نظمت الجمعية المغربية لليتيم، بشراكة مع السفارة التركية بالمغرب ومنظمة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية (İHH)، السبت الماضي بمدينة سلا، إفطارا تضامنيا لفائدة نحو 200 طفل يتيم، في مبادرة إنسانية تروم تعزيز قيم التضامن والتكافل الاجتماعي خلال شهر رمضان، وإدخال الفرحة على الأطفال المستفيدين من مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
وعرف هذا النشاط حضور عدد من الشخصيات الرسمية والفاعلين في المجال الإنساني، من بينهم السفير التركي بالمغرب ورئيس منظمة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية، إلى جانب عدد من الأسماء الإعلامية المعروفة والفنانين الذين شاركوا الأطفال أجواء هذا اللقاء التضامني.
كما أبرمت الجمعية المغربية لليتيم، بالمناسبة ذاتها، شراكة مع هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (İHH) تروم توفير منح تعليمية عليا لفائدة الأطفال الأيتام المغاربة بعد حصولهم على شهادة البكالوريا، وذلك في إطار برنامج يهدف إلى دعم مسارهم الدراسي وفتح آفاق جديدة أمامهم في مجال التكوين والتعليم العالي.
وتهدف هذه الشراكة كذلك إلى مواكبة الأطفال الأيتام في مجالات متعددة، من بينها التعليم والتطبيب والرعاية الصحية، بما يساهم في تحسين ظروفهم الاجتماعية وتعزيز فرص إدماجهم في المجتمع.
واختتم هذا اللقاء بتوقيع اتفاقية شراكة بين الجمعية المغربية لليتيم ومنظمة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات التركية، تروم تعزيز التعاون في مجال دعم الأطفال الأيتام وتطوير البرامج الاجتماعية والتعليمية الموجهة لفائدتهم.
وجاء تنظيم هذا الإفطار في إطار تقليد سنوي دأبت عليه الجمعية المغربية لليتيم منذ سنوات، ويهدف إلى توفير فضاء إنساني يجمع الأطفال الأيتام مع مختلف الداعمين لقضايا الطفولة، كما يشكل مناسبة لتقديم هدايا وكسوة العيد للمستفيدين وإشراكهم في أنشطة ترفيهية واجتماعية.
♦ترسيخ التضامن مع الأطفال الأيتام
أبرز ياسين بنشقرون، رئيس الجمعية المغربية لليتيم، أن الإفطار التضامني الذي تنظمه الجمعية سنويا يشكل محطة إنسانية واجتماعية تهدف إلى جمع الأطفال المقيمين بمؤسسات الرعاية مع مختلف الفاعلين الداعمين لقضايا الطفولة، في أجواء تسودها روح التضامن والتآزر.
وأوضح رئيس الجمعية المغربية لليتيم في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الموعد أصبح تقليدا سنويا تحرص الجمعية على تنظيمه منذ أكثر من عشر سنوات، حيث تبلغ هذه الدورة نسختها العاشرة، ما يعكس استمرارية المبادرة ورسوخها ضمن برامج الجمعية الرامية إلى تعزيز الاهتمام بالأطفال الأيتام والمتخلى عنهم.
واعتبر بنشقرون أن هذا اللقاء يعد بعدًا إنسانيًا يتجاوز مجرد تنظيم مائدة إفطار خلال شهر رمضان، إذ يشكل مناسبة لقضاء يوم خاص مع الأطفال، يتخلله توزيع كسوة العيد وعدد من الهدايا الرمزية، في محاولة لإدخال الفرحة إلى قلوبهم وتعزيز شعورهم بالانتماء إلى المجتمع.

وأفاد المتحدث أن هذا الحدث يسمح بتقوية جسور التواصل بين الأطفال ومختلف الفاعلين الذين يواكبون قضايا الطفولة، والذين تصفهم الجمعية بـ”أصدقاء الطفولة”، أي كل من يساهم في الدفاع عن حقوق الأطفال أو دعمهم ماديًا ومعنويًا.
