دخلت العلاقات الجزائرية الفرنسية مرحلة جديدة من التصعيد الحاد، عقب توجيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعليماته للحكومة بضرورة التعامل بـ”مزيد من الحزم والتصميم” تجاه الجزائر، في تطور لافت يعكس عمق التباينات السياسية والدبلوماسية بين البلدين، وضمن هذا المسار المتوتر، بادرت باريس إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة شملت تعليق اتفاقية 2013 الخاصة بالإعفاءات القنصلية، وتفعيل مقتضيات قانون الهجرة الجديد في وجه الجزائريين، فضلاً عن التلويح بإعادة النظر في ملفات التعاون الثنائي الحساسة، وذلك على خلفية قضايا تتعلق بحرية التعبير والهجرة والممارسات الدبلوماسية.
وفي مقابل هذا التوتر المتصاعد، تشهد العلاقات بين الرباط وباريس تحولات نوعية تعزز من موقع المغرب كشريك استراتيجي مفضل في شمال إفريقيا، لاسيما بعد اعتراف فرنسا الرسمي بمغربية الصحراء ودعمها لخيار الحكم الذاتي، إذ إن هذا التحول يطرح تساؤلات ضمنية حول مآلات إعادة توزيع النفوذ الفرنسي بالمنطقة، ومدى قدرة الرباط على استثمار هذا الزخم الجديد في سياق إقليمي شديد التعقيد.
ماكرون يوجه حكومته باتخاذ موقف “أكثر حزمًا وتصميمًا” تجاه الجزائر
❖ إرث التوتر
يرى محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض في مراكش، ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن أي باحث في العلاقات الفرنسية الجزائرية سرعان ما يصطدم بمعطى ثابت، وهو أن هذه العلاقات ظلت متشنجة منذ عقود طويلة، ولم تخرج عن هذا النمط حتى بعد تغير الظروف السياسية.
في تصريح لجريدة “شفاف”، يُرجع نشطاوي ذلك إلى طبيعة تفكير النظام العسكري الجزائري، الذي صاغ عقيدته على أساس السيطرة المطلقة على مقاليد الحكم، وهو ما انعكس على تعامله مع فرنسا منذ الاستقلال.
وأردف أن النظام الجزائري دأب على استثمار ملفات الميراث الاستعماري؛ مثل قضية الجماجم، والمطالبة بالاعتذار، وملفات الشهداء، والاستغلال الاقتصادي؛ لتأجيج المشاعر الوطنية وإبقاء الرأي العام الداخلي مشغولاً بماضي الاستعمار بدلاً من التركيز على قضايا التنمية والحقوق.
Dans une lettre adressée à François Bayrou que nous dévoilons, l’exécutif constate les «difficultés croissantes» avec le régime d’Alger et charge le gouvernement de «prendre des décisions supplémentaires». →https://t.co/ie54tb3JYq pic.twitter.com/recs3OYbwn
— Le Figaro (@Le_Figaro) August 6, 2025
وأبرز أن المفارقة تكمن في كون قيادات الجزائر وجنرالاتها يتمتعون بإقامات ووثائق سفر خاصة تتيح لهم دخول فرنسا دون قيود؛ في وقت يواجه فيه المواطن الجزائري صعوبات شديدة للحصول على التأشيرة.
ولفت إلى أن هذا التناقض بين الخطاب المعادي لفرنسا والمصالح الفعلية للنخب الحاكمة؛ يعكس طبيعة “الشراكة” الجزائرية الفرنسية التي يصعب وصفها بأنها متوازنة، إذ لم تنجح في التخلص من إرثها الاستعماري أو الارتقاء إلى مستوى التعاون الاستراتيجي الفعلي.
❖ رهان ماكرون الفاشل
يشير نشطاوي إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاول منذ توليه الحكم؛ المراهنة على النظام الجزائري كحليف أساسي في المنطقة، معتمدًا على نقطتين أساسيتين؛ ألا وهما الموارد الطاقية التي تزخر بها الجزائر، والجالية الجزائرية الكبيرة المقيمة في فرنسا، والتي يمكن أن تكون ورقة انتخابية، لكن هذه المراهنة فشلت.
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن النظام الجزائري يضع نصب عينيه هدفًا ثابتًا يتمثل في ضمان استمرار سيطرته على الحكم، مع الحفاظ على صورة “حامي الثورة والإرث الوطني” في مواجهة فرنسا المستعمِرة السابقة.
وشدد رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، على أن هذه المعادلة تفرض على الجزائر افتعال الأزمات مع باريس بين الحين والآخر، ما يعيد العلاقات إلى نقطة التوتر مجددًا.
ولفت إلى أن هذا الوضع أدى مؤخرًا إلى قرارات فرنسية عقابية، أبرزها تعليق الإعفاء من التأشيرة لحاملي الجوازات الدبلوماسية الجزائرية، وتفعيل بنود قانون الهجرة الجديد.
