تقترب الساحة السياسية بالمغرب من محطة انتخابية جديدة مع اقتراب موعد الاستحقاقات المقررة في 23 شتنبر المقبل، في سياق يتسم بتزايد النقاش العمومي حول مستقبل العمل الحزبي وأدوار المؤسسات المنتخبة.
وتشكل هذه الانتخابات موعدا ديمقراطيا لتجديد التمثيلية السياسية داخل المجالس المنتخبة، كما تفتح المجال أمام تقييم مسار السياسات العمومية وطرح تصورات وبرامج جديدة تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية وتطلعات المواطنين.
وفي هذا الإطار، تكتسب المرحلة التي تسبق هذا الموعد أهمية خاصة، باعتبارها فترة لإعادة ترتيب المشهد السياسي واستعداد مختلف الفاعلين لخوض غمار المنافسة الانتخابية المقبلة.
♦تحولات الفعل الحزبي بالمغرب
سلط الدكتور مصطفى الصغيري، عضو المكتب التنفيذي لمركز سنابل للدراسات والسياسات العمومية، الضوء على التحولات التي يعرفها الحقل السياسي المغربي في سياق اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، معتبرا أن النقاش السياسي الدائر حاليا يتجاوز مجرد تقييم الحصيلة الحكومية إلى طرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع وإمكانيات إعادة بناء الثقة في العمل السياسي.
ويؤكد الصغيري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن اللحظة السياسية الراهنة تتسم بتكاثر الخطابات التقييمية للتجربة الحكومية، وهو ما يجعل النقاش العمومي يميل في كثير من الأحيان إلى التركيز على عرض المنجزات واستعراض الحصيلة، غير أن هذا المنطق، في نظره، لا يكفي وحده لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.
ويشير المتحدث إلى أن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وما يرافقها من ارتفاع في سقف انتظارات المواطنين، تفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع الفاعل السياسي بالمجتمع.
وبحسب الصغيري فالسؤال المطروح اليوم لا يقتصر على ما تحقق من إنجازات أو ما تم تحقيقه من برامج، بل يمتد إلى البحث عن أفق سياسي قادر على إعادة ربط السياسة بالانتظارات الاجتماعية، عبر صياغة رؤية مجتمعية واضحة تتجاوز حدود البرامج الانتخابية الظرفية نحو مشروع سياسي طويل المدى يقوم على الالتزام والمسؤولية المشتركة بين الدولة والمجتمع.
♦التعاقد المجتمعي وإعادة الشرعية
يبرز الدكتور مصطفى الصغيري أن مفهوم التعاقد المجتمعي الذي بدأ يطرح في النقاش السياسي المغربي يستند إلى جذور نظرية عميقة في الفكر السياسي الحديث، خاصة في نظريات العقد الاجتماعي التي شكلت أحد الأسس الفلسفية لفهم نشأة الدولة الحديثة ومصدر شرعيتها.
ويستحضر في هذا السياق إسهامات الفيلسوف الفرنسي Jean‑Jacques Rousseau، الذي اعتبر في كتابه الشهير Du contrat social أن الشرعية السياسية لا تقوم على القوة أو الامتياز، بل على توافق جماعي بين أفراد المجتمع حول كيفية تنظيم السلطة وممارستها.
ويضيف الصغيري أن هذا التصور الفلسفي تطور لاحقا في الأدبيات المعاصرة للعلوم السياسية، حيث قدم الفيلسوف الأمريكي John Rawls تصورا نظريا للدولة العادلة يقوم على مبدأ العدالة كإنصاف وتكافؤ الفرص بين المواطنين، معتبراً أن المؤسسات السياسية مطالبة بضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية داخل المجتمع.
كما يشير إلى أن المفكر الألماني Jürgen Habermas طور مفهوم الديمقراطية التداولية، الذي يجعل الشرعية السياسية نتيجة لنقاش عمومي عقلاني يسمح بمشاركة مختلف الفاعلين الاجتماعيين في صياغة القرار السياسي.
ويؤكد الصغيري أن هذه المرجعيات الفكرية تتيح قراءة مفهوم التعاقد المجتمعي في السياق المغربي باعتباره محاولة لإعادة التفكير في أسس الشرعية السياسية وفي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الأحزاب السياسية بالمجتمع.
وزاد أن الديمقراطية، في هذا المنظور، لا تختزل فقط في المواعيد الانتخابية الدورية، بل تقوم كذلك على تفاعل مستمر بين المؤسسات التمثيلية والمجتمع، وعلى قدرة الفاعلين السياسيين على تقديم رؤى مجتمعية تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.
ويوضح المتحدث أن طرح فكرة التعاقد المجتمعي في النقاش السياسي المغربي يعكس وعيا متزايدا بضرورة تجاوز المقاربة التقليدية للبرامج الانتخابية التي غالبا ما ترتبط بالسياقات الظرفية، نحو تصور أوسع يسعى إلى تحديد الأسس القيمية والسياسية التي ينبغي أن تؤطر العلاقة بين الدولة والمواطن.
وأبرز أن التعاقد المجتمعي، وفق هذا التصور، لا يعني مجرد مجموعة من الالتزامات التقنية أو البرامج القطاعية، بل يعبر عن رؤية شاملة لمستقبل المجتمع، تقوم على مبادئ المشاركة والمسؤولية المشتركة والالتزام المتبادل بين مختلف الفاعلين.