وقال بنشقرون أن تنظيم هذه الدورة، تزامن مع مناسبة دولية ذات دلالة خاصة، تتمثل في اليوم العالمي لليتيم الذي أقرته منظمة التعاون الإسلامي، موضحا أن هذا الاعتراف الدولي جاء بعد مبادرة تقدمت بها إحدى المؤسسات الشريكة للجمعية، ما أسهم في اعتماد هذا اليوم رسميا على مستوى المنظمة، وهو ما أضفى على هذه الدورة بعدا إضافيا، وفتح المجال أمام تعزيز الانفتاح على شركاء دوليين مهتمين بدعم قضايا الطفولة.
وأشار بنشقرون إلى أن هذا الانفتاح مكّن الجمعية من تعزيز علاقاتها مع مؤسسات خارجية، من بينها مؤسسة شريكة بتركيا أبدت استعدادها لمواكبة برامج الجمعية ودعم الأطفال المستفيدين من خدماتها.
وأوضح أن هذا التعاون يجري العمل على بلورته عبر حوار مشترك يهدف إلى تحديد مجالات الاستفادة الممكنة لفائدة الأطفال، سواء في مجالات التكوين أو المواكبة الاجتماعية أو غيرها من المبادرات ذات الطابع التربوي والإنساني.
♦تطور السياسات العمومية للطفولة
سجّل رئيس الجمعية المغربية لليتيم أن مجال حماية الطفولة في المغرب يعرف خلال السنوات الأخيرة دينامية متنامية، بفضل عدد من المبادرات والبرامج التي أطلقتها الدولة لتعزيز حماية الأطفال وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، معتبرا أن هذه الدينامية تعكس توجها عاما نحو إيلاء اهتمام أكبر لقضايا الطفولة، خاصة من خلال إطلاق مشاريع ومؤسسات جديدة تُعنى بحماية الأطفال وضمان حقوقهم الأساسية.
ولفت بنشقرون إلى أن من بين هذه المبادرات إحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، التي تهدف إلى تطوير آليات التكفل بالأطفال في وضعيات صعبة، إضافة إلى اعتماد نظام الدعم الاجتماعي المباشر الموجه للأطفال، والذي يوفر حاليا مساعدة مالية تقدر بنحو 500 درهم.

وأوضح أن هذا الدعم يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز الحماية الاجتماعية، مع التأكيد على ضرورة العمل مستقبلا على تطويره بما يتلاءم مع متطلبات العيش الكريم للأطفال المستفيدين.
ونوّه المتحدث بالدور الذي تضطلع به صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة مريم من خلال رئاستها للمرصد الوطني لحقوق الطفل، معتبرا أن هذه المؤسسة تساهم بدور مهم في متابعة أوضاع الطفولة والدفاع عن حقوقها وتعزيز حضور قضايا الأطفال ضمن السياسات العمومية.
وأكد بنشقرون، في المقابل، أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال تحتاج إلى مواصلة العمل والتفكير في حلول إضافية تضمن تحسين أوضاع الأطفال الأيتام والمتخلى عنهم، مبينا أن أحد التحديات المطروحة يتمثل في وضعية الأطفال داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ومعتبرا أن الإقامة الطويلة داخل هذه المؤسسات لا تمثل دائمًا البيئة المثلى لنمو الطفل.
ودعا رئيس الجمعية إلى تعزيز التوجه نحو تمكين الأطفال من العيش داخل وسط أسري، باعتباره الإطار الطبيعي لنموهم النفسي والاجتماعي، مشيرا إلى أن الجمعية تدافع عن أولوية تمكين الطفل من العيش داخل أسرته البيولوجية كلما كان ذلك ممكنًا، وفي حال تعذر ذلك، البحث عن بدائل أسرية تضمن له الاستقرار العاطفي والاجتماعي.
