شهدت العاصمة الإسبانية مدريد، يومي 8 و9 فبراير 2026، سلسلة لقاءات دبلوماسية مكثفة جمعت المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، برعاية ومشاركة وفد أمريكي وممثلين عن الأمم المتحدة، في محاولة لإعادة تحريك المسار السياسي لقضية الصحراء المغربية.
وقاد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ، ناصر بوريطة، المباحثات الثنائية مع نظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، إلى جانب مشاركته في الاجتماعات متعددة الأطراف، التي انعقدت في مقر السفارة الأمريكية.
وركزت المحادثات على إيجاد أرضية مشتركة لدفع مفاوضات التسوية، بعد سنوات من الجمود السياسي.
https://x.com/i/status/202087878595693787https://x.com/i/status/2020899696810582441
وأظهرت نتائج الاجتماعات قبول الجزائر لمقترح الحكم الذاتي المغربي كإطار تفاوضي أساسي، ما اعتُبر خطوة مهمة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف، كما جاء هذا التوافق ضمن مسعى دولي لدعم مقاربة الحل السلمي، مع استمرار الولايات المتحدة في لعب دور الوسيط والمنسق بين الأطراف المختلفة.
كما أن هذه التحركات تأتي في سياق تسارع الجهود الدبلوماسية الدولية لإيجاد حل مستدام للنزاع، في ظل دينامية سياسية متصاعدة بين المغرب وإسبانيا ودعم أمريكي واضح لمبادرة الحكم الذاتي، ما يعكس رغبة الأطراف المعنية في المضي قدمًا نحو تسوية نهائية.
♦تغيير واضح في التدبير
أبرز المحلل السياسي عبد الله أبو عواض أن التحرك الدبلوماسي المرتقب، في حال تأكدت معطياته المتداولة إعلاميا، يمثل نقطة تحول نوعية في إدارة ملف الصحراء المغربية، من مرحلة الجمود والمراوحة إلى أفق تفعيل سياسي فعلي، يقوم على إشراف دولي مباشر وتحديد آجال زمنية واضحة، بما يعيد ترتيب المسار التفاوضي ويحد من منطق كسب الوقت الذي طبع الجولات السابقة.
واعتبر أبو عواض في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التحرك المرتقب يعكس إرادة دولية للانتقال من مرحلة إدارة الجمود إلى مرحلة التفعيل السياسي، مؤكدا أن إشراف الولايات المتحدة وبعض القوى الدولية الفاعلة سيعزز مصداقية العملية ويجعلها أكثر واقعية ووضوحا.
وأوضح المتحدث أن تحديد آجال زمنية محددة لأي جولة تفاوضية سيخلق ضغطا إيجابيا على جميع الأطراف، ويمنع الانحراف عن المسار أو الانخراط في سياسات تأجيل القرارات الحاسمة، التي ميزت المراحل السابقة من المفاوضات.
ولفت إلى أن هذا التحرك يضع الأطراف الأخرى، المشاركة في النزاع، أمام اختبار سياسي واضح، وهو إما الانخراط بشكل إيجابي مع مسار يتماشى مع التحولات الدولية، أو مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة داخل المنظومة الأممية، وهو ما يعكس التوجهات الجديدة للمجتمع الدولي تجاه النزاع.
واشنطن تُرسّم رعاية مفاوضات مدريد وتعلن عن الشروع في مناقشات تنفيذ قرار مجلس الأمن بخصوص الصحراء
وبين أبو عواض أن الانتقال من منطق إدارة النزاع المفتوح إلى مقاربة واقعية يعكس تحولا استراتيجيا في مقاربة التسوية، مؤكدا أن أي مسار فعّال سيتطلب التزام جميع الأطراف بجدية وحسن نية، بما يتيح التوصل إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وأشار إلى أن الدينامية الجديدة تسعى إلى فرض منطق الحل السياسي القابل للتطبيق، بدل الانغماس في المماطلة والمناورات التقليدية، وأن إشراك قوى دولية مؤثرة في هذا المسار يعزز فرص إخراجه من دائرة الجمود الطويل.
