شهد مقر جماعة الدار البيضاء، أول أمس الجمعة، وقفة احتجاجية صامتة لمجموعة من المسرحيين، تزامنا مع انعقاد الدورة العادية لمجلس المدينة، التي ترأستها نبيلة الرميلي، حيث اختار فنانون من أبناء العاصمة الاقتصادية التعبير عن مطالبهم المهنية من داخل فضاء المؤسسة المنتخبة، في خطوة رمزية تهدف إلى لفت انتباه المسؤولين إلى الإكراهات التي يواجهها القطاع المسرحي محليا.
وهذا التحرك، بحسب المشاركين، جاء للتنبيه إلى ما يعتبرونه تدهورا في أوضاع البنيات التحتية الثقافية، واستمرار معاناة الفرق المسرحية من قلة فرص الشغل وضعف الاستفادة من الدعم العمومي، إلى جانب محدودية احتضان المدينة لطاقاتها الفنية، مؤكدين أن احتجاجهم اتخذ طابعا سلميا وحضاريا، ويطمح إلى فتح قنوات حوار جاد مع الجهات المعنية من أجل بحث سبل إعادة الاعتبار للمسرح البيضاوي وتحسين شروط اشتغال مهنييه.

♦سياق احتجاج ومشروعية
يؤكد حسن عين الحياة أحد قياديي تنسيقية المسرحيين البيضاويين، أن الوقفة الاحتجاجية التي نظمها مسرحيو الدار البيضاء داخل دورة مجلس الجماعة أول أمس الجمعة (13 فبراير الجاري)، ليست فعلا معزولا ولا لحظة انفعالية ظرفية، بل تعبير تراكمي عن أزمة عميقة يعيشها المسرح البيضاوي منذ سنوات، في ظل غياب التشغيل، وتدهور البنية التحتية، واستمرار تجاهل مطالب مهنيي القطاع رغم المراسلات المتكررة والنداءات المتواصلة.
ويوضح حسن عين الحياة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تنسيقية المسرحيين البيضاويين دعت إلى تنظيم الوقفة الثانية أمس الجمعة، استكمالا لوقفة سابقة جرى تنظيمها يوم الخميس 5 فبراير الجاري، وذلك داخل الدورة العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء، في إطار برنامج نضالي اختار منذ البداية أن يكون حضاريا وسلميا وفنيا في آن واحد.
ويبرز المتحدث أن هذه التنسيقية تضم مكونات مهنية وتمثيلية وازنة، من بينها الفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة، وفرع النقابة المغربية لمهنيي الفنون الدرامية بالدار البيضاء، ونقابة المسرحيين المغاربة وشغيلة السينما والتلفزيون، إضافة إلى 45 فرقة مسرحية محترفة بالدارالبيضاء، وهو ما يجعلها إطارا جامعا يمثل الفنانين المسرحيين البيضاويين بمختلف توجهاتهم.
ويشير إلى أن الوقفة عرفت مشاركة مكثفة لرؤساء الفرق المسرحية أو من ينوب عنهم، حيث حضرت على الأقل، ولأسباب تنظيمية وحتى لا تعرقل أشغال الدورة، 20 فرقة مسرحية، يمثل كل منها عددا من الفنانين والتقنيين، وهو ما يعكس حجم الاحتقان داخل الوسط المسرحي، ويؤكد أن المطالب المطروحة ليست فردية أو معزولة، بل تحظى بإجماع واسع.