♦الوساطة الحزبية ورهان الثقة
يتناول الدكتور مصطفى الصغيري إشكالية الوساطة الحزبية في الديمقراطيات المعاصرة، موضحاً أن العديد من الدراسات في علم السياسة تشير إلى وجود ما يسمى بأزمة الوساطة الحزبية، حيث تتزايد المسافة بين الأحزاب السياسية والمجتمع نتيجة عوامل متعددة، من بينها ضعف القدرة على ترجمة البرامج السياسية إلى سياسات عمومية ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
وبلفت الصغيري إلى أن عالم الاجتماع السياسي Max Weber اعتبر أن شرعية السلطة السياسية لا تقوم فقط على الشرعية القانونية والمؤسساتية، بل كذلك على قدرة الفاعلين السياسيين على إقناع المجتمع بجدوى اختياراتهم السياسية، حيث المشروعية، في هذا المنظور، لا تُبنى فقط عبر المؤسسات والقوانين، بل أيضاً عبر الثقة التي يمنحها المجتمع للفاعلين السياسيين.
ويتابع المتحدث أن عالم الاجتماع الفرنسي Pierre Bourdieu قدم تحليلاً مهماً لطبيعة الخطاب السياسي، حيث اعتبر أن هذا الخطاب قد يتحول في بعض الأحيان إلى ما يشبه “الرأسمال الرمزي” الذي يسعى إلى إنتاج صورة معينة عن الفعل السياسي، دون أن يعكس بالضرورة العلاقة الفعلية بين الخطاب والواقع الاجتماعي.
وذهب الصغيري إلى أن الخطاب السياسي قد يميل أحيانا إلى تضخيم صورة الإنجاز أو إلى تقديم قراءة إيجابية للتجربة الحكومية، دون أن يعكس بشكل دقيق مستوى تأثير السياسات العمومية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.
وشدد الصغيري أن تقييم السياسات العمومية ينبغي أن يستند إلى تحليل موضوعي لمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وليس فقط إلى السرديات التوثيقية للحصيلة الحكومية أو إلى الخطابات الاحتفالية التي تركز على عرض الإنجازات، حيث أبان أن المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية، في نظره، هو قدرتها على إحداث أثر ملموس في مجالات التشغيل والتنمية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وأبرز المتحدث أن السنوات الأخيرة شهدت بروز نمط من الخطاب السياسي يقوم على إعادة تقديم التجربة الحكومية في صيغة سرديات تواصلية مكثفة تسعى إلى إبراز المنجزات وتقديم قراءة إيجابية لمسار العمل الحكومي، وهو أمر يندرج في إطار التواصل السياسي الذي يشكل جزءا أساسيا من الممارسة الديمقراطية، مبينا أن تضخم هذا الخطاب التواصلي قد يتحول، في بعض الحالات، إلى ما يشبه التمهيد الرمزي للمحطات الانتخابية، خاصة عندما يتم توظيف الحصيلة الحكومية باعتبارها أداة لإعادة بناء الشرعية السياسية.
وذهب الصغيري إلى أن التجارب الديمقراطية المقارنة تؤكد أن المشروعية السياسية لا تُبنى فقط على سردية الإنجازات، بل على القدرة الفعلية للسياسات العمومية على تحسين حياة المواطنين، مبرزا أنه من خلال هذا الوضع يبرز طرح التعاقد المجتمعي باعتباره محاولة للانتقال من منطق الخطاب المرتبط بالحَصيلة إلى منطق المشروع المجتمعي طويل المدى الذي يقوم على رؤية استراتيجية واضحة والتزام سياسي صريح تجاه المجتمع.
ويرى المتحدث أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر يمنح هذا النقاش دلالة خاصة، لأن اللحظة الانتخابية لا تمثل فقط موعدا للتنافس بين الأحزاب السياسية، بل تشكل كذلك اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين السياسيين على تقديم عرض سياسي مقنع يعيد وصل السياسة بالمجتمع، إذ الرهان الانتخابي، في الديمقراطيات المعاصرة، لم يعد يقتصر على تقديم وعود جديدة أو برامج تقنية قطاعية، بل أصبح يرتبط بقدرة الفاعل السياسي على تقديم أفق مجتمعي واضح يعيد المعنى للفعل العمومي.
وخلص الدكتور مصطفى الصغيري إلى أن النقاش حول فكرة التعاقد المجتمعي يعكس تحوّلاً في طريقة التفكير في الفعل الحزبي وفي طبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع، خيث أبان أن التجارب الديمقراطية المعاصرة أظهرت أن الشرعية السياسية لم تعد تُبنى فقط على إدارة السلطة أو تقديم الحصيلة، بل على القدرة على إنتاج رؤية مجتمعية قادرة على إعادة بناء الثقة في العمل السياسي،
واسترسل أن هذا المنطلق، يفتح طرح التعاقد المجتمعي المجال أمام التفكير في نموذج جديد للفعل الحزبي يجعل من السياسة أداة لتأطير التحولات المجتمعية والاستجابة لتطلعات المواطنين، لا مجرد آلية للتنافس الانتخابي الدوري.

