في خطوة تعكس إصرار المغرب على المضي قدمًا في مواجهة تحديات الندرة المائية، أعلنت وزارة التجهيز والماء عن إطلاق حزمة مشاريع استراتيجية، تشمل بناء سدود جديدة، وتوسيع الربط المائي بين الأحواض، إلى جانب تسريع وتيرة تحلية مياه البحر، خاصة بجهة الدار البيضاء – سطات، حيث تشمل هذه المشاريع 16 سدًا في طور الإنجاز؛ و28 محطة لتحلية المياه، منها 17 دخلت حيز الخدمة، في سياق استباقي لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية، وتلبية الحاجيات المتزايدة للسكان والقطاعات الاقتصادية الحيوية، وعلى رأسها الفلاحة والصناعة الحضرية.
ورغم التحسن النسبي في منسوب المياه بفضل التساقطات الأخيرة، يطرح توسع هذه المشاريع على نحو متزامن تساؤلات ضمنية حول مدى نجاعتها الفعلية في ضمان الأمن المائي على المديين المتوسط والبعيد، وكذا حول قدرة التقنيات المعتمدة، مثل التناضح العكسي، على تعويض مصادر الماء التقليدية، دون التأثير على التوازنات البيئية، كما يثير تقارب هذه المشاريع من حيث المجال والوظيفة احتمال تداخل أدوارها أو تعارضها في بعض المناطق، ما يطرح علامات استفهام حول التنسيق المؤسساتي والاختيارات التقنية الكبرى المعتمدة في رسم ملامح السياسة المائية الوطنية خلال المرحلة المقبلة.
رغم الجفاف الحاد.. المغرب يؤمّن حاجياته من الماء بتحلية البحر وربط الأحواض
♦ عوامل متشابكة
يرى المصطفى العيسات، الخبير في شؤون الماء والمناخ، ومدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أن مشاريع بناء السدود الجديدة وتسريع وتيرة محطات تحلية مياه البحر في المغرب ليست إجراءات ظرفية، بل ترتبط بجملة من العوامل الطبيعية والبشرية والاقتصادية التي فرضت على المملكة التكيف مع واقع مائي متغير ومعقد.
وقال العيسات في تصريح لجريدة “شفاف”، إن التحولات المناخية العنيفة التي شهدها المغرب خلال السنوات الماضية أفضت إلى تراجع مقلق في منسوب المياه السطحية والجوفية، ما أدى إلى حالة إجهاد مائي أثرت بشكل مباشر على الفلاحة وتربية المواشي، بل وامتدت لتشمل تزويد السكان بالماء الصالح للشرب في مناطق عديدة.
وأضاف أن السياق الحالي يفرض إعادة النظر في الاستراتيجيات السابقة لتعبئة الموارد المائية، لصالح مقاربات تعتمد على تنويع مصادر الماء وتقنيات حديثة، مثل تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية.
وأردف الخبير في شؤون الماء والمناخ، أن النمو الديمغرافي المتسارع وارتفاع عدد الزوار والسياح يزيد من الضغط على الموارد المحدودة، ما يعزز من أهمية هذه المقاربات متعددة المصادر لتغطية الطلب المتزايد.
وأوضح أنه بالنظر إلى هذه التحديات، فإن اللجوء إلى الحلول التكميلية من قبيل التحلية وربط الأحواض، يعد خيارًا ضروريًا وليس ترفًا تقنيًا، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي لم تعد استثناءً بل أصبحت قاعدة جديدة تستوجب يقظة دائمة وتخطيطًا استباقيًا طويل الأمد.
♦ أرقام طموحة
وفق العيسات، فإن المغرب يسعى في أفق سنة 2027، إلى تعبئة ما يفوق مليار و200 مليون متر مكعب من المياه عبر أكثر من 18 محطة لتحلية مياه البحر، لتلبية حاجيات الشرب والفلاحة والصناعة في مناطق ذات كثافة سكانية واستهلاك عالٍ، مثل الدار البيضاء-سطات والرباط والجديدة وطنجة والناظور والداخلة وآسفي.
وأبرز الخبير في شؤون الماء والمناخ، أن هذه الأرقام تعد جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة لتقليص العجز المائي في فترات الجفاف، وتحقيق نوع من التوازن المستدام بين العرض والطلب.
ولفت إلى أن من بين أهداف هذه المشاريع تخفيف الضغط عن الموارد المائية التقليدية، وخاصة السدود التي تعاني من انخفاض احتياطيها في سنوات الجفاف.
بركة يبرئ مخطط المغرب الأخضر من تهمة “ندرة المياه”.. فأين الحقيقة؟
وزاد قائلاً إنه في هذا الإطار، تبرز محطات التحلية كصمام أمان للمدن الساحلية المكتظة بالسكان، التي لا يمكنها الاعتماد فقط على السدود أو المياه الجوفية.
