شهدت منطقة إيش بإقليم فجيج، أمس الأربعاء، مستجدات ميدانية وُصفت بالخطيرة، عقب إقدام عناصر من الجيش الجزائري على تسييج جزء من الشريط الحدودي مع المغرب عبر وضع علامات حجرية مصبوغة باللون الأبيض بشكل أحادي قرب خط الحدود، في خطوة تابعتها عناصر من القوات المسلحة الملكية عن كثب.
وأفادت المعطيات المتوفرة أن القوات الجزائرية أقدمت أيضا على نزع بعض وسائل الحماية عن بساتين تابعة للساكنة المحلية، بالتوازي مع إطلاق أعيرة نارية في الهواء خلال فترات متفرقة إلى غاية المساء، ما خلف حالة من القلق في صفوف السكان، قبل أن تتدخل القوات المسلحة الملكية لطمأنتهم، مع التأكيد على رفع المعطيات إلى المستويات المختصة.
وهذه التطورات التي شهدتها حدود فكيك تأتي في سياق إقليمي متوتر، وبعد أيام قليلة من حادث مقتل ثلاثة مواطنين مغاربة برصاص الجيش الجزائري، في ظل غياب توضيحات رسمية من الجانبين بخصوص ملابسات الواقعتين، ما يساهم في تعميق منسوب الغموض بشأن الوضع على الحدود الشرقية.
ووفق المصادر ذاتها، فإن المنطقة سبق أن شهدت حوادث مماثلة، من بينها ما وقع بمنطقة العرجة بفجيج سنة 2021، وهو ما يعكس استمرار بؤر التوتر على طول الشريط الحدودي، بالتزامن مع استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والجزائر، وإغلاق الحدود البرية منذ سنة 1994، في وضع يعكس حالة جمود غير مسبوقة في العلاقات الثنائية.
♦الاستفزازات وسياقها الإقليمي
يرى المحلل السياسي محمد شقير أن التحركات العسكرية الجزائرية الأخيرة قرب منطقة فكيك تندرج ضمن سياق سياسي وإقليمي معقد، تحكمه اعتبارات داخلية للنظام الجزائري وضغوط خارجية متزايدة، أكثر مما تعكس توجهاً نحو مواجهة مفتوحة مع المغرب.
ويعتبر شقير في تصريح لجريدة “شفاف”, أن الرباط تتعامل مع هذه الاستفزازات بمنطق الصبر الاستراتيجي، مع مواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية دون الانجرار إلى منطق التصعيد.
ويشير محمد شقير إلى أن ما وقع قرب الحدود الشرقية، خاصة في محيط فكيك وقصر إيش، لا يمكن عزله عن الظرفية العامة التي يعيشها النظام الجزائري، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى علاقاته الخارجية.
ويؤكد أن هذه التحركات ليست سابقة في تاريخ التوتر بين البلدين، لكنها تكتسب اليوم دلالات إضافية بالنظر إلى تزايد عزلة الجزائر دبلوماسيا وتراجع قدرتها على فرض رؤيتها في عدد من الملفات الإقليمية.
ويعتبر شقير أن النظام الجزائري يسعى، من خلال هذه التحركات، إلى إرسال رسائل متعددة الاتجاهات؛ رسالة موجهة إلى الداخل مفادها أن المؤسسة العسكرية ما زالت قادرة على إظهار القوة والتحكم في مسار الأحداث، ورسالة أخرى موجهة إلى الخارج، وخصوصا إلى القوى الدولية المؤثرة، لإثبات أن الجزائر لا تزال فاعلاً أمنياً لا يمكن تجاوزه في المنطقة.
ويربط المحلل السياسي بين هذه الاستفزازات وبين الضغوط الدولية المتزايدة على الجزائر من أجل الانخراط بشكل أكثر جدية في مسار سياسي لحل النزاع حول الصحراء المغربية، بما في ذلك الدفع نحو إعادة إحياء المفاوضات وإشراك مختلف الأطراف المعنية.
كما يرى أن بعض التحركات الجزائرية تحاول، في جانب منها، صرف الانتباه عن هذا الملف، وإعادة توجيه النقاش نحو قضايا أمنية وحدودية.
ويضيف شقير أن الأحداث الأخيرة التي تم تداولها بشأن مقتل مواطنين مغاربة في ظروف غامضة، ومحاولة تقديمهم في بعض الروايات على أنهم متورطون في أنشطة غير قانونية، تندرج بدورها ضمن هذا السياق، حيث يسعى النظام الجزائري إلى تبرير ممارساته وإضفاء طابع أمني صارم على تحركاته في المناطق الحدودية.
