اختتم المغرب سنة 2025 بمؤشرات اقتصادية متباينة، طغى عليها تراجع ملحوظ في مستويات التضخم، مقابل انتعاش بارز للنشاط الفلاحي الذي استعاد بعضًا من ديناميته بعد موسم صعب خلال السنة الماضية، حيث ساهم هذا التحسن في تلطيف حدة التباطؤ الذي طبع أداء الاقتصاد الوطني خلال الفصل الثالث من السنة ذاتها، بعدما تقلصت وتيرة نمو الناتج الداخلي الإجمالي إلى 4% عوض 5% سنة قبل ذلك، وفق أحدث المعطيات الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط.
ورغم الدور الأساسي للطلب الداخلي في جر عجلة النمو، فإن الحاجة لتمويل الاقتصاد الوطني تزايدت بفعل اتساع الفارق بين الواردات والصادرات؛ ما يعكس هشاشة التوازنات الخارجية وضعف قدرة الصادرات على مواكبة ارتفاع الطلب وتنافسية الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، سجلت القطاعات غير الفلاحية تباطؤًا واضحًا في وتيرة نموها، لا سيما الصناعة والخدمات التي تضررت فيها قطاعات النقل والسياحة والأنشطة المالية، وهو ما قد يثير نقاشًا واسعًا حول قدرة المغرب على تنويع مصادر النمو وعدم الارتهان لدورات الإنتاج الفلاحي، كما تطرح التطورات المسجلة تساؤلات حول مدى قدرة السياسات العمومية على الحفاظ على التحكم في الأسعار، بالتوازي مع تحفيز الاستثمار وتعزيز تنافسية المقاولات الوطنية، وأثر ذلك كله على سوق الشغل وآفاق الانتعاش الاقتصادي خلال السنة الجارية.
❖ الأرقام الظرفية
يرى محمد الشيكر، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن التعامل مع الأرقام الظرفية الصادرة خلال السنة؛ خاصة تلك المتعلقة بالفصل الثالث، ينبغي أن يتم بحذر شديد، مؤكدًا أن التحليل الاقتصادي الرصين لا يستقيم إلا بالاعتماد على معطيات سنة كاملة.
وأبرز الشيكر في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المؤشرات المرحلية تكون في الغالب متأثرة بعوامل استثنائية قد تعطي انطباعًا مضللاً حول الاتجاه الحقيقي للاقتصاد الوطني.
المؤشرات الاقتصادية للمغرب.. هل تكفي السياسة النقدية لتحريك الطلب في ظل تآكل القدرة الشرائية؟
وشدد على أن انتظار نهاية السنة يسمح بتجميع المعطيات الإحصائية في إطار مقارن وموضوعي، يراعي التحولات البنيوية بدل الاقتصار على الظرفيات العابرة.
وأردف أن المسألة لا تتعلق بتسجيل ارتفاع أو تراجع مؤقت، بل بفهم عميق لمسار الاقتصاد المغربي، وإن كان الأمر بصدد تحول هيكلي فعلي أم أنه يكرر أنماطًا تقليدية تتجدد مع كل موسم فلاحي جيد.
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي، على أن ما يتم تداوله من أرقام خلال السنة لا يعكس بالضرورة تغيرًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد، لأن الجوانب الهيكلية الكبرى ظلت في العمق على حالها دون تحول نوعي يذكر.
❖ الفلاحة والمطر
يعتبر محمد الشيكر أن الانتعاش المسجل في القطاع الفلاحي لا يمكن فصله عن العامل المناخي، وبالأساس التساقطات المطرية التي عرفها المغرب خلال سنة 2025.
وأوضح أن الفلاحة المغربية ما تزال إلى حد كبير رهينة بالطقس، حيث يشكل المطر المحدد الأساسي لأدائها، وليس السياسات العمومية أو الإصلاحات الهيكلية.
واستعمل الخبير الاقتصادي توصيفًا دقيقًا حين يقول إن “قطرات المطر تتحول اقتصاديًا إلى نقط في الناتج الداخلي الخام”، في إشارة إلى الأثر المباشر للتساقطات على النمو.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
وغير أن هذا التحسن في نظر رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث؛ يظل خارج نطاق التدخل الحكومي، لأنه مرتبط بعامل طبيعي محض، لا يمكن التعويل عليه كأساس مستدام للنمو.
وبناء على ذلك، يلفت الخبير الاقتصادي إلى أن اعتبار الانتعاش الفلاحي مؤشرًا على تعافي الاقتصاد فيه قدر من التبسيط، لأن الأمر لا يعكس نجاحًا في تدبير السياسات الاقتصادية بقدر ما يعكس ظرفية مناخية مواتية قد لا تتكرر في السنوات المقبلة.
❖ قطاعات مهمشة
في المقابل، يؤكد محمد الشيكر على أن القطاعات الأخرى، وعلى رأسها الصناعة، ما تزال تعاني من التهميش، دون أن تعرف تحولاً نوعيًا يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للنمو.
وأردف رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الصناعة لم تحظَ بالاهتمام الكافي؛ سواءً من حيث الاستثمار أو من حيث إدماجها في رؤية تنموية طويلة المدى.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وتابع أن قطاع الخدمات رغم حضوره القوي في الاقتصاد الوطني، إلا أن القيمة المضافة التي يخلقها تبقى ضعيفة، لكونه يعتمد في جزء كبير منه على أنشطة تقليدية ذات إنتاجية محدودة.
