انتخب حزب التجمع الوطني للأحرار، مساء السبت الماضي، محمد شوكي رئيسًا جديدًا للحزب، خلال مؤتمر استثنائي احتضنه مركز المعارض محمد السادس بمدينة الجديدة، وذلك بصفته المرشح الوحيد لخلافة عزيز أخنوش، الذي قرر عدم الترشح لولاية ثالثة احترامًا لمقتضيات النظام الأساسي، حيث جاء هذا الانتخاب بأغلبية كاسحة بلغت 1910 أصوات من أصل 1933 صوتًا معبرًا عنها.
وغير أن طريقة الانتخاب، في ظل غياب التنافس والبرامج والبدائل، أعادت إلى الواجهة نقاشًا سياسيًا أعمق حول طبيعة التداول القيادي داخل الأحزاب الكبرى، ومدى قدرة القيادة الجديدة على فرض استقلالية القرار وتقديم رؤية سياسية مغايرة، كما تثار تساؤلات حول حدود الانسحاب الفعلي لعزيز أخنوش من المشهد الحزبي، وما إذا كان الحزب مقبلاً على مرحلة قيادة جديدة أم على إعادة إنتاج النفوذ ذاته بأسلوب مختلف.
رسميا.. “الأحرار” يضع ثقته في محمد شوكي رئيسا جديدا للحزب خلفا لعزيز أخنوش
❖ تحول قيادي
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، ومدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن انتخاب رئيس جديد لحزب التجمع الوطني للأحرار يشكل في جوهره مؤشرًا على دخول الحزب مرحلة مستحدثة في مساره التنظيمي والسياسي.
وأبرز أن عدم استمرار شخص واحد في تدبير الأمانة العامة للحزب يعكس وفق هذا التصور؛ خيارًا واعيًا يندرج ضمن منطق التداول القيادي، وهو أحد المرتكزات الأساسية للديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب السياسية.
وأكد أن هذا التحول لا يمكن فصله عن القواعد القانونية والتنظيمية التي تحكم الأحزاب؛ خصوصًا حين يتعلق الأمر باحترام النظام الأساسي وعدم تكريس الزعامة الفردية طويلة الأمد.
وأردف أن التداول على المسؤولية من هذا المنظور، لا يعد فقط إجراءً شكليًا، بل يحمل دلالات رمزية وسياسية تعكس رغبة الحزب في إظهار التزامه بقيم الحكامة الداخلية وتوازن السلطة التنظيمية.
وأبرز الأستاذ الجامعي أن هذا الاختيار يمنح الحزب فرصة لإعادة ترتيب بيته الداخلي، وفتح المجال أمام وجوه جديدة لتولي مواقع القرار، بما يساهم في ضخ دينامية تنظيمية مختلفة.
واعتبر أن انتقال القيادة في حد ذاته، يشكل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الحزب على تدبير التغيير دون اهتزاز، وعلى ضمان الاستمرارية المؤسساتية بعيداً عن الشخصنة.
❖ رسائل سياسية
يلفت العباس الوردي إلى أن هذا الانتخاب يحمل رسائل سياسية واضحة تتجاوز البعد التنظيمي الداخلي، إذ يسعى الحزب، من خلال هذه الخطوة، إلى تسويق نفسه سياسيًا في سياق التحضيرات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المقبلة لسنة 2026.
واستطرد مدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أنه رغم كون الانتخابات لا تزال تفصلنا عنها بضعة شهور، إلا أن منطق الفعل الحزبي يفرض استباق المواعيد الكبرى بإشارات مدروسة ومؤطرة.
وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس وجود اتفاق داخلي لدى الحزب حول ضرورة تجديد القيادة، ليس فقط على مستوى الواجهة، ولكن أيضًا على مستوى تحفيز القواعد الحزبية.
