كشف موقع إخباري أمريكي أن موريتانيا تستعد لإعادة فتح صفحة دبلوماسية جديدة مع إسرائيل، عبر استئناف علاقاتها الرسمية خلال الاجتماع الذي عقد أمس الأربعاء في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووفقا لمصدر مطلع نقل عنه موقع “سيمافور”، “فإن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني سيعقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش قمة أمريكية إفريقية مصغرة تضم إلى جانبهما أربع دول من غرب إفريقيا، هي الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، والسنغال.”
وتأتي هذه الخطوة بعد أكثر من عشر سنوات من القطيعة، إذ كانت موريتانيا قد قطعت علاقاتها مع إسرائيل في 2010، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي خلال حرب غزة الأولى، رغم أنها كانت من بين الدول العربية القليلة التي أقامت علاقات رسمية مع تل أبيب.
تثير هذه التطورات جدلا واسعا حول موقف الجزائر، التي قدمت نفسها كـ”قلعة مقاومة التطبيع” في المنطقة، حيث اتهمت المغرب بمحاولة فرض التطبيع عليها وقطعت العلاقات معه، مبررة ذلك بعدة أسباب من بينها “العلاقات العلنية للمغرب مع الكيان الصهيوني” و”التحالفات العسكرية المشبوهة”، وفقاً لما ورد في بيان وزارة خارجيتها آنذاك.
وعليه، هل ستتمسك الجزائر بمنطقها المعلن وتقرر قطع العلاقات مع نواكشوط كما فعلت مع الرباط؟ أم أن حسابات الجغرافيا والسياسة والمصالح ستجعلها تغض الطرف بصمت حذر هذه المرة، في تكرار جديد لمنهج الازدواجية في المبادئ والمواقف؟
♦استقلالية القرار الموريتاني
شدد عباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، على أن التوجه الدبلوماسي الموريتاني يؤكد بشكل واضح استقلالية القرار السيادي لنواكشوط، سواء فيما يتعلق بتحالفاتها الخارجية أو خياراتها الاستراتيجية، مشيرا إلى أن موريتانيا لم تعد تخضع لأي إملاءات، سواء من الجزائر أو غيرها، في قراراتها الثنائية أو متعددة الأطراف.
واعتبر أستاذ التعليم العالي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التطبيع مع إسرائيل أو أي شريك دولي آخر هو شأن داخلي صرف، لا يحق للجزائر أو لأي دولة أخرى التدخل فيه، موضحا أن التوجه الموريتاني يقوم على مبدأ السيادة الكاملة في رسم العلاقات والتحالفات، بما يخدم المصلحة الوطنية دون أي اصطفاف أو تبعية لمحاور إقليمية.
مقتل ضباط جزائريين بطهران.. هل أصبح النظام الجزائري ذراعاً ميدانية لإيران في الشرق الأوسط؟
وأوضح المتحدث أن الجزائر تسعى إلى تسويق علاقاتها مع موريتانيا على أساس أنها متحكمة في توجهاتها، بينما تؤكد الوقائع أن نواكشوط ما فتئت تكرر حيادها الإيجابي في القضايا الحساسة، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، حيث تحرص على الحفاظ على مسافة متوازنة بين الأطراف، دون الانخراط في أجندات تصعيدية.
وأكد الوردي أن المملكة المغربية تتعامل مع الموقف الموريتاني باحترام كامل، معتبرا أن الحياد الإيجابي الذي تتبناه نواكشوط لا يعطل مسارات التنسيق ولا يحول دون تعميق الحوار حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بل يفتح المجال لنقاش بناء بشأن عدد من الإشكالات العالقة، خصوصا ما يتعلق بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
♦تحولات في الموقف الإقليمي
وانتقد الوردي فقدان الجزائر للثقة الإقليمية والدولية، مشيرا إلى أن البنية الإقليمية والقارية والدولية لم تعد تثق في النظام الجزائري، نتيجة اعتماده المزمن على أسلوب شراء الذمم، وهو أسلوب قال إنه تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة بفعل تطور الوعي السياسي للدول الإفريقية، والتحولات الجيوسياسية الدولية.
ولفت أستاذ التعليم العالي إلى أن الجزائر، رغم محاولاتها المستمرة، أصبحت اليوم عاجزة عن التأثير في مواقف الدول المستقلة، وعلى رأسها موريتانيا، التي تسعى إلى خلق مناخ ملائم لمصالحها الاستراتيجية، ليس على حساب المغرب أو الجزائر، وإنما عبر تموقع ذكي في فضاء إقليمي ودولي متغير، يسمح لها بتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وأمنية في آن واحد.
