أثار مشروع المرسوم المتعلق بتحديد ثمن الدواء جدلا لافتا داخل الجسم النقابي للصيادلة، بعدما انقسمت المواقف بين اتجاه داعم لمسار الحوار مع وزارة الصحة والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، واتجاه آخر اختار التصعيد والاحتجاج.
وقد أعلنت ثلاث مركزيات نقابية كبرى، هي الفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب، والنقابة الوطنية لصيادلة المغرب، والاتحاد الوطني لصيادلة المغرب، تأييدها للتفاعل مع المقترحات الحكومية، معتبرة أن الوزارة أبدت إرادة جادة في معالجة الملف.
واستدلت هذه النقابات على موقفها بالاجتماع التقني الأخير الذي جمعها بمسؤولي الوزارة والوكالة، حيث جرى التطرق للآليات القانونية والإجراءات التقنية المرتبطة بتفعيل إصلاح منظومة تحديد أسعار بيع الأدوية، في انتظار رأي مجلس المنافسة.
وفي المقابل، سلكت كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب مسارا مختلفا، بعد أن لم توجه لها الوزارة أي دعوات لحضور الاجتماعات عقب الإضراب الذي نظمته، معتبرة أن ذلك يعكس تجاهل الوزارة لملاحظاتها الجوهرية بشأن مشروع المرسوم.
وهذا الموقف فجّر سجالا علنيا مع النقابات الثلاث، التي وصفت خطاب الكونفدرالية بـ “المغالطات والأكاذيب” و”التشويش”، بينما ردت الأخيرة بأن الأمر لا يعدو أن يكون سوء تقدير.
♦خلاف حول مرسوم الدواء
أكد محمد الحبابي، رئيس كونفدرالية نقابات الصيادلة، أن الجدل القائم بشأن مرسوم تحديد أسعار الأدوية لايعدو أن يكون سوء تقدير، مشددا على أن الحديث عن تجاوب وزارة الصحة مع مطالب المهنيين غير دقيق على الإطلاق، ما دامت النسخة النهائية من المشروع لم تُسلَّم بعد لأي نقابة.
وأوضح رئيس كونفدرالية نقابات الصيادلة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأمر يتعلق فقط باصطفاف بعض المكونات النقابية إلى جانب الإدارة، في خطوة اعتبرها منافية لأبجديات العمل النقابي، لأنها تعكس سوء تقدير من طرف زملاء في المهنة.
وانتقد الحبابي هذه النقابات الثلاث، موضحا أن واحدة منها فقط لها وجود فعلي بينما البقية لا يتجاوز عدد منتسبيها عشرة أعضاء، مما يجعل إعلانها مساندة الوزارة دون الاطلاع على النسخة النهائية للمشروع مجرد موقف فاقد للشرعية.
وأضاف أن الوضع الراهن خلق غضبا عارما لدى القاعدة الصيدلانية، التي اعتبرت أن مطالبها لم تجد أي تجاوب، ودعت الكونفدرالية إلى التصعيد في المواجهة.
وتابع أن الوقفة الاحتجاجية الأخيرة أمام وزارة الصحة كانت حاشدة بشهادة الإعلام، مشيرا إلى أن المجلس الوطني للكونفدرالية سيعقد اجتماعا لتدارس أشكال تصعيدية جديدة ضد هذا التجاهل الرسمي.
واستطرد على أن كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب لم تقاطع الحوار، بل لم يتم توجيه أي استدعاء لها لحضور الاجتماعات التي تلت الوقفة الاحتجاجية، وهو ما يعتبره خطأً استراتيجيا من طرف الوزارة.
♦رفض للتجاهل النقابي
وفي السياق ذاته، انتقد الحبابي بشدة تجاهل وزارة الصحة للمقترحات التي تقدمت بها النقابة، مبرزا أن مستشارة الوزير أكدت له أنه لم يُؤخذ بعين الاعتبار أي اقتراح من مقترحات الصيادلة، في حين تم الاعتماد على مطالب الصناع.