وأكد الخبير والمحلل الاقتصادي على استمرار هشاشة النمو الاقتصادي خارج الفلاحة، وعجز هذه القطاعات المعنية عن تعويض تقلبات الموسم الفلاحي.
وأشار إلى أن ما يجري اليوم لا يعكس أي تحول جديد، مؤكدًا أن “الجديد الوحيد هو المطر”، بينما ظلت بنية الاقتصاد على حالها، دون إصلاحات عميقة تمس جوهر الإنتاج والتشغيل.
❖ التضخم والأرقام
بخصوص تراجع التضخم من 3.7% إلى 1.7%، يعبر محمد الشيكر عن تشكيكه في الأرقام الرسمية، معتبرًا أن الإشكال لا يكمن في الرقم بحد ذاته، بل في المنهجية المعتمدة لاحتسابه.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي أن هناك فرقًا جوهريًا بين التضخم كمعطى إحصائي، والتضخم كما يشعر به المواطن العادي في حياته اليومية.
موقع المغرب في التنافسية المستدامة.. تقدم مهيكل أم فجوات مقلقة؟
وأبرز أن المستهلك لا يقتني السلع المعمرة كالتلفزيون والثلاجة بشكل يومي، بل ينفق أساسًا على المواد الغذائية، وخاصة الخضر، التي تعرف ارتفاعًا ملموسًا في الأسعار، رغم تحسن الإنتاج الفلاحي.
وشدد رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، على أنه من هنا يظهر أن الإحساس العام لدى المواطنين لا ينسجم مع الخطاب الرسمي حول تراجع التضخم.
وأكد على أن هذا التباين بين الأرقام والإحساس الاجتماعي يفرض إعادة التفكير في أدوات القياس، أو على الأقل الاعتراف بحدودها، لأن الاقتصادات لا تقاس فقط بالمؤشرات التقنية، بل أيضًا بمدى انعكاسها على القدرة الشرائية والواقع المعيشي.
❖ اختلالات منهجية
يضرب محمد الشيكر مثالاً آخر بمؤشرات البطالة في الوسط القروي، حيث يتم الإعلان عن نسب منخفضة تتراوح بين 4 و5 %، معتبرًا أن هذه الأرقام، من منظور اقتصادي صرف، تعني بلوغ التشغيل الكامل، وهو ما يتناقض مع الواقع المعاش.
وأضاف أنه لو كانت البطالة في البادية فعلاً بهذه النسب، لكان من المفترض أن تشهد هجرة معاكسة من المدن نحو القرى، وليس العكس الواقع اليوم.
شباب وقاصرون إلى البحر للوصول إلى سبتة.. تنمية تتقدم أم آمال تتراجع؟
وشدد على أن استيراد مفاهيم ومعايير من تجارب دول متقدمة، كفرنسا أو الولايات المتحدة، دون مراعاة خصوصيات المغرب، يؤدي إلى قراءات مضللة للواقع.
ودعا إلى الانتباه لخصوصية السياق المغربي، حيث يتداخل الاقتصاد المهيكل مع غير المهيكل، والمشروع مع غير المشروع، وهو ما يجعل المقاربة الإحصائية الكلاسيكية غير كافية لتشخيص الوضع الحقيقي.
❖ إصلاحات عميقة
فيما يخص الإجراءات المستعجلة لتفادي تحول تباطؤ القطاعات غير الفلاحية إلى إشكال هيكلي، يؤكد محمد الشيكر على أن الأمر يتعلق بمشكل عميق لا يمكن حله بإجراءات ظرفية.
وأبرز رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الاقتصاد المغربي عبارة عن اقتصاد مركب يحتاج إلى رؤية طويلة النفس تمتد لعشر أو خمس عشرة سنة.
وشدد على أن الأولوية في المرحلة الراهنة، ينبغي أن تمنح لإصلاح حقيقي لقطاعي الصحة والتعليم، معتبرًا أن ما يجري حاليًا لا يرقى إلى مستوى الإصلاح العميق، بل قد يؤدي إلى مزيد من تعقيد الأوضاع بفعل منطق “تسليع” الخدمات الاجتماعية.
وحذر من أن تحويل الصحة والتعليم إلى مجرد سلع خاضعة لمنطق السوق لن يؤدي إلى تنمية مستدامة، بل قد يفاقم الفوارق الاجتماعية ويقوض أسس الرأسمال البشري.
❖ التشغيل أولوية
إلى جانب الصحة والتعليم، يشدد رئيس مركز عزيز بلال للدراسات والأبحاث، على أن التشغيل يجب أن يكون في صلب أي استراتيجية اقتصادية.
وكشف عن أن المركز الذي يترأسه أصدر كتابًا يتضمن حلولاً واقعية وملموسة لمعضلة التشغيل، لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل تعتمد على إعادة توجيه السياسات العمومية.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأكد على أن خلق فرص الشغل ليس مسألة تقنية فقط، بل خيار سياسي واجتماعي، يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وتحررًا من المقاربات التقليدية التي أثبتت محدوديتها.
ولفت إلى أن المغرب في حاجة إلى رؤية اقتصادية متكاملة، لا تراهن فقط على المطر أو الظرفيات، بل تؤسس لنمو مستدام؛ قوامه الإنسان والإنتاج والعدالة الاجتماعية.