وأشار إلى أن الجزائر دأبت على مهاجمة كل من يخرج عن خطها، مؤكدا أن النظام الجزائري يتبنى موقفا سكيزوفرينيا عنوانه التدخل في شؤون الدول الأخرى، رغم أن السيادة مبدأ غير قابل للتجزيء، ولا يمكن تجاوزه تحت أي ذريعة، مضيفا أن الجزائر نفسها لها أراضيها وحدودها، ولا يحق لها أن تملي على الآخرين خياراتهم.
وأشاد الوردي بوضوح الموقف الموريتاني خلال السنوات الأخيرة، من خلال زيارات رسمية ولقاءات عالية المستوى، سواء على الصعيد العسكري أو المؤسسي، من بينها زيارات لمسؤولين موريتانيين إلى المغرب، واستقبالات متكررة لرئيس مجلس النواب المغربي، وغيرها من المحطات التي تعكس وجود علاقة سلمية راسخة بين البلدين.
وأوضح أن تحولات كبرى تشهدها الساحة الدولية، دفعت عدة دول إلى إعادة النظر في مواقفها تجاه القضية الصحراوية، لافتا إلى أن العالم لم يعد يؤمن بأطروحات الانفصال أو الميليشيات المسلحة، بل بات يصنف مثل هذه الكيانات ضمن خانة الإرهاب، ما يجعل من خيار الحكم الذاتي، تحت السيادة المغربية، المقترح الأكثر واقعية ومصداقية.
♦براغماتية المغرب والسيادة الجامعة
وكشف الوردي عن وجود حديث داخل أروقة القرار الأمريكي، حول مقترح واضح يضع “البوليساريو” أمام خيارين لا ثالث لهما: القبول بالحكم الذاتي، أو مواجهة تصنيفها كتنظيم إرهابي، وهو ما يمثل تحولا جوهريا في كيفية تعامل القوى الكبرى مع هذا النزاع المفتعل.
وشدد على أن هذا التحول يدعم براغماتية الخطاب الدبلوماسي المغربي، الذي يرتكز على المبادرة والوضوح والشرعية الدولية، مؤكدا أن الجزائر، رغم اعتراضها المستمر، لا تملك أي صفة لتكون وصية على دول الجوار، وأن القانون الدولي يرفض أي محاولة لفرض الإرادة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وذكّر بأن موريتانيا، ومن موقع السيادة الكاملة، تختار شركاءها وتنسج علاقاتها، على أساس تبادل المنافع واحترام السيادة، بعيدا عن أي منطق إملاء أو انحياز، مشيرا إلى أن الشراكة المغربية الموريتانية مبنية على المصالح المتبادلة، ومفتوحة على كافة المشاريع التنموية والأمنية التي تخدم الاستقرار الإقليمي.
زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي إلى الجزائر والمغرب.. ماهي خلفيات وأبعاد الزيارة؟
وتوقف الوردي عند أهمية التحالفات الدولية للمغرب، خاصة مع الدول التي استضافها الرئيس الأمريكي مؤخرا، والتي تجمعها بالمملكة شراكات استراتيجية، ملفتا إلى أن هذه الدول تؤمن بوحدة المغرب الترابية واستقراره، وتمنح الرباط مكانة اعتبارية خاصة، بفضل مصداقية مؤسساتها ورؤية قيادتها.
وأشاد بالمبادرات الملكية على المستوى الأطلسي والمتوسطي، وعلى رأسها مشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيريا، الذي يُعد أحد أكبر المشاريع القارية ذات البعد الاستراتيجي، ويؤكد قدرة المغرب على تحويل الموقع الجغرافي إلى مركز إقليمي للطاقة والنقل والتكامل الاقتصادي.
وأبرز أن المغرب يضع خبراته وآلياته رهن إشارة الدول الإفريقية، في إطار بناء شراكات أطلسية متوازنة، ما يعكس الثقة الإقليمية والدولية في الرباط، ويؤكد أن المملكة ليست دولة صدام أو هيمنة، بل دولة تسعى إلى الإشعاع والتعاون واحترام السيادة، بعيدا عن الخطابات العدوانية.
وخلص الوردي إلى أن السيادة مفهوم غير قابل للتجزئة، وأن المغرب يؤمن بالتعاون القائم على الاحترام والتكامل، لا على التدخل أو الإملاء، وهي قيم لازالت الجزائر بعيدة عنها، رغم التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي، والتي تفرض التحديث في الخطاب السياسي، والواقعية في التموقع الإقليمي.