وأكد أن التفاعل مع هذا التحرك يحتاج إلى مرونة سياسية وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية، مؤكدا أن أي تأخير أو رفض للانخراط في المسار الجديد قد يزيد من عزلة الأطراف المعنية ويضعف موقفها أمام المجتمع الدولي.
تعزيز مرجعية الحكم الذاتي
استعرض أبو عواض دور وثيقة المغرب لمقترح الحكم الذاتي كإطار أساسي لأي مسار تفاوضي مستقبلي، مشددا على أن إعادة تأكيد هذه المبادرة يعزز موقع المملكة كمرجعية مركزية للحل، ويؤكد جدية مقترحها السياسي على المستوى الدولي.
وأظهر أن إدراج المبادرة ضمن قنوات تفاوضية رسمية يزيد من مصداقيتها، ويمنحها اعترافا دوليا أوسع، ويضع الأطراف الأخرى أمام خيارات محددة بين التفاعل الإيجابي أو الانعزال عن العملية السياسية.
وحث على أن المغرب، من خلال تحديث وتقديم مقترح الحكم الذاتي، يراكم مكاسب دبلوماسية ملموسة، بما يعكس التزامه بالمرجعية الدولية ويعزز موقعه التفاوضي كفاعل رئيسي في أي تسوية مستقبلية.
ولفت إلى أن الوثيقة توفر إطارا سياسيا عمليا لتنظيم الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، بما يضمن تطبيقه وفق معايير الحكم المحلي واللامركزية والحكامة الرشيدة، ويحد من أي محاولات للتشكيك في جدوى المبادرة.
وأفاد أن تعزيز المرجعية المغربية يجعلها المرجع الأساسي للمنظمات الدولية عند اتخاذ أي قرار يتعلق بالنزاع، مؤكدا أن نجاح المبادرة يعتمد على تفعيلها في قنوات رسمية بإشراف القوى الدولية الفاعلة، بما يعكس التوافق الدولي حول الحل الواقعي.
وشدد على أن أي تقدم في تفعيل المبادرة سيعكس قدرة المغرب على الحفاظ على موقعه القيادي، ويثبت جدية مقترحه كحل عملي ومستدام للنزاع، كما أنه يعزز موقف المملكة كفاعل مسؤول يقدم حلولا واقعية بدل الاكتفاء بالمواقف الشكلية.
آفاق الحل النهائي المستدام
يرى أبو عواض أن هذا الزخم الدبلوماسي، رغم أهميته، قد لا يؤدي مباشرة إلى حل نهائي وفوري، بالنظر لتعقيدات الملف وتعدد الأطراف، لكنه يمثل خطوة استراتيجية نحو فتح مسار تفاوضي جديد يركز على الحلول العملية.
وقال إن الحل النهائي الذي فرض نفسه دوليا هو مقترح المملكة، القائم على منح حكم ذاتي موسع للأقاليم الجنوبية ضمن إطار السيادة الوطنية، وفق تصور متكامل يضمن الانسجام مع المعايير الدولية للحكم الذاتي والقرارات الأممية.
وأبان أن وثيقة الحكم الذاتي توفر إطارا سياسيا لتحديد معالم التسوية النهائية، وتضع حدًا لمنطق إدارة النزاع المفتوح الذي استنزف الجهود الدبلوماسية لعقود، كما أنها تمكّن الأطراف الأخرى من المشاركة في التسوية ضمن قواعد واضحة ومتفق عليها.
وأورد أن أهمية توفر إرادة سياسية دولية واضحة لضمان نجاح المسار، مشددا على أن الحل المستدام لا يمكن فرضه بالقوة، بل يعتمد على التوافقات الممكنة بين الأطراف، وبقدرتها على الالتزام بالتزاماتها الدولية.
وذهب إلى أن المغرب سيظل صاحب القيادة والسيادة التفاوضية، بما يعكس مصداقيته وتجربته الطويلة في إدارة الملف، ويضعه في موقع حاسم عند تثبيت أي اتفاق نهائي.
وخلص إلى أن نجاح المسار سيؤدي إلى غلق ملف الوحدة الترابية نهائيًا، وفتح صفحة جديدة من الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع تعزيز الدور المغربي كمرجعية دبلوماسية موثوقة داخل المجتمع الدولي.