وبيّن أن المرسوم الحالي ليس سوى النقطة التي أفاضت الكأس، إذ أن الكونفدرالية قدمت ملفا مطلبيا متكاملا اشتغلت عليه مع الوزارة لأكثر من ثمانية عشر شهرا داخل لجنة مشتركة، لكنه بقي حبيس الرفوف دون تفعيل.
وأظهر أن المطالب المطروحة لا تتطلب من الدولة أي تكلفة مالية، بل تتعلق فقط بتحيين قوانين وتطوير مهنة الصيدلة بما ينسجم مع ما هو معمول به في دول الجوار والعالم.
وشدد على أن استمرار الوزارة في التعامل مع الملف بمنطق الانتقائية يفرغ الحوار الاجتماعي من محتواه الحقيقي، ويفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان وسط الصيادلة الذين يصرون على تنزيل جميع المطالب دون استثناء.
♦تضارب مصالح واضح
وفي الإطار ذاته، أشار الحبابي إلى أن وزارة الصحة استعانت بمكتب دراسات وصفه بـ”غير المحايد”، موضحا أنه مرتبط بشخصيات منتمية لحزب سياسي وله علاقة مباشرة بمصانع الأدوية، مما يطرح إشكالية تضارب المصالح.
وأبرز أن هذا المكتب خلص إلى أن 157 دواء مرتفع الثمن يشكل عبئا ماليا كبيرا على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث تمثل هذه الأدوية 57 في المئة من مجموع نفقاته الدوائية.
وانتقد الحبابي بشدة توجه الوزارة إلى خفض أسعار الأدوية الرخيصة التي يقل سعرها عن 100 درهم، مبرزا أن هذه الفئة لا تشكل سوى 5.5 في المئة من النفقات الإجمالية للصندوق.
وأورد أن أي تخفيض في أسعار هذه الأدوية لن يكون له أثر ملموس على المواطنين أو على ميزانية الصندوق، بل ستكون نتائجه سلبية على الأمن الدوائي الوطني، لأن المصنعين سيلجؤون إلى سحبها من السوق لغياب الجدوى الاقتصادية.
واعتبر أن هذا النهج يفتح الباب أمام أزمة انقطاع الأدوية، مستشهدا بما أعلنته جمعية حماية المستهلك عن اختفاء أكثر من 600 دواء من السوق الوطنية نتيجة سياسات اعتبرها عرجاء.
وذهب إلى أن الحل يكمن في خفض أسعار الأدوية التي تثقل كاهل المرضى والصناديق، لا في إضعاف سوق الأدوية الرخيصة.
♦تفاوتات وأسئلة جوهرية
وفي الاتجاه ذاته، شدد الحبابي على أن الفوارق الصارخة في أسعار الأدوية بين المغرب ودول أخرى مثل تركيا وفرنسا تعكس تواطؤا واضحا بين الوزارة والمصنعين، مؤكدا أنه لا يعقل أن يُباع دواء بعشرة آلاف درهم محليا بينما لا يتجاوز سعره 600 درهم في تركيا.
وانتقد النقابي الوزارة لأنها الجهة المخولة بتحديد ثمن الدواء قبل طرحه في السوق، ورغم ذلك منحت المصنعين هوامش ربحية ضخمة تثقل كاهل المواطنين، مطالبا بتطبيق المرسوم الوزاري لتسقيف الأسعار على جميع الأدوية دون استثناء، ومعتبرا أن استمرار الخضوع للوبيات يهدد العدالة الدوائية ويكرس التفاوتات.
وأظهر أن غياب تصنيع محلي للأدوية الباهظة يعود إلى سياسات ترقيعية تنهجها الوزارة، رغم أن المغرب يتوفر على الكفاءات والإمكانات اللازمة لإنتاج أدوية مبتكرة، خصوصا تلك الخاصة بالأمراض الخطيرة مثل السرطان.
وخلص إلى أن المطلوب هو إلزام المصنعين بالابتكار وتطوير الصناعة الوطنية، حتى لا يبقى المغرب رهينا للاستيراد المكلف والخيارات الضيقة التي تفرضها لوبيات عابرة للحدود.

