أبرز نزار بركة، وزير التجهيز والماء، أن المغرب قد غادر نظام الجفاف التقليدي ليدخل مرحلة “الظواهر المناخية القصوى”، والتي تتميز بتقلبات حادة وانتقال سريع من العجز المائي الحاد إلى الفائض المباغت.
وكشف بركة، خلال ندوة نظمتها رابطة المهندسين الاستقلاليين بالرباط، أن الفترة ما بين 2018 و2025 سجلت أدنى مستوى للواردات المائية منذ ثمانية عقود، بعجز سنوي وصل في ذروته إلى 85%، قبل أن تشهد الشهور الأخيرة (دجنبر 2025 – فبراير 2026) طفرة استثنائية رفعت نسبة ملء السدود من 27.6% إلى 70.3%.
وحذر الوزير من الاستغلال المفرط وغير القانوني للفرشة المائية، موضحاً أن حجم السحب السنوي البالغ 5.4 مليارات متر مكعب يتجاوز القدرة المستدامة بنحو مرتين ونصف، مع تسجيل استغلال 80% من الآبار دون ترخيص، مما أدى لتداعيات وخيمة شملت فقدان 40 ألف هكتار من مساحات الحوامض وغلاء كلفة الإنتاج الحيواني، مشدداً على أن “السيادة الغذائية تبدأ من الماء” لكون 75% من المياه المعبأة تُوجه للسقي.
وفي سياق مواجهة هذه التحديات، استعرض المسؤول الحكومي التوجيهات الملكية السامية التي ترسم معالم السياسة المائية لأفق 2050، والقائمة على تعزيز التضامن المائي بين الجهات وتوسيع مشاريع التحلية والربط بين الأحواض.
وأشار بركة إلى أن المغرب يتوفر حالياً على بنية تحتية قوية تضم 156 سداً كبيراً و17 محطة لتحلية مياه البحر، بطاقة إنتاجية بلغت 350 مليون متر مكعب سنة 2025، مع توجه جاد نحو ربط محطات التحلية بالطاقات المتجددة لخفض الكلفة وتصفير البصمة الكربونية، وهو ما تعززه الشراكة الاستراتيجية الموقعة مع دولة الإمارات العربية المتحدة في ماي 2025.
وأوضح أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى نقل 800 مليون متر مكعب سنويًا بين الأحواض المائية، مع تحسين مردودية شبكات الماء الصالح للشرب لتصل إلى 85%، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة لتصل إلى 100 مليون متر مكعب في أفق 2027.
وشدد نزار بركة على ضرورة ملاءمة التخطيط الفلاحي والسياسات العمومية مع هذا “المعطى المائي الجديد” عبر تعميم السقي الموضعي واعتماد أصناف زراعية مقاومة للجفاف.
وأردف أن الرهان الحالي للمملكة يتجاوز مفهوم الاكتفاء الذاتي البسيط نحو بناء “سيادة غذائية مرنة” ترتكز على ثلاثة محاور أساسية: تأمين إنتاج وطني استراتيجي للمواد الحيوية، واعتماد إنتاج مختلط للمواد شبه الاستراتيجية يجمع بين التصنيع المحلي والاستيراد المؤطر، مع انفتاح مدروس على الأسواق الدولية للمواد غير الحيوية.
واعتبر الوزير أن التحكم في الموارد المائية وحسن تدبيرها يظلان المدخل الأساسي والوحيد لتحصين السيادة الغذائية الوطنية وضمان استدامتها في ظل التقلبات المناخية الراهنة.