وطرح بنشقرون كذلك عددا من القضايا التي ترى الجمعية ضرورة فتح نقاش مجتمعي حولها، من بينها مسألة الاعتراف بالأطفال المولودين خارج مؤسسة الزواج، سواء طواعية أو عبر وسائل إثبات علمية مثل الخبرة الجينية، إضافة إلى التفكير في صيغ قانونية جديدة قد تسمح بإيجاد حلول أسرية مستدامة للأطفال الذين يعيشون خارج الإطار الأسري التقليدي.
♦برامج دعم التمدرس والإدماج
تعمل قال رئيس الجمعية المغربية لليتيم، أن الأخيرة تعمل على تنفيذ مجموعة من البرامج والمبادرات التي تمتد على مدار السنة، وتركز أساسا على دعم تمدرس الأطفال ومواكبتهم في مساراتهم التعليمية والتكوينية.
وأبان أن الجمعية تعتمد في عملها على محورين استراتيجيين رئيسيين، يتمثل الأول في الدعم الاجتماعي والتربوي المباشر للأطفال، فيما يتعلق الثاني بالعمل الترافعي للدفاع عن حقوق الأيتام والمتخلى عنهم.

وأظهر أن البرامج الاجتماعية التي تنفذها الجمعية تشكل دعم التمدرس من خلال تسجيل عدد من الأطفال في مؤسسات التعليم الخصوصي، إضافة إلى المساهمة في أداء مصاريف الدراسة بالنسبة لبعض الحالات، إلى جانب توفير الأدوات والكتب المدرسية اللازمة مع بداية كل موسم دراسي، مضيفا أن الجمعية تعمل أيضا على توفير التوجيه والإرشاد التربوي للأطفال، بما يساعدهم على اختيار مساراتهم الدراسية والمهنية بشكل مناسب.
وأفاد أن الجمعية تعتمد في تنفيذ هذه البرامج على شبكة من الشراكات مع عدد من المؤسسات التعليمية داخل المغرب، حيث تم في الآونة الأخيرة توقيع اتفاقيات تعاون مع مجموعة من المدارس الخاصة التي وافقت على استقبال عدد من الأطفال المستفيدين من برامج الجمعية داخل مؤسساتها التعليمية، معتبرا أن هذه المبادرات تفتح آفاقا جديدة أمام الأطفال للاستفادة من تعليم جيد وتعزيز فرص اندماجهم مستقبلا في المجتمع.
وأضاف أن الجمعية تسعى كذلك إلى مرافقة الأطفال بعد مرحلة التعليم الثانوي، عبر مساعدتهم على الولوج إلى مؤسسات التعليم العالي أو برامج التكوين المهني، موضحا أن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية تروم تمكين الأطفال من اكتساب مؤهلات علمية ومهنية تساعدهم على الاندماج في سوق الشغل وتحقيق استقلاليتهم الاقتصادية.
وكشف المتحدث أن الجمعية وقعت عددا من اتفاقيات الشراكة مع مؤسسات تكوين داخل المغرب وخارجه، من بينها برامج تكوين ما بعد البكالوريا في بعض الدول، بما في ذلك تركيا، حيث يُنتظر أن تتيح هذه الشراكات فرصا إضافية للتكوين والتأهيل لفائدة عدد من الأطفال المستفيدين.

وذهب بنشقرون إلى أن قضية الأيتام والمتخلى عنهم تظل مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب انخراط مختلف الفاعلين، سواء المؤسسات العمومية أو المجتمع المدني أو القطاع الخاص، موضحا أن الطفل اليتيم أو المتخلى عنه ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره طفلا من أبناء المجتمع بأكمله، يستحق التمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها باقي الأطفال، بعيدا عن الصور النمطية التي تختزل وضعه في إطار الإحسان أو العمل الخيري فقط.
وخلص إلى أن الرهان الحقيقي يتمثل في تمكين هؤلاء الأطفال من فرص متكافئة في التعليم والحماية والرعاية، انسجاما مع ما ينص عليه الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل، داعيا مختلف مكونات المجتمع إلى مواصلة دعم المبادرات التي تروم تحسين أوضاع هذه الفئة وتعزيز اندماجها الكامل داخل المجتمع.