كما يلفت إلى أن تواتر مثل هذه الوقائع يعكس توجها لإبقاء مستوى التوتر مضبوطاً دون الوصول إلى مرحلة الانفجار، أي في إطار “التصعيد المحسوب”، الذي يسمح بإبراز القوة دون تحمل كلفة المواجهة الشاملة.
♦الحسابات الداخلية للنظام
أفاد شقير على أن أحد العوامل الأساسية وراء هذه الاستفزازات يتمثل في الوضع الداخلي الجزائري، الذي يتسم، بحسبه، بدرجة من الهشاشة وعدم الاستقرار داخل مراكز القرار، خصوصاً في محيط المؤسسة العسكرية.
ويذهب إلى أن النظام الجزائري يعيش على وقع تنافس بين أجنحة مختلفة داخل مربع السلطة، إضافة إلى بروز إشكاليات مرتبطة بالخلافة السياسية ومستقبل القيادة، وهو ما يخلق حاجة دائمة إلى توحيد الصفوف عبر استحضار “خطر خارجي” أو تضخيم تهديدات أمنية.
ويعتبر شقير أن استعراض القوة في المناطق الحدودية يؤدي وظيفة داخلية بامتياز، تتمثل في إعادة ترتيب التوازنات داخل النظام، ومنح المؤسسة العسكرية دوراً مركزياً باعتبارها الضامن الأساسي للاستقرار.
كما يوضح أن الخطاب التصعيدي تجاه المغرب يشكل أداة لتعبئة الرأي العام الداخلي، وصرف الانتباه عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها الجزائر، من بطالة وتراجع القدرة الشرائية وتحديات تنموية متراكمة.
ويرى أن هذا النمط من السلوك ليس جديدا، بل يندرج ضمن تقليد سياسي قائم على استثمار التوتر الخارجي لتقوية الجبهة الداخلية، حتى وإن كان ذلك على حساب علاقات حسن الجوار والاستقرار الإقليمي.
وفي هذا السياق، يستبعد شقير أن تكون لدى النظام الجزائري نية حقيقية للدخول في حرب مفتوحة مع المغرب، معتبرا أن كلفة مثل هذا الخيار ستكون باهظة على مختلف المستويات، وأن القيادة الجزائرية تدرك حدود قدرتها على تحمل تبعات مواجهة شاملة.
♦المقاربة المغربية المتدرجة
في مقابل ذلك، يؤكد محمد شقير أن المغرب يعتمد مقاربة تقوم على ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الاستفزازات، مع الاستمرار في تطوير منظومته الدفاعية وتعزيز جاهزيته العسكرية.
ويوضح أن الرباط تفضل ما يمكن وصفه بـ”الصبر الاستراتيجي”، أي الامتناع عن الرد الانفعالي أو التصعيدي، مقابل الاستثمار في تقوية قدراتها الدفاعية بشكل متواصل ومدروس.
وبين المتحدث أن المغرب عمل، خلال السنوات الأخيرة، على إعادة تنظيم انتشاره العسكري في المناطق الحدودية، بما في ذلك إحداث منطقة عسكرية شرقية تهدف إلى تحسين مراقبة الحدود وتعزيز سرعة التدخل عند الضرورة.
كما يبرز شقير أن المملكة واصلت تحديث ترسانتها العسكرية من خلال اقتناء أنظمة دفاع جوي متطورة، وتعزيز قدرات سلاح الجو، وتطوير استخدام الطائرات المسيرة، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى رفع مستوى الردع دون إعلان ذلك في خطاب سياسي تصعيدي.
ويعتبر أن هذه السياسة تتيح للمغرب تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار وتفادي الحرب من جهة، وضمان حماية وحدته الترابية وأمنه القومي من جهة أخرى.
وفي ما يتعلق بمطالب بعض الساكنة المحلية، مثل الدعوة إلى إزالة الخنادق أو التحصينات العسكرية قرب المناطق السكنية، يرى شقير أن هذه القضايا يجب التعامل معها في إطار الحوار والتواصل، مع توضيح البعد الاستراتيجي لهذه الإجراءات الدفاعية.
ويؤكد أن مثل هذه التحصينات تندرج ضمن صلاحيات الدولة وخياراتها السيادية المرتبطة بالأمن الوطني، وأنه من غير المرجح التخلي عنها، خاصة في ظل استمرار التوترات.
ويخلص شقير إلى أن المغرب، رغم كل الاستفزازات، يظل متمسكا بخيار السلم والاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يحرص على امتلاك كل عناصر القوة التي تضمن له حماية مصالحه الحيوية، وترسخ موقعه كفاعل إقليمي مسؤول يسعى إلى التهدئة دون التفريط في أمنه.

