اختلفت الآراء وتباينت حول تركيبة الحكومة الجديدة، والتي باتت تضم لجانب رئيسها عزيز أخنوش؛ 30 عضوا آخر بعدما كانت محصورة في 24 اسما قبل هذا التعديل، حيث توزعت بين 18 وزيرا و5 وزراء منتدبين و6 كتاب دولة، إضافة إلى الأمين العام للحكومة، إذ حافظ وزراء السيادة الخمس على مناصبهم، وشهدت العملية دخول 14 وزيرا جديدا، وخروج 8 وزراء، واستمرار 16 وزيرا في قيادة نفس القطاعات الوزارية؛ بينهم وزراء التكنوقراط الست، وهو ما يثير تساؤلات عن العوامل المؤثرة في اقتراح أحزاب الأغلبية الثلاثة للشخصيات والبروفايلات التي جرى تعيينها أمس الأربعاء، ومدى ارتباط ذلك بالكفاءة والاختصاص أو بالقرب من الأمناء العامين والولاء لهم.
الملك يعيد تشكيل حكومة أخنوش.. وزراء جدد وكتاب للدولة في عدد من القطاعات الحيوية
♦ أبرز التغييرات
يرى محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن تشكيل الحكومة الجديدة يثير ملاحظتين أساسيتين، أولهما تتعلق بالحفاظ على وزراء السيادة؛ ألا وهم عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، وناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، وأحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعبد اللطيف لوديي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بإدارة الدفاع الوطني، ومحمد حجوي، الأمين العام للحكومة.
وأبرز أنه على عكس ما كان يشاع حول إمكانية تغيير عدد من وزراء السيادة إما بسبب تقدمهم في السن أو طول تدبيرهم للحقيبة الوزارية التي يتقلدونها اليوم؛ مثلما هو الأمر مع الوزير التوفيق (81 عاما) الذي يشرف على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ 2002 (22 سنة)، معتبرا أن استمرار هؤلاء الوزراء الخمس يظهر أن “حكومة جلالة الملك” بقيت في مناصبها ولم تشهد أي تغيير وفق ما كان يروج له قبل هذا التعديل.
الحصيلة المرحلية لحكومة أخنوش.. ماذا تحقق وهل فعلا وفت الحكومة بوعودها الانتخابية؟
وقال شقير إن ثاني الملاحظات ترتبط بأن التعديل الحكومي شمل وزارات بعينها، وبالأخص وزارات الصحة والحماية الاجتماعية، والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وذلك راجع بدرجة كبيرة للإشكاليات التي شهدتها هذه القطاعات الحكومية؛ والمتمثلة في إضرابات شغيلة التعليم واحتجاجات طلبة الطب والصيدلة وتوقف مهنيي الصحة في مناسبات عديدة عن العمل.
وأوضح الباحث في العلوم السياسية، أن الزخم الاحتجاجي لفئات عريضة بقطاعات حيوية كالطب والتعليم دفعت بأصحاب القرار إلى تغيير هذه الوجوه بأخرى؛ بهدف نجاح المستوزرين الجدد في معالجة الإشكاليات التي وقعت أو تسبب فيها من سبقوهم في مجالات حيوية، مضيفا أن رحيل الوزير محمد صديقي عن قطاع الفلاحة قد يكون مرتبطا أيضا بما وقع مؤخرا من فيضانات وتأثيرها على الزراعة بمناطق الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، وكذا تعامل هذا المسؤول الحكومي السابق مع أزمة الجفاف خلال السنوات التي تولى فيها هذه الحقيبة الوزارية.
♦ خلفيات البروفايلات الجديدة
يبرز محمد شقير أن تعيين بروفايلات تنتمي لرجال المال والأعمال تحسب على القطاع الخاص، يرجع بالأساس إلى عاملين أساسيين، أولهما أن رئيس الحكومة ينتسب إلى هذه الفئة باعتباره رجل أعمال، وينظر من خلال تجربته وخبرته إلى أن هذه العينة القريبة منه قادرة على تنزيل البرامج الحكومية ومعالجة الإشكاليات المطروحة، والتي يرتبط أغلبها بما يتعلق بتمويل وتنزيل تلك المشاريع، لاسيما أن أغلبهم اشتغل معه عبر شركاته الخاصة أو خلال توليه عدد من المهام الحكومية منذ 2007 وإلى حدود الأمس.
وتابع أن سلطة الاقتراح الممنوحة لرئيس الحكومة في التعيينات التي تمت؛ منحته بشكل واضح قدرة كبيرة على تعيين عدد من المقربين منه بالحزب وكذا الذين رافقوه خلال توليه مهام وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ومن بينهم من اشتغل معه بهذه الأخيرة كزكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، المكلفة بالصيد البحري (الكاتبة العامة لقطاع الصيد البحري قبل ذلك)، وأمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية (مستشار سابق لأخنوش بوزارة الفلاحة، والكاتب العام برئاسة حكومته سابقا)، وأحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات (مدير الري وإعداد المجال الفلاحي بوزارة الفلاحة قبل توليه المنصب الوزاري).
وأشار الباحث في العلوم السياسية، إلى أن رئيس الحكومة يرى أن هذه الفئة خلال ما تبقى من ولاية حكومته هي الأقدر على تدبير الملفات التي تشرف عليها الحكومة وتسريع الخطوات في هذا الجانب، لاسيما في القطاعات التي تبقى ذات طابع اجتماعي بامتياز، موضحا أنه في هذا السياق تطرح بالفعل مجموعة من التساؤلات؛ من قبيل مدى إمكانية نجاح رجل أعمال كمحمد سعد برادة في إدارة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وما يرتبط بذلك من وجود إرادة حقيقية لإصلاح قطاع التعليم.