وأكد أن هذه الأرقام تعكس طموحًا حقيقيًا لتعزيز الأمن المائي الوطني، مع الحفاظ على استمرارية النشاط الفلاحي، الذي تراجع بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى انخفاض إنتاج الحبوب والزيتون والقطاني، بل وساهم في أزمة القطيع الوطني، الأمر الذي انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
♦ رؤية ملكية مهيكلة
يربط العيسات التقدم المسجل في المشاريع المائية الجديدة بالرؤية الملكية التي رسمها الملك محمد السادس، خاصة من خلال الخطاب السامي بمناسبة عيد العرش، والذي اعتُبر بمثابة خارطة طريق للسياسة المائية للفترة 2024-2027.
وتابع أن الخطاب الملكي أكد على ضرورة تسريع وتيرة بناء السدود الجديدة، مع التركيز على المناطق ذات التساقطات المرتفعة، كما دعا إلى تسريع أشغال الربط بين الأحواض المائية، لتحقيق عدالة مجالية في توزيع الماء.
إشكالية الماء والقضية الفلسطينية في قلب خطاب العرش.. قراءة في الدلالات
وشدد الخبير في شؤون الماء والمناخ، على أنه تكمن أهمية هذه الرؤية في إدماج مختلف مستويات التدخل، من التحلية إلى الربط إلى معالجة المياه العادمة، في إطار شمولي ومندمج.
وذكر أن أبرز مثال على ما سبق، هو مشروع الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق بطاقة سنوية تصل إلى 350 مليون متر مكعب، وكذا الربط المرتقب بين وادي خروفة (العرائش) وحوض طنجة، في انتظار الوصول إلى أحواض أم الربيع وتانسيفت.
كما يشير الخبير إلى أن هذه المشاريع تمول في إطار ميزانية ضخمة تبلغ 144 مليار درهم، مما يعكس حجم الرهان السياسي والمؤسساتي على هذه الاستراتيجية لتدبير مورد حيوي يزداد شحّه يومًا بعد آخر.
♦ مخاطر بيئية مقلقة
رغم المكاسب المتوقعة من توسيع محطات التحلية، لا يتردد العيسات في التحذير من التحديات البيئية المرتبطة بهذه التقنية، وخاصة تلك التي تعتمد على النظام أحادي الكتلة أو التناضح العكسي.
ونبه إلى أن أولى هذه التحديات تتمثل في سحب كميات كبيرة من مياه البحر، ما يؤدي إلى مقتل أعداد ضخمة من الكائنات الدقيقة، مثل البيض ويرقات الأسماك، بسبب درجات الحرارة المرتفعة عند المدخل والمخرج.
أما فيما يتعلق بتقنية التناضح العكسي، فيكمن الخطر وفق الخبير في طرد المياه المالحة المركزة المعروفة بـ”البرين” (Brine)، التي تحتوي على مستويات عالية من الأملاح والمعادن، ما يؤدي إلى ترسبها في قاع البحر، مهددة بتدمير موائل الكائنات البحرية الحساسة، مع احتمال احتوائها على بقايا كيميائية مثل الكلور ومضادات التكلس.
بمناسبة اليوم العالمي للماء.. كيف يمكن للمغرب أن يواجه تحديات الإجهاد المائي المتزايد؟
وأشار إلى أن استهلاك الطاقة يظل أحد التحديات الكبرى لمحطات التحلية، إذ تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء، وفي بعض الأنظمة أحادية الكتلة، يتم تسخين الماء باستخدام البخار أو الوقود الأحفوري، ما يزيد من انبعاثات غازات الدفيئة.
وذكر مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، أنه تبقى الآثار بعيدة المدى لهذه الانبعاثات محل قلق بيئي متزايد، خاصة فيما يتعلق بجودة مياه البحر وتركيبتها الكيميائية، ونسب الأوكسجين المذاب فيها.
♦ مستقبل تحت الضغط
يلفت العيسات إلى أن المغرب، رغم كل هذه المشاريع الطموحة، لا يزال يواجه مستقبلًا مائيًا شديد التعقيد، بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة مياه البحر، وهو ما ينعكس سلبًا على كفاءة التحلية من جهة، وعلى تزايد نمو الطحالب الضارة التي تعيق عمليات التصفية من جهة أخرى.
حرارة الصيف المفرطة بين تبخّر السدود وحرائق الغطاء النباتي.. فأيّ خطّ دفاع للمغرب؟
وأضاف أن السياسات العمومية يجب ألا تكتفي بالاستثمار في البنية التحتية، بل يجب أن تواكبها برامج تواصلية وتربوية لترسيخ ثقافة ترشيد الماء لدى المواطن، وتطوير البحث العلمي المرتبط بتقنيات التحلية منخفضة التكلفة والضرر البيئي.
وشدد مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والتكوينات “سنيفكو”، على أن التحدي المائي ليس فقط تكنولوجيًا، بل هو رهان مجتمعي واقتصادي وسياسي، يستدعي تعبئة وطنية شاملة.

