بعد سقوط نظام بشار الأسد، يعود الحديث مجددًا حول مستقبل العلاقات بين المغرب وسوريا، التي شهدت فتورًا وقطعًا دبلوماسيًا منذ عام 2012، إثر إدانة الرباط للعنف الذي مارسه النظام السوري ضد المظاهرات الشعبية المطالبة برحيله في عام 2011، وفي ظل هذه التطورات يترقب الخطوات التي قد تتخذها كل من المملكة المغربية والقيادة الجديدة في دمشق لإعادة بناء العلاقات بينهما، وسط تساؤلات حول تأثير هذا التقارب المحتمل على الموقف السوري تجاه قضية الصحراء المغربية، لا سيما أن نظام الأسد كان من الداعمين لجبهة “البوليساريو” الانفصالية.
♦ مستقبل العلاقات
يشير بلال التليدي، الكاتب والمحلل السياسي، إلى أنه من السابق لأوانه التكهن بما يمكن أن يكون عليه الوضع في سوريا، مشيرا إلى أنه صحيح أن النظام السوري سقط وأن التطورات الجارية تعني في أحدى معانيها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، مشددا على أن هذان المؤشران مهمان بالنسبة للمغرب؛ على اعتبار أنها قطعت العلاقات الدبلوماسية مع دمشق في 2012.
وأبرز التليدي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب كان له دور مهم دبلوماسيا وإنسانيا في الأزمة السورية، حيث احتضن المغرب لقاءات عديدة لأصدقاء سوريا وحث بمجلس الأمن الدولي في أكثر من مناسبة على إيجاد حل سياسي لهذا الصراع، وذلك إلى جانب إقامته لمستشفى ميداني بمخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن.
وأوضح أن هذا التغيير بسوريا يمكن أن يشكل نوعا من التحول في الموقف بخصوص قضية الصحراء المغربية، بعدما كان نظام بشار الأسد مساندا للبوليساريو ومعترفا بكيانه المزعوم، وذلك مناكفة للموقف المغربي الرافض للظلم والطغيان والإجرام الذي مورس في حق الشعب السوري.
وشدد على أنه من السابق لأوانه التحدث عن هذا الأمر، لأن ما يمكن تسجيله الآن هو سقوط نظام وتراجع النفوذ الإيراني؛ في انتظار ما يمكنه أن يترتب عن هذه الأوضاع من ترتيب أوضاع السلطة بدمشق، مبرزا أن الاتفاق الذي أُجري في الدوحة، والذي يمكن اعتباره امتدادًا للاتفاقات السابقة؛ رسم تفاهمات حتى لا تَتفجر الأوضاع ويقع الصراع ما بين الأجندات الإقليمية في المنطقة، لافتا إلى أنه قد يمثل البوصلة التي ستمشي وفقها سوريا في قادم السنوات.
وأردف أنه لحد الآن لم يرشح نوع التفاهمات التي تم إبرامها وإطلاع الوفود العربية المعنية بهذه الأحداث بها خلال اجتماع الدوحة الأخير، مشيرا إلى أنه لحدود الساعة لم تبرز الترتيبات التي تم الاتفاق عليها لتنظيم السلطة، موضحا أن بقايا النظام السوري لم يتم اقتطاعها واجتثاثها من الأصل، ما يترك مساحة لهذه الأخيرة لكي يكون معها نوع من التفاهم من أجل الدخول في بنية الدولة الجديدة.
وتابع أن هناك أيضًا الحساسيات المختلفة التي تنتظم داخل هيكل المعارضة المسلحة، فضلًا عن الأجندات الإقليمية، وبشكل خاص أجندة تركيا التي تعتبر محورية، فضلًا عن الأجندة الأمريكية التي يبدو بأنها بعيدة عن الأحداث؛ لكنها يمكن في أي لحظة أن تُوجّه مسار خارطة الطريق السياسية الجديدة لدمشق.
