يتصاعد التوتر داخل القطاع الفلاحي على خلفية تعثر تنزيل عدد من الإصلاحات والالتزامات المرتبطة بتحسين أوضاع الموارد البشرية.
ويواجه الحوار الاجتماعي انتقادات متزايدة بسبب بطء التنفيذ واستمرار تعليق ملفات ذات طابع مالي وإداري، ما يفاقم الإحساس بعدم الإنصاف بين فئات الموظفين.
وفي المقابل، تتجه الهيئات النقابية نحو خيارات تصعيدية للضغط من أجل تسريع المعالجة، وسط دعوات لتحمل مختلف القطاعات الحكومية لمسؤولياتها وضمان فعالية السياسات العمومية في هذا المجال.
♦احتقان قطاعي متصاعد
سجل بدر عريش الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي -الاتحاد المغربي للشغل، أن اللجنة الإدارية المنعقدة بتاريخ 4 أبريل الجاري شكلت محطة لتقييم مدى تنزيل الاتفاقات الموقعة مع وزير الفلاحة، مبرزا أن حصيلة هذا التقييم أظهرت بوضوح أن جزءا مهما من الالتزامات ما زال يراوح مكانه، رغم تعدد اللقاءات التي جمعت الطرفين، سواء خلال سنة 2025 أو خلال الاجتماع الأخير المنعقد في 17 فبراير 2026.
وأوضح عريش في تصريح لجريدة “شفاف” أن هذا الوضع خلق حالة من الاحتقان داخل القطاع، بالنظر إلى أن الحوار الاجتماعي لم يعد يفضي إلى نتائج ملموسة، بل تحول إلى مسار تتراكم فيه المحاضر والاتفاقات دون تفعيل فعلي.
واعتبر أن هذا الواقع يعكس خللا بنيويا في تدبير الملفات ذات الأثر المالي، حيث تتوقف أغلبها عند مستوى وزارة المالية أو الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية، دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، رغم الالتزامات الواضحة التي تم التعهد بها سابقا.
♦تعطيل الأنظمة الأساسية
أوضح المسؤول النقابي، أن عددا مهما من مشاريع الأنظمة الأساسية الخاصة بمؤسسات القطاع الفلاحي ما زال مجمدا على مستوى وزارة المالية، مشيرا إلى أن هذه المشاريع تشمل بالأساس النظام الأساسي لمستخدمي المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، المودع منذ سنوات دون أي تقدم، إضافة إلى النظام الأساسي لمستخدمي الوكالة للتنمية الفلاحية، ومشاريع الأنظمة الأساسية للمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، والمدرسة الوطنية للفلاحة بمكناس.
كما أضاف أن هذه اللائحة توسعت خلال السنة الجارية لتشمل أيضا النظام الأساسي للمكتب الوطني للاستشارة الفلاحية والمعهد الوطني للبحث الزراعي، ليصل عدد المشاريع المجمدة إلى ستة أنظمة أساسية على الأقل، دون احتساب مشاريع أخرى مرشحة للالتحاق بها.
وأبرز أن هذه الملفات تظل بدون أي معالجة أو جدولة زمنية واضحة، ما يجعلها في وضعية تجميد فعلي، رغم أنها تهم أوضاع آلاف المستخدمين.
واستحضر في السياق ذاته ملفات إضافية، من بينها مشروع تعديل النظام الأساسي للوكالة الوطنية للمياه والغابات، الذي سبق أن كان موضوع اتفاقات منذ سنة 2015 دون أن يتم الحسم فيه، إلى جانب مشاريع تهم الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، والشركة الملكية لتشجيع الفرس، والغرف الفلاحية، مبينا أن مجموع هذه المشاريع، سواء الحالية أو المرتقبة، يناهز عشرة أنظمة أساسية عالقة، وهو ما يعكس حجم التعثر الذي يطبع هذا الورش.
♦اختلال التحفيزات والحقوق
أشار عريش إلى أن الإشكال لا يقتصر على الأنظمة الأساسية، بل يمتد إلى ضعف التحفيزات والتعويضات الموجهة لموظفي وزارة الفلاحة، سواء العاملين بالمصالح المركزية أو المديريات الجهوية والإقليمية أو مؤسسات التعليم الفلاحي.
وبين أن هؤلاء الموظفين يضطلعون بمهام متزايدة الأهمية، خاصة في ظل تنزيل استراتيجيات كبرى من قبيل الجيل الأخضر، وبرامج الإحصاء الوطني وترقيم القطيع، دون أن يقابل ذلك نظام تحفيزي يوازي حجم هذه المسؤوليات.
ولفت إلى أن هذه الفئة لا تستفيد من تعويضات ومنح مماثلة لتلك التي يحصل عليها نظراؤهم في مؤسسات عمومية أخرى، سواء داخل القطاع الفلاحي أو خارجه، كما أن أي تحسين في الأجور يظل رهينا بالحوار الاجتماعي المركزي الذي يتم بشكل متباعد.
وشدد على ضرورة إقرار آلية دائمة للتحفيز، تضمن إنصاف هذه الفئة وتحفيزها، مع التفكير مستقبلا في إمكانية إحداث نظام أساسي خاص بموظفي وزارة الفلاحة يوازي ما هو معمول به في قطاعات مماثلة.