وتابع أنه ردت الجزائر بإلغاء بعض الامتيازات التي كانت تتمتع بها السفارة والقنصليات الفرنسية، في خطوة تعكس سياسة “الند بالند”؛ لكنها، في الواقع تحمي مصالح النخب ولا تعود بفائدة مباشرة على الشعب.
#بيان وزارة الشؤون الخارجية ???????? pic.twitter.com/GsltRGziQi
— وزارة الشؤون الخارجية| MFA-Algeria (@Algeria_MFA) August 7, 2025
❖ تحول فرنسي نحو الرباط
يؤكد نشطاوي أن فشل مراهنة ماكرون على الجزائر فتح الباب أمام عودة قوية للعلاقات المغربية الفرنسية؛ خاصة بعد اعتراف باريس الصريح في يوليوز 2024 بمغربية الصحراء ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي.
وأبرز رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن هذا الموقف كان من المطالب الجوهرية للمغرب في أي عملية تطبيع شاملة مع فرنسا، وهو ما تحقق وأعاد الثقة بين الجانبين.
واستطرد أنه اليوم، يشهد التعاون بين الرباط وباريس نموًا واضحًا في مختلف المجالات، من تسهيل إجراءات التأشيرات، إلى تعزيز المبادلات التجارية، مرورًا بفتح آفاق استثمارية في الأقاليم الجنوبية.
الرباط تعزز محور الساحل الإفريقي.. استمرارية استراتيجية أم تحوّل إقليمي؟
ولفت إلى أن ذلك يتجلى في رغبة فرنسا في إنشاء قنصلية في الداخلة أو العيون، وافتتاح مركز ثقافي فرنسي في الجنوب المغربي، إلى جانب انخراط الشركات الفرنسية في مشاريع تنموية هناك.
وأضاف أن فرنسا باتت تدرك أن أي علاقة ناجحة مع المغرب لا يمكن أن تتجاهل قضية الصحراء، وهو ما جعل علاقاتها مع الرباط تسلك مسارًا أكثر استقرارًا وتوازنًا مقارنة بالعلاقات المضطربة مع الجزائر.
❖ شراكة استراتيجية جديدة
يرى نشطاوي أن التطورات الأخيرة في الساحل والصحراء؛ خصوصًا طرد فرنسا من عدة دول هناك، جعلت باريس تبحث عن شريك إقليمي موثوق لإعادة تموقعها في المنطقة، فوجدت في المغرب الخيار الأنسب.
وأوضح أن الأقاليم الجنوبية للمملكة، بفضل المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب، أصبحت منصة لوجستية متقدمة للتواصل مع بلدان الساحل، خصوصًا في إطار المبادرات الملكية مثل منح دول الساحل منفذًا عبر الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، ومبادرة الدول الإفريقية الأطلسية.
المبادرة الأطلسية.. ما هي الأهداف والمكاسب وما سر غياب موريتانيا والسنغال عن اجتماع مراكش؟
وأكد أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن هذه المشاريع تمثل بالنسبة لفرنسا، فرصة لتعويض نفوذها المفقود، وفي الوقت نفسه تقوي موقع المغرب كشريك لا غنى عنه في القارة.
وأشار إلى أن هذه الشراكة المغربية الفرنسية – الإفريقية يمكن أن تعيد صياغة موازين القوى الإقليمية، حيث ستجد الجزائر نفسها خارج معادلة النفوذ المباشر، ما سيدفعها إلى البحث عن تحالفات بديلة مع دول مثل ليبيا وتونس، أو من خلال تكتلات إقليمية كـ”مجموعة الأربع” (الجزائر، وجنوب إفريقيا، ونيجيريا، وإثيوبيا)، في محاولة لكسب موطئ قدم وسط التحولات الجيوستراتيجية العميقة في إفريقيا.
❖ موقع الجزائر المهدد
يلفت نشطاوي إلى أن استبعاد الجزائر من الشراكات الكبرى بين المغرب وفرنسا يضعها أمام واقع دبلوماسي صعب، فبينما تعزز الرباط حضورها في العمق الإفريقي بالتنسيق مع باريس، تجد الجزائر نفسها محصورة في خيارات أقل تأثيرًا، وتحالفات قد لا تملك الوزن الكافي لمنافسة المشاريع المغربية المدعومة فرنسيًا ودوليًا.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي، أن هذه الوضعية تكشف عن إخفاقات السياسة الخارجية الجزائرية، التي انشغلت بصراعات تاريخية وشعارات أيديولوجية على حساب بناء تحالفات اقتصادية وتنموية قوية.
وتابع رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أنه مع استمرار باريس في تضييق الخناق الدبلوماسي، تبدو قدرة الجزائر على تعديل مسارها أو استعادة نفوذها موضع شك.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تعميق الفجوة بين باريس والجزائر العاصمة، مع بروز المغرب كجسر أساسي لفرنسا نحو إفريقيا، مقابل تراجع الدور الجزائري في معادلة الأمن والتنمية الإقليمية.