ويشدد عين الحياة أن التنسيقية راسلت منذ دجنبر 2024 عددا من رؤساء المجالس المنتخبة والجهات المعنية، مطالبة بفتح حوار جدي حول وضع المسرح بالدار البيضاء، غير أنها لم تتلق أي رد رسمي، معتبرا أن هذا التجاهل كان من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت إلى الانتقال نحو الاحتجاج الميداني.
ويستثني المتحدث والي جهة الدار البيضاء-سطات، الذي يقول إنه استقبل ممثلي التنسيقية واستمع إليهم بإمعان في لقاء رسمي، حضرته مديرة مديرية وزارة الشباب والثقافة والتواصل بجهة الدار البيضاء- سطات ومدير “كازا إيفنت”، وأبدى تفهما للمطالب، وأعطى توجيهات لتشكيل لجنة ولائية تضم ممثلين عن الولاية، والمديرية الجهوية لوزارة الثقافة وشركة كازا إيفنت، إضافة إلى ممثلين للتنسيقية، بهدف القيام بزيارات ميدانية للمسارح وفضاءات العرض في الدارالبيضاء وتشخيص وضعيتها وأعطابها في أفق إصلاحها وتزويدها بالتجهيزات اللازمة، فضلا عن وضع التنسيقية بين يدي الوالي، وبطلب منه برنامجا فنيا استعجاليا يمتد من يونيو الى دجنبر 2025 لتشغيل الفرق المسرحية المحترفة في المدينة.
ويعتبر حسن عين الحياة أن هذا التفاعل الإيجابي، رغم أهميته، يظل غير كاف ما لم يواكبه تجاوب فعلي من طرف المجالس المنتخبة التي تملك صلاحيات مباشرة في تدبير الشأن الثقافي المحلي.
♦اختلالات البنية والتدبير
يسلط حسن عين الحياة الضوء على مفارقة صادمة تتعلق بعدد المسارح والفضاءات القابلة نظريا لاحتضان العروض في الدار البيضاء، إذ يؤكد أن المدينة تتوفر على ما يقارب 98 فضاء بين مسارح ومركبات ثقافية وقاعات عرض، غير أن حوالي 18 فقط منها تشتغل، وهي بدورها تعاني من أعطاب تقنية ونقص في التجهيزات الأساسية.
ويكشف أن هذا الوضع يفرغ أي حديث عن تنشيط ثقافي في المدينة من محتواه، لأن الفرق المسرحية، ورغم قلة العروض، لا تجد فضاءات صالحة لعرض أعمالها.
ويلفت إلى أن عددا من المسارح بالدار البيضاء تستقبل عروضا قادمة من مدن أخرى، غالبا ما تكون مدعمة من وزارة الثقافة، في حين تجد الفرق البيضاوية نفسها عاجزة عن عرض إنتاجاتها داخل مدينتها بسبب غياب ميزانيات محلية مخصصة لاقتناء العروض، وأيضا لكونها لم تعد تنل دعم الوزارة كما في السابق، وهذا مشكل آخر.
ويبين عين الحياة أن إنتاج عرض مسرحي يتطلب تكاليف كبيرة تشمل أجور المخرج والمؤلف والسينوغراف والممثلين والتقنيين، إضافة إلى النقل والديكور والتجهيزات، وهو ما يجعل الفرق غير قادرة على المغامرة دون ضمان حد أدنى من التشغيل.

♦التشغيل وحق الفرجة
يشدد حسن عين الحياة على أن المطلب الجوهري للتنسيقية يتمثل في التشغيل المستدام للفرق المسرحية المحترفة، وليس الاكتفاء بمنحها عروضا متفرقة أو فرصا ظرفية.
ويؤكد أن الفنان المسرحي يحتاج إلى استقرار مهني يسمح له بالتفرغ للإبداع وتطوير تجربته، وأن التشغيل ينبغي أن يكون بعيد المدى ومبنيا على سياسة واضحة لاقتناء العروض ضمن الميزانيات المخصصة للثقافة.
ويربط المتحدث هذا المطلب بحق دستوري يتمثل في الحق في الشغل، وبحق مجتمعي يتمثل في حق المواطن في الفرجة، معتبرا أن حرمان الجمهور البيضاوي من المسرح هو حرمان من إحدى أدوات التربية والتهذيب وبناء الوعي.
ويستحضر تجربته الشخصية في كون أن المسرح كان له دور أساسي في تكوينه الإنساني والفكري، وأنه ساهم في توجيه مساره وتفتحه على عديد الألوان الفنية والابداعية، بل وساهم حتى في تطور تجربته الصحفية والإعلامية التي تناهز 24 سنة من العمل المستمر . وهو ما يجعله مقتنعا بأن الاستثمار في المسرح هو استثمار في الإنسان قبل البنيان.
ويبرز حسن عين الحياة أن الوقفة الاحتجاجية اختارت أسلوبا فنيا صامتا، حيث رفع الفنانون لافتات تحمل مطالبهم دون إلقاء خطب أو تعطيل أشغال الدورة، وهو ما لقي تفاعلا إيجابيا من عدد من المستشارين الذين صفقوا لهم، معتبرا ذلك درسا في فن الاحتجاج الحضاري.

وأفاد أن التنسيقية لا تبحث عن صدام مع أشخاص أو مؤسسات بعينها، بل تسعى إلى تصحيح مسار منظومة همشت الفعل المسرحي في مدينة كانت تاريخيا من أبرز حواضن الفن بالمغرب.
ويذهب حسن إلى أن المسرحيين البيضاويين سيواصلون نضالهم السلمي إلى حين تحقيق مطلبين أساسيين يتمثلان في تشغيل الفرق المسرحية المحترفة بشكل مستدام، وإصلاح وتأهيل المسارح والمركبات الثقافية، باعتبارهما المدخل الحقيقي لإنقاذ المسرح من الاحتضار وإعادة الاعتبار للفنان وللثقافة بالدارالبيضاء.