وتوقف أيضا عند ملف حاملي الشهادات غير المدمجين في السلالم المناسبة، مذكرا بوجود اتفاق واضح مع وزير الفلاحة يقضي بحل هذا الملف في إطار مراجعة الأنظمة الأساسية، غير أن هذا الالتزام، بحسبه، لم يتم تفعيله، نتيجة ما وصفه بوجود رفض من طرف الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية، رغم وجود سوابق مماثلة في قطاعات أخرى تم فيها حل هذا الإشكال.
♦ملفات اجتماعية عالقة
تطرق المسؤول النقابي إلى ملف الأعمال الاجتماعية، مبرزا أنه يشكل بدوره أحد أبرز نقاط التعثر، خاصة فيما يتعلق بمؤسسة النهوض بالأعمال الاجتماعية بالقطاع الفلاحي.
وأبان أن الميزانية الحالية لهذه المؤسسة لا تتجاوز 25 مليون درهم، وهو مبلغ اعتبره غير كاف لتغطية حاجيات أكثر من 8000 مستفيد من موظفين ومستخدمين ومتقاعدين ينتمون إلى مؤسسات مختلفة داخل القطاع.
وأكد أن هناك التزاما سابقا من طرف وزير الفلاحة يقضي بمضاعفة هذه الميزانية، غير أن هذا الالتزام لم ير النور إلى حدود الساعة، رغم إحالة الملف على وزارة المالية.
وأفاد أن تحسين خدمات الأعمال الاجتماعية يظل رهينا برفع هذا الغلاف المالي، بما يضمن تحقيق نوع من العدالة بين الجهات والمؤسسات، ويوفر خدمات ملائمة للمتقاعدين، الذين يظلون من بين الفئات الأكثر حاجة إلى هذه الخدمات.
وذهب إلى أن استمرار تعثر إخراج قانون إحداث مؤسسات الأعمال الاجتماعية الخاصة بمستخدمي الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، رغم مرور سنوات على طرحه، وبقائه عالقا على مستوى الأمانة العامة للحكومة دون إحراز تقدم في مسطرة المصادقة.
♦اختلالات في الأجور والتشغيل
لفت عريش إلى أن من بين القضايا الجوهرية التي ما زالت عالقة كذلك مسألة توحيد الحد الأدنى للأجور بين القطاع الفلاحي والقطاع الصناعي، معتبرا أن استمرار هذا التمييز القانوني لم يعد مبررا في السياق الحالي، خاصة وأنه يكاد يكون حالة استثنائية مقارنة مع ما هو معمول به في بلدان أخرى.
وكشف المسؤول النقابي بأن هناك اتفاقا سابقا يقضي بوضع آلية تدريجية لتحقيق هذا التوحيد في أفق سنة 2028، بشراكة بين وزارة الفلاحة ووزارة التشغيل، غير أن هذا الملف لم يعرف أي تقدم يذكر إلى حدود الآن، رغم إدراجه ضمن الاتفاقات الموقعة في إطار الحوار الاجتماعي المركزي لسنة 2022، معتبرا أن هذا الوضع يكرس الفوارق بين فئات الشغيلة، ويطرح إشكال العدالة الأجرية داخل الاقتصاد الوطني.
♦مسؤوليات حكومية مشتركة
حمل المتحدث المسؤولية الأساسية في تعطيل هذه الملفات للوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية، معتبرا أنها تحولت إلى نقطة توقف لمعظم المشاريع ذات الأثر المالي، في غياب تفاعل إيجابي أو تسريع لمعالجة الملفات المعروضة عليها.
وفي المقابل، دعا وزير الفلاحة إلى الاضطلاع بدوره الكامل كقطاع وصي، من خلال تتبع هذه الملفات والدفاع عنها لدى القطاعات الحكومية المعنية، بما يضمن تنفيذ الالتزامات المتفق عليها مع الشريك الاجتماعي.
وأكد أن استمرار الوضع الحالي من شأنه أن يفرغ الحوار الاجتماعي من مضمونه، إذا ظل يقتصر على توقيع الاتفاقات دون تنفيذها.
♦تصعيد نضالي مرتقب
أعلن عريش أن المرحلة المقبلة ستعرف تصعيدا في الأشكال النضالية، في ظل ما وصفه باستمرار حالة الجمود، موضحا أن اللجنة الإدارية فوضت للكتابة التنفيذية والمكتب الجامعي صلاحية إعداد وتنفيذ برنامج نضالي شامل.
وأبرز أن هذا البرنامج سيشمل تنظيم وقفات احتجاجية مركزية أمام وزارة المالية ووزارة الفلاحة، إضافة إلى تحركات جهوية وإضرابات عامة على مستوى القطاع الفلاحي.
وقال إن تفاصيل هذه الخطوات سيتم الكشف عنها خلال ندوة صحفية مرتقبة، مؤكدا أن هذه الأشكال النضالية تأتي في سياق الدفاع عن تنفيذ الالتزامات الموقعة، ووضع حد لحالة التراكم والجمود التي تعرفها ملفات القطاع، مشددا على أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولا في ظل الانتظارات المتزايدة لمختلف فئات العاملين في المجال الفلاحي.