♦ الموقف المغربي من الأحداث
يرى بلال التليدي أن الموقف المغربي لحد الآن لم يتم التعبير عنه، لافتا إلى أن المغرب دائمًا ينحو منحى دعوة الأطراف إلى العمل بشكل جدي وتَغليب مصالح الوطن والتوافق على المرور إلى المرحلة الطبيعية، أي مرحلة دولة المؤسسات عبر مسار سياسي يشترك فيه الجميع وتكون فيه الانتخابات هي البوابة لبناء مؤسسات الدولة واعتماد الحلول السياسية كآلية وحيدة لمعالجة الخلافات الموجودة.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، إن المغرب لم يكن يوما خصم لسوريا، وأن الأخيرة هي التي بدأت الخصومة مع المغرب في عهد بشار الأسد، مبرزا أن الرباط كانت دائمًا تبادِر إلى بدل النصح؛ خصوصًا على مستوى الدعوة إلى حوار سياسي مع المعارضة السياسية.
بوريطة : موقف المغرب واضح ودائم في الحفاظ على الوحدة الترابية والسيادة الوطنية لسوريا
ولفت إلى أن المملكة كان تدرك أن إقفال الحوار السياسي بين الفرقاء في سوريا سيؤدي إلى زعزعة المنطقة بما يضعف النظام الإقليمي العربي، مبرزا أن مدخل تدخله أيضا كان هو الباب الإنساني، مشيرا في هذا الجانب للمستشفى الذي أقامه الملك محمد السادس لمساعدة اللاجئين السوريين الموجودين بمخيم الزعتري في الأردن؛ كتعبير عن الدعم المغربي للشعب السوري.
وتابع أنه مقابل المواقف المشرفة والناصحة للمغرب تجاه سوريا حكومة وشعبا، اختارت الدبلوماسية في كل من دمشق وطهران في لحظة معينة تأييد الموقف الجزائري ودعم الأطروحة الانفصالية للبوليساريو، لافتا إلى أن الرباط بقت وفِية لموقفها، حيث أنها لحد الآن حافظت على الحكمة والتريث في تعاملها مع الأحداث الجارية، وعدم التسرع بإبداء أي موقف حتى تتضح الأمور.
وشدد على أن المغرب يتميز بنوع من الحكمة في إدارة المواقف، لافتا إلى أن الموقف المغربي في سوريا لم يكن بعيدًا عمّا كان عليه في ليبيا، مبرزا أن المملكة ستدفع نحو تشجيع الحوار ما بين الأطراف كلها من أجل أن تحقن الدماء ويجري التوصل إلى مسار سياسي متفق عليه؛ بشكل يقضي إلى بناء مؤسسات الدولة ويعيش من خلاله السوريين في جو من الحرية والكرامة وتنتهي معاناتهم الإنسانية.
♦ تأثير علاقة الجزائر بنظام الأسد
اعتبر بلال التليدي أن قطع المغرب لعلاقاته مع النظام السوري خلال المرحلة السابقة، وفي المقابل وجود علاقة قوية ما بين نظام الجزائر وبشار الأسد يمكن أن يكون له تأثير مستقبلًا على قضية الصحراء المغربية، مبرزا أن الجزائر التي كانت تراهن على إيران وعلى عودة النظام السوري للجامعة العربية، تخسر يوما بعد آخر الكثير وتصبح أكثر عزلة من ذي قبل.
قرار مجلس الأمن حول الصحراء المغربية.. هكذا كرس القرار انتصار الدبلوماسية المغربية وعرى فشل الجزائر
واستطرد أن الجزائر تلقت الأسبوع الماضي صدمة كبيرة بعد سقوط نظام بشار الأسد واستمرار تراجع النفوذ الإيراني إقليميا، موضحا أن محاولة توفيرها مستقبلا لأي دعم لوجيستي لِإيران في المنطقة المغاربية سيواجه بقوة من طرف القوى الدولية والإقليمية، لافتا إلى أن ذلك يعني مزيد من العزلة الدبلوماسية والاستراتيجية للنظام الجزائري.
وتابع أن ذلك يجعل الجزائر معزولة اليوم على مستوى كل المناطق الحدودية، وهو ما يفسر الهرولة السريعة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى موريتانيا، باعتباره يخشى في أن يتحول الموقف الموريتاني بشكل كامل لصالح الرباط، فتصبح الجزائر بذلك مطوقة كليا من كل حدودها.