إشادة رئاسة الأغلبية بإنجازات حكومة أخنوش.. هل تُخفي فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي؟
وأوضح أن التغيير في قمة الهرم التنظيمي يراد له أن يشكل رسالة تعبئة للمناضلين، ودعوة إلى مزيد من العمل والإنتاجية والعطاء، بما يعزز دينامية الانخراط والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
وشدد على أن هذه الرسائل تستهدف أيضًا الرأي العام، إذ يسعى الحزب إلى تقديم نفسه كتنظيم قادر على التجدد، وعلى خلق التنافسية الداخلية، وإبراز الفارق مقارنة بتجارب حزبية أخرى ما تزال رهينة الزعامات المغلقة.
وأضاف أستاذ القانون العام أنه من خلال ذلك، يحاول الحزب المرور إلى “لوحات القيادة الحزبية”، أي الانتقال من مرحلة التدبير التقليدي إلى مرحلة أكثر احترافية في إدارة التنظيم والقرار.
❖ توافق داخلي
في تحليله للبنية الداخلية لحزب التجمع الوطني للأحرار، يرى العباس الوردي أن انتخاب محمد شوكي يعكس درجة من التوافق الداخلي بين القيادات التي تدير أو سبق لها أن أدارت الشأن الحزبي.
وأوضح أن ما وقع يظهر عدم وجود أي صراع بين أجنحة أو صقور داخل الحزب، بقدر ما يشير إلى وجود قادة اشتغلوا وسيشتغلون إلى جانب الرئيس الحالي في إطار من الانسجام النسبي.
وأضاف مدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن هذا التوافق يشكل مؤشرًا على نضج تنظيمي داخل الحزب، حيث يتم الانتقال القيادي دون تصدعات علنية أو انقسامات حادة.
وأبرز أن وجود توافق داخلي يسهل عملية تدبير المرحلة الانتقالية، ويمنح القيادة الجديدة هامشًا أوسع للتحرك، دون أن تكون مثقلة بصراعات الشرعية أو الولاءات المتعارضة.
ولفت إلى أن هذا الانسجام الداخلي ليس غاية في حد ذاته، بل أداة لتقوية صورة الحزب خارجيًا، موضحًا أنه من خلال إبراز وحدته الداخلية، يسعى إلى تقديم نفسه كتنظيم مستقر وقادر على الاستمرار في لعب أدوار قيادية؛ سواءً داخل الحكومة الحالية أو في أفق الاستحقاقات المقبلة.
❖ رهان الاستمرارية
يبرز العباس الوردي أن مجموع هذه المؤشرات تعكس طموح حزب التجمع الوطني للأحرار في الاستمرار في قيادة الحكومة المقبلة.
وأشار إلى أن إعادة ترتيب القيادة، وبناء توافق داخلي، وتسويق صورة التجديد، كلها عناصر تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع الحزب داخل الحقل السياسي الوطني.
وغير أن الوردي يتعامل بحذر مع مسألة إسقاط هذا الاختيار على النتائج الانتخابية المقبلة، إذ يؤكد أنه لا يمكن التكهن بمدى تأثير حلول محمد شوكي محل عزيز أخنوش على هرم الحزب فيما يخص الانتخابات التشريعية المرتقبة.
واعتبر مدير المجلة الإفريقية للسياسات العامة، أن العوامل المحددة للنتائج الانتخابية تظل متعددة ومعقدة، وتتجاوز مسألة تغيير القيادة التنظيمية.
الولاية الرابعة لإدريس لشكر.. هل التمديد تجديد للاتحاد الاشتراكي أم إعلان لشيخوخة الأحزاب؟
وفي هذا السياق، يشدد أستاذ القانون العام على أن نجاح أي انتقال قيادي يبقى رهينًا بقدرة الحزب على ترجمة هذا التغيير إلى سياسات واضحة، وأداء حكومي مقنع، وخطاب سياسي متماسك.
وأكد على أن التجديد الشكلي لدى أي مكون حزبي، في غياب مضمون فعلي، قد لا يكون كافيًا لإحداث الأثر المرجو في سلوك الناخبين خلال الاستحقاقات القادمة.