وأضاف أن الإشكالية في وزارة التعليم ارتبطت منذ مرحلة ما بعد استقلال المغرب بكثرة تغيير الوزراء القائمين على هذا المجال، إذ لا يتجاوز عمر استمرار من يتولى هذه الحقيبة الوزارية على الأغلب سنتين من الزمن، موضحا أنه ستكون على عاتق الوزير برادة مسؤولية كبيرة فيما يتعلق بقدرته على مواصلة إصلاح التعليم، فيما سيُنظر لخلفيته الاقتصادية كرجل أعمال ومدى تأثيرها إيجابا أو سلبا في عمله بعد نهاية الولاية الحكومية الحالية في 2026.
♦ استمرار وهبي
اعتبر محمد شقير أن الاحتفاظ بوزير العدل عبد اللطيف وهبي بالرغم مما أثير حوله من جدل منذ توليه هذه المهام وكذا تنحيته من الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، يعود إلى أن الدولة عبر الحكومة تسعى لاستكمال أوراش قانونية هيكلية عبر صياغة وتعديل مجموعة من القوانين والتشريعات، مثلما هو الأمر مع المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية والقانون الجنائي ومدونة الأسرة وقانون الإضراب وغيرها.
وأردف أن الجهات العليا بالبلاد فضلت الاحتفاظ بوهبي على رأس وزارة العدل بالرغم من طبيعته وعلاقته الاصطدامية لتسريع تنزيل هذه القوانين الهيكلية وتفادي إهدار مزيد من الوقت في حالة تغييره بطرف آخر، لافتا إلى أنه من إيجابيات الرجل أيضا هو كونه ابن هذا المجال باعتباره محامي، ما يجعله مدركا لكل خبايا وتحديات هذا القطاع، وذلك إضافة لعلاقاته الطبيعية وغير المتشنجة مع رئيس الحكومة.
وشدد على أن العوامل المذكورة سابقا لعبت دورا هاما في احتفاظ وزير العدل بمنصبه وعدم إقدام أصحاب القرار على تغييره؛ بالرغم من الحديث الذي كان دائرا عن قرب رحيله عن التركيبة الحكومية الحالية، موضحا أن الرغبة الجامحة للدولة في إنهاء الأوراش القانونية المهمة قبل انتهاء هذه الولاية الحكومية كانت كذلك عنصرا حاسما في بقائه، باعتباره هو الأكثر ملاءمة في الظرفية الآنية لاستكمال تنزيل هذه التشريعات.
♦ عامل القرب من القيادات
يشر محمد شقير إلى أن مسألة الكفاءة في تعيين الأسماء الجديدة بالحكومة لم يكن مطروحا بقوة، مبرزا أن عامل “الحزبية” كان حاسما في الاختيارات، وهو ما يبرز جليا قبل حدوث هذا التعديل الأخير، حيث يتواجد جميع الأمناء العامين للأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية (حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال) داخل تشكيل هذه الحكومة، بمن فيهم نزار بركة، وفاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وعزيز أخنوش.
وأوضح أنه ما دام الأمناء العامين هم أعضاء في الأصل بهذه الحكومة، فإنه بالتالي أي تعديل بها سيكون وفق الإطار المرتبطة بهذه الرؤية، والمبني على إعطاء الأسبقية في اختيار المرشحين للاستوزار إلى المقربين بالأحزاب الثلاثة للقيادات الحزبية، والذين يجب أن يكون لهم تقارب وتفاهم وتوافق مع الفئة الأخيرة (قادة الأحزاب)، لافتا إلى أن الأمر يرتبط أيضا بالحفاظ على التوازنات القائمة داخل تكتلات كل حزب من أطراف الأغلبية الثلاثة.
وأضاف أن حزب الاستقلال عمل عبر هذا التعديل على اقتراح أسماء سمحت له بالحفاظ على توازنات بين مختلف تياراته، التي تفاقم الصراع بينها خلال الآونة الأخيرة، وهو ما تسبب في تأخير انتخاب اللجنة التنفيذية داخل “الميزان”، مبرزا أن ذلك يظهر جليا من خلال استوزار كل من عبد الصمد قيوح كوزير للنقل واللوجيستيك، وعمر حجيرة ككاتب للدولة لدى وزير الصناعة والتجارة، المكلف بالتجارة الخارجية، وعبد الجبار الرشيدي ككاتب للدولة لدى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، المكلف بالإدماج الاجتماعي.
الدخول السياسي الجديد.. ملفات ثقيلة وتحديات كبيرة تنتظر حكومة أخنوش
وأبرز الباحث في العلوم السياسية، أن تعيين هذه الشخصيات المؤثرة داخل حزب الاستقلال في مناصب وزارية، سيساهم لا محالة في استقرار الوضع الداخلي لـ”الميزان” خلال المرحلة القادمة وعدم ظهور الإشكاليات السابقة بين القيادات على السطح مجددا، والتي كادت أن تعصف بالأوضاع داخل أروقة هذا الحزب الذي له مكانة تاريخية وسياسية وتأثير مهم داخل الأغلبية الحكومية الحالية.
وشدد أن عامل القرب من الأمناء العامين فيما يتعلق بالتعيين في مناصب القرار والمسؤوليات السياسية أصبح عُرفا بالمغرب يسبق في الاختيار كل ما يرتبط بالكفاءة والاختصاص بشكل عام، موضحا أن العمل الحزبي المتعارف عليه اليوم منح الأمانة العامة في الأحزاب الثلاثة الصلاحية والكلمة الفصل في الأسماء التي تم اقتراحها على الملك محمد السادس من أجل استوزارها.

