النفوذ الصيني في سلاسل الإمداد المتعلقة بالنحاس والكوبالت ومعادن الانتقال الطاقي.
وشدد على أن جوهر الممرين؛ مهما اختلفت هندستهما الجغرافية، يكمن في إعادة تشكيل طرق تدفق المعادن الاستراتيجية نحو الأسواق العالمية، لافتًا إلى أنه يطرح في هذا الجانب سؤال محوري حول كيفية تموقع المغرب داخل هذه الخرائط الجديدة، وكذا المكاسب التي قد يجنيها إذا أحسن قراءة هذا السباق الدولي المتسارع على بوابات إفريقيا المعدنية.
❖ مكاسب لوجستية
يؤكد أمين سامي أن المغرب رغم عدم اندماجه الجغرافي المباشر في أي من الممرين؛ قادر على التموقع كمحطة لوجستية محورية بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا، مشيرًا إلى أن موانئ طنجة المتوسط والدار البيضاء والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي تمتلك قدرات تؤهلها لالتقاط جزء مهم من حركة إعادة الشحن (Transshipment) عبر البحر، خاصة مع توسع منصات الحاويات ومحطات الطاقات.
وأبرز أن القيمة المضافة الحقيقية لا تكمن في العبور البحري فقط، بل في التحويل الصناعي (Downstream Industrialisation)، لافتًا إلى أن المغرب يطور منظومة صناعية متقدمة في مجالات السيارات والطاقات المتجددة والمعدات الكهربائية، مما يسمح باستيراد معادن نصف مصنعة من أحد الممرين وتحويلها في المغرب إلى منتجات ذات قيمة أعلى، ما يجعل المملكة جزءًا من سلسلة القيمة وليس مجرد نقطة عبور.
المغرب يعزز الاستثمارات في شبكة السكك الحديدية.. فما هي المكاسب التي سيجنيها الاقتصاد المغربي؟
واستطرد أن المغرب قادر أيضًا على لعب دور في التمويل والتأمين والخدمات المرتبطة بالممرات (Financial and Services Hub)؛ نظرًا إلى تطور الرباط والدار البيضاء كمراكز مالية وقانونية، والتحكيم في صفقات مرتبطة بالممرين، مستفيدًا في ذلك من خبرته في الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP).
ولفت المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير، إلى أن شركات مغربية مثل “مرسى ماروك” مرشحة للمشاركة في تشغيل أرصفة أو منصات لوجستية داخل منظومتي “تازارا” أو “لوبِيتو”، بما يقوي موقع المملكة كبديل لوجستي للموانئ الأوروبية التقليدية.
❖ قوة التفاوض
يشدد سامي على أن الاستثمارات الضخمة التي ينجزها المغرب من أجل تنظيم كأس العالم 2030 تمنحه قوة تفاوضية إضافية داخل مشهد الممرات الإفريقية، لافتًا إلى أن برنامج تطوير السكك الحديدية بقيمة 96 مليار درهم (حوالي 10.3 مليار دولار)؛ ضمنها خط قطار فائقة السرعة (LGV) جديد من القنيطرة إلى مراكش.
وأردف أن كل ما سبق ذكره؛ يضاف إلى اقتناء 168 قطارًا عبر حزمة بـ 29 مليار درهم من فرنسا وإسبانيا وكوريا الجنوبية، واستثمارات الملاعب والمطارات والبنية الرقمية، والسعي إلى الرفع من عدد المدن المخدومة إلى 43 مدينة والوصول إلى 87% من الساكنة في أفق 2040، ما يشكل بنية تحتية تضاهي الاقتصادات الصاعدة الكبرى.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأكد أن التكامل بين الموانئ الكبرى، مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي، وبين شبكة السكك والمطارات، يجعل المغرب منصة لوجستية مكتملة، لا مجرد بلد مستفيد من الممرات، موضحًا أن امتلاك المملكة لهذا النموذج المتكامل يحولها من “زبون” إلى “مزود منصة”، وهو ما يرفع من قدرتها على التفاوض مع الصين والولايات المتحدة وأوروبا.
وأشار إلى أن المشاريع الطاقية الكبرى، مثل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، وربط الكهرباء مع أوروبا وإفريقيا، ومحطات الغاز الطبيعي المسال؛ تمنح المغرب عمقًا إضافيًا في معادلة الممرات، معتبرًا أن هذا النموذج المتعدد المكونات يجعل المملكة قادرة على تقديم نفسها كشريك يوفر “منصة تشغيل جاهزة”، وليس بلدًا ينتظر إدماجه ضمن ممر جاهز.
❖ المبادرة الأطلسية
يرى سامي أن المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الوصول إلى المحيط تشكل رافعة جيواقتصادية من الطراز الأول، مؤكدًا أن مشاريع الموانئ الكبرى؛ خاصة الداخلة الأطلسي والناظور غرب المتوسط، تمنح هذه الدول بوابات جديدة للمرور نحو الاقتصاد العالمي، وهو ما يغير توازنات غرب إفريقيا بشكل عميق.
ولفت إلى أن المغرب يتقاطع اليوم مع ثلاث طبقات لوجستية رئيسية؛ الممرات شمال-جنوب نحو أوروبا، والممرات غرب-شرق نحو الخليج والهندي، وممرات الطاقة التي تشمل الغاز والهيدروجين والكهرباء، مؤكدًا أن هذا التقاطع يمنح المملكة قوة تفاوضية داخل منظومة سلاسل التوريد الإفريقية، ويضعها في قلب إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للقارة.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
وشدد على أن هذا الوضع يتيح للمغرب أن يتبنى نموذجًا ثالثًا لا ينحاز فيه لأي محور دولي، بل يعمل على هندسة “ممر مغربي-إفريقي” يدعو إليه الصين والغرب والخليج كشركاء ضمن رؤية إفريقية مستقلة، مبرزًا أن هذا السيناريو، هو ما يمنح المغرب قدرة على التحكم في علاقات الممرات المتعددة دون الوقوع في الاصطفاف.
❖ السيناريو الأنسب
يؤكد أمين سامي أن السيناريو الأنسب للمغرب هو اختيار استراتيجية “المحور الثالث” أو ما يسميه “التحوط عبر الممرات”؛ القائم على بناء ممره الخاص وعدم الارتهان لممرات الآخرين، مشددًا على أن المغرب أصبح اليوم مؤهلاً لعرض ممره الأطلسي كمنتج مستقل، يجمع بين الموانئ والسكك والطاقة والمطارات في منظومة واحدة قابلة للشراكة مع كل القوى الدولية.
ولفت إلى أن هذا التموقع يتيح للمغرب التحول إلى “وسيط توازن” بين إفريقيا والصين والغرب، ويسمح له بالاستفادة من كل الأطراف دون الخضوع لمعادلة صفرية، مبرزًا أن المملكة تمتلك من الأدوات ما يكفي لتكون فاعلاً يصنع القواعد بدل انتظارها؛ سواءً على مستوى اللوجستيك أو الصناعات أو الطاقة أو الخدمات المالية.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
ونبه إلى أن نجاح المغرب في إدارة علاقات “تعدد الممرات” يعتمد على بناء سياسات مرنة وواقعية، تستوعب تغير موازين القوى الدولية، وتضع مصلحة البلاد في صدارة الخيارات، مشددًا على أن المملكة قادرة على تحويل كل ممر إلى فرصة، وكل تنافس دولي إلى مكسب اقتصادي وسيادي؛ شريطة استمرار الاستثمار في الموقع والبنية والقدرة على هندسة المستقبل.

