بمناسبة اليوم الوطني لحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، يعاد طرح سؤال جوهري حول مدى تحقق المساواة الفعلية في الولوج إلى الحقوق والخدمات، في ظل استمرار تحديات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الفئة لا تزال تواجه صعوبات متعددة، تتراوح بين محدودية الولوج إلى التعليم والتشغيل، وضعف الاستفادة من الحماية الاجتماعية، إلى جانب استمرار الصور النمطية التي تعيق مشاركتها الكاملة في الحياة العامة.
ويبرز هذا الموعد الوطني كفرصة لتقييم السياسات العمومية، وتعزيز الالتقائية بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تفعيل المقاربة الحقوقية بشكل فعلي، والانتقال من التدابير الجزئية إلى حلول شاملة ومستدامة.
كما يظل تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة النساء، من شروط المشاركة الكاملة، مدخلا أساسيا لبناء مجتمع أكثر إنصافا وتوازنا، قائم على الكرامة وتكافؤ الفرص.
♦فجوة بين القانون والتطبيق
أكدت سميرة بختي، رئيسة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم لا يرتبط بغياب النصوص القانونية، بل باستمرار الهوة بين ما تنص عليه القوانين وما يتحقق فعليا على أرض الواقع، مشددة على أن هذه الفجوة تمس بشكل مباشر جوهر الحقوق الأساسية المرتبطة بالكرامة والمساواة وعدم التمييز، موضحة أن دستور 2011 والقانون الإطار 97.13، إلى جانب الالتزامات الدولية، تشكل أرضية متقدمة، غير أن أثرها يظل محدودا في ظل تعثر التنزيل وغياب آليات ناجعة للمساءلة والتتبع.
وأبرزت رئيسة المنظمة المغربية لحقوق النساء في وضعيات إعاقة في تصريح لجريدة “شفاف”،أن المعطيات الرسمية تكشف حجم الإشكال، حيث تمثل نسبة الأشخاص في وضعية إعاقة حوالي 6.8 في المائة من مجموع السكان، وهي فئة لا تزال تعاني من إقصاء بنيوي متعدد الأبعاد، سواء على مستوى الولوج إلى الخدمات الأساسية أو المشاركة في الحياة العامة، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يعكس اختلالا في ترتيب الأولويات العمومية، ويؤكد الحاجة إلى إعادة توجيه السياسات نحو إدماج فعلي قائم على الحقوق.
وسجلت أن مظاهر الإقصاء لا تتجلى فقط في المؤشرات الكمية، بل تمتد إلى تمثلات اجتماعية سلبية تعيق الاعتراف الكامل بالأشخاص في وضعية إعاقة كفاعلين أساسيين في المجتمع، وهو ما يفرض، بحسبها، اعتماد مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الظرفية نحو إصلاحات هيكلية مستدامة.
♦إقصاء اجتماعي متعدد الأبعاد
أشارت بختي إلى أن قطاع التعليم يظل من أبرز المجالات التي تعكس عمق التفاوتات، حيث إن أكثر من 60 في المائة من الأطفال في وضعية إعاقة يوجدون خارج المنظومة التعليمية، مقابل نسبة تمدرس لا تتجاوز 40 في المائة، مع تسجيل فوارق أكبر في صفوف الفتيات، مؤكدة أن هذا الوضع يترتب عنه ارتفاع مقلق في نسب الأمية التي تفوق 60 في المائة داخل هذه الفئة، مما يشكل انتهاكا صريحا لمبدأ التعليم الدامج والمنصف.
ولفتت إلى أن المؤشرات الاقتصادية لا تقل حدة، إذ لا تتجاوز نسبة النشاط لدى الأشخاص في وضعية إعاقة 13 في المائة، في وقت تعرف فيه معدلات البطالة ارتفاعا ملحوظا مقارنة بباقي فئات المجتمع، موضحة أن ضعف الولوج إلى الحماية الاجتماعية يزيد من تعقيد الوضع، خاصة في ظل التكاليف المرتفعة المرتبطة بالإعاقة، والتي قد تصل إلى ما بين 20 و40 في المائة من دخل الأسر، ما يجعل هذه الفئة ضمن الأكثر عرضة للهشاشة والفقر.
ونبهت إلى أن النساء في وضعيات إعاقة يواجهن تمييزا تقاطعيا ومضاعفا، حيث تتقاطع عوامل الإعاقة والنوع الاجتماعي لتنتج أشكالا مركبة من الإقصاء، مضيفة أن تقارير وطنية ودولية تشير إلى تعرض هذه الفئة لمستويات مرتفعة من العنف، بما في ذلك العنف الجنسي، في ظل ضعف آليات الحماية وصعوبة الولوج إلى مساطر التبليغ والانتصاف.
وأفادت بأن الصور النمطية والأحكام القيمية السلبية لا تزال حاضرة بقوة، إذ ينظر إلى النساء ذوات الإعاقة كفئة تابعة أو غير قادرة، وهو ما يحد من فرص مشاركتهن في مختلف مجالات الحياة العامة، معتبرة أن هذا الواقع يفرض العمل على تغيير العقليات إلى جانب إصلاح السياسات، لأن الإدماج لا يمكن أن يتحقق في ظل بيئة اجتماعية غير داعمة.
♦دعوة لإصلاحات حقوقية شاملة
شددت بختي على أن الولوج إلى العدالة يظل محدودا بسبب غياب الترتيبات التيسيرية المعقولة، ونقص خدمات الترجمة بلغة الإشارة، وعدم ملاءمة الفضاءات والمساطر القضائية، مما يحول دون تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الدفاع عن حقوقهم بشكل فعلي، مؤكدة أن ضعف الولوج إلى المعلومة، خاصة في صيغ ميسرة، يمثل بدوره عائقا إضافيا يكرس الإقصاء.
ودعت إلى ضرورة اعتماد سياسات عمومية دامجة ترتكز على مقاربة حقوقية شاملة، تضمن تعميم التعليم الدامج، والحد من الهدر المدرسي، وتعزيز فرص الولوج إلى سوق الشغل، إلى جانب توسيع الاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية بشكل منصف، مطالبة بإقرار تدابير خاصة لحماية النساء والفتيات في وضعيات إعاقة من مختلف أشكال العنف، مع تعزيز آليات التبليغ والمواكبة.
وأكدت على أهمية اتخاذ تدابير إيجابية لضمان المشاركة الفعلية للأشخاص في وضعية إعاقة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مشيرة إلى أن ضعف تمثيليتهم داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار يعكس غياب إرادة حقيقية للإدماج، معتبرة أن تحقيق المساواة يتطلب الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق الحقوق، بما يضمن الكرامة الكاملة لجميع المواطنات والمواطنين.
وجددت بختي تأكيدها على أن بناء مجتمع دامج وعادل يمر عبر التزام فعلي بتفعيل القوانين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك الأشخاص في وضعية إعاقة، وخاصة النساء، في صياغة السياسات التي تهمهم، باعتبارهم شركاء أساسيين في التنمية وليسوا مجرد مستفيدين منها.

