أعاد مقترح قانون تقدم به فريق برلماني إلى الواجهة النقاش حول مدى جدوى إدراج فصيلة الدم ضمن البيانات الشخصية للبطاقة الوطنية، وهو المقترح الذي يهدف حسب أصحابه، إلى تسريع عمليات الإسعاف في الحالات الحرجة وتمكين الطواقم الطبية من إجراء نقل الدم في زمن وجيز قد يُحدث الفرق بين الحياة والموت، ويتغذى هذا المقترح من تجارب سابقة ببعض الدول الغربية التي اختارت أن تدرج المعطيات الصحية ضمن وثائق الهوية الرسمية، في إطار ما يُعرف بالهوية الصحية الرقمية.
;لكن في المقابل، يثير هذا المقترح العديد من التساؤلات القانونية والطبية والإدارية، تتعلق بمدى نجاعة هذا الإجراء في إنقاذ الأرواح، وبمخاطره المرتبطة بإدراج معطيات صحية حساسة في وثيقة تعريفية موجهة للاستعمالات الإدارية والأمنية، وإن كان يشكل هذا التوجه خطوة نحو إرساء “بطاقة صحية” قد تتوسع لتشمل معلومات طبية أخرى، ومدى توفر الشروط التقنية والضوابط التشريعية الكفيلة بحماية الخصوصية وضمان سلامة المعطيات.
♦ مقترح قانوني مثير
أثار مقترح قانون تقدم به فريق برلماني لإدراج فصيلة الدم في البطاقة الوطنية للنقاش العمومي، باعتباره وسيلة لتسهيل تدخلات الإسعاف في الحالات المستعجلة وإنقاذ الأرواح، والذي يستند هذا المقترح إلى فرضية أن تمكين رجال الإسعاف من معرفة فصيلة الدم سيمكنهم من التدخل بسرعة دون انتظار نتائج التحاليل المخبرية.
ويرى علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، أن هذا التصور يبقى مبنياً على معطيات طبية متجاوزة، ولا يعكس بدقة واقع العمل الطبي والإسعافي، كما أنه يحمل في طياته مخاطر متعددة، سواء من حيث الدقة الطبية أو من زاوية حماية المعطيات الشخصية.
يُؤكد لطفي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تحديد فصيلة الدم لا يُشكل عائقاً زمنياً في حالات الطوارئ، حيث يمكن إجراء هذا التحليل في أقل من دقيقة واحدة.
وأردف أنه حتى في الحالات المستعجلة، يتم استخدام بلازما الدم أو فصيلة O كإجراء أولي، في انتظار نتائج التحاليل الدقيقة، بما يضمن تفادي الأخطاء الطبية الخطيرة.
كما أوضح أن الأطباء لا يعتمدون على المعلومات المدونة في الوثائق، سواء كانت بطاقة السياقة أو الهوية، لأنها قد تكون عرضة للأخطاء أو التزوير أو التغيير، مؤكداً أن كل عملية نقل دم تسبقها تحاليل إجبارية لتحديد فصيلة الدم والتوافق مع الكيس الدموي المنقول.
♦ مخاطر قانونية وحقوقية
من الناحية القانونية، يرى لطفي أن إدراج معطى طبي في وثيقة الهوية قد يفتح الباب أمام إدراج معلومات طبية أخرى لاحقاً، مما يحول البطاقة الوطنية إلى “بطاقة صحية” ضمنياً.
ويضيف أن هذا التوجه يتطلب تعديلاً تشريعياً شاملاً، يتضمن ضمانات صارمة لحماية المعطيات الشخصية، خصوصاً أن فصيلة الدم تُعد من المعطيات البيومترية ذات الطابع الحساس.
مقترح تشريعي لإدراج فصيلة الدم في البطاقة الوطنية.. هل يحمي الأرواح أم يهدد الخصوصية؟
وتابع أنه في حال جعل هذا الإدراج اختيارياً، فإن فائدته تقلص كثيراً، إذ لن تتوفر هذه المعطيات إلا لدى من رغبوا في إضافتها، وهو ما يفقد المقترح فاعليته في حالات الطوارئ، حيث لا يمكن التنبؤ بمن يحمل هذه المعلومات ومن لا يحملها.
♦ إكراهات تقنية وإدارية
يشدد لطفي على أن تضمين فصيلة الدم في بطاقة الهوية يتطلب تحديثاً تقنياً دقيقاً لضمان صحة المعلومة وخلوها من أي خطأ، إذ أن الخطأ في هذا المعطى قد يقود إلى قرارات طبية خاطئة تُعرض حياة الشخص للخطر.
وأبرز أن الأمر يستدعي نظام مراقبة متكامل ومكلف، يشمل تدقيقاً مستمراً للمعلومات وتكويناً خاصاً للعاملين على مستوى مكاتب التسجيل والطواقم الطبية.
واضاف أنه إلى جانب ذلك، فإن المستشفيات تعتمد إجراءات صارمة في تحديد فصيلة الدم، تشمل أخذ عينتين منفصلتين في أوقات مختلفة، وإجراء تحليل توافق قبل كل عملية نقل، نظراً لوجود أجسام مضادة قد تتفاعل بشكل خطير مع الدم المنقول.
♦ رؤية بديلة للحماية
اعتبر لطفي أن التوجه نحو تحديث نظام الهوية الصحية لا ينبغي أن يتم عبر إدراج معطيات حساسة في بطاقة التعريف، بل من خلال بناء سجل صحي رقمي مستقل، مؤمن ومربوط بالأنظمة الصحية، مع ضمان ربطه بهوية الشخص وفق ضوابط صارمة لحماية المعطيات.
وأكد أن خطورة نقل الدم تكمن أساساً في الخطأ في هوية المريض، لا في فصيلة دمه، لذلك فالأولوية يجب أن تُعطى للتأكد من هوية الشخص ومطابقة المعطيات، قبل التفكير في إدراج بيانات صحية غير ضرورية، خصوصاً في ظل التقدم التكنولوجي الحاصل في مجال التحليلات الطبية.
البنك الدولي يشيد بـ”التقدم الملحوظ” للمغرب في خفض وفيات الأمهات والأطفال
ولفت إلى أن عدداً من الدول الأوروبية طرحت هذا الموضوع في الثمانينيات، قبل أن تُجمع على تجاوزه، بفعل تطور التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي الذي أصبح يضمن تدخلاً دقيقاً وسريعاً دون الحاجة لمثل هذه المعلومات في الوثائق التعريفية.
وشدد على أن المغرب مدعو إلى الاقتداء بهذه التجارب لا في الشكل، بل في المضمون، من خلال تحديث منظومة التدخلات الطبية الطارئة وربطها بنظم ذكية، بدل اللجوء إلى حلول قد تُظهر وجاهتها الظاهرة، لكنها تحمل مخاطر خفية على الأمن الصحي وخصوصية المواطن.

