كشف ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، في لقاء صحفي بثّته قناة “سي بي أس” الأمريكية، أن واشنطن تعمل على إطلاق وساطة دبلوماسية بين المغرب والجزائر، بهدف التوصل إلى اتفاق سلام خلال ستين يوما.
ويأتي هذا التحرك الأمريكي في سياق إقليمي يتّسم بتعقيد المشهد المغاربي واستمرار الجمود في العلاقات بين البلدين منذ قطعها سنة 2021، رغم الدعوات المتكررة لإعادة بناء جسور الثقة وتجاوز الخلافات السياسية المزمنة.
وتتزامن هذه المبادرة مع تزايد الحاجة إلى استقرار مستدام في شمال إفريقيا، في ظل تقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية للدول المعنية، حيث عبّرت المملكة، في أكثر من مناسبة، عن انفتاحه على الحوار ورغبته في تجاوز منطق القطيعة، مؤكّدة أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى إلا على التعاون وحسن الجوار.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
وفي المقابل، لم يصدر عن الجزائر أي موقف رسمي تجاه التصريحات الأمريكية، ما يجعل مآلات الوساطة رهينة بمدى استعداد الطرفين لتغليب منطق التفاهم على منطق الخلاف.
وعليه، هل يمكن أن تمثّل الوساطة الأمريكية بداية فعلية لإذابة الجليد بين الرباط والجزائر، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويعزز الدور المغربي كفاعل متوازن في المنطقة، أم أن تراكم الخلافات القديمة سيبقي الباب موصدا أمام أي مصالحة قريبة؟
♦تقييم إمكانية نجاح الوساطة
أوضح المحلل السياسي، العمراني بوخبزة، أن تصريحات المبعوث الأمريكي حول إمكانية تحقيق اتفاق سلام خلال ستين يوما تحمل دلالة رمزية مهمة، لكنها تبقى محدودة التأثير على الأرض.
وأشار العمراني في تصريح لجريدة “شفاف”، إلى أن تاريخ التوتر بين المغرب والجزائر طويل ومعقد، وأن النزاعات لم تنتهِ بعد، مما يجعل أي وساطة قصيرة المدى صعبة التنفيذ.
ولفت المتحدث الانتباه إلى أن دور الوساطة الأمريكية لا يقتصر على الضغط السياسي، بل يشمل جانبا احتوائيا لإطفاء الملفات الساخنة وتهيئة أرضية العلاقات المستقبلية، لكنه لا يضمن نتائج ملموسة بشكل فوري.
الدبلوماسية الأمريكية والصحراء المغربية… كيف ستؤثر التحركات الأخيرة على موازين القوى الإقليمية؟
وبين الخبير أن فتح قنوات التواصل بين الأطراف يُعد خطوة أولية ضرورية، لكنها لا تكفي لإرساء الثقة المتبادلة، موضحا أن إعادة العلاقات الدبلوماسية تتطلب خطوات متدرجة تشمل النقاش حول الملفات العالقة والتفاوض حول القضايا الحساسة، إضافة إلى بناء الثقة تدريجيا بين الجيران.
وأضاف بوخبزة أن أي توقع لتحقيق اتفاق شامل خلال فترة قصيرة يحتاج إلى مراعاة الفوارق العميقة في المواقف، سواء على مستوى القيادة أو على المستوى الشعبي، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة.
وتابع المحلل أن الرهان الأمريكي يتمثل في فتح آفاق جديدة للعلاقات، لكنه شدد على أن هذه المبادرة تبقى قابلة للاستثمار أو للتجاهل من قبل الأطراف حسب إرادتهم.
وذكر أن أي نجاح محتمل يتوقف على قدرة الأطراف على استثمار المبادرات الخارجية، دون توقع نتائج مباشرة أو نهائية خلال ستين يومًا.
وشدد بوخبزة على أن الوساطة الأمريكية قد تُسهم في وضع الملفات على الطاولة للتفاوض، لكنها لن تتمكن من إزالة العوائق الجذرية أو تجاوز الضغائن المتراكمة بين المغرب والجزائر إلا إذا توفرت إرادة حقيقية ومستدامة من الطرفين.
♦التحديات التاريخية والسياسية
لفت بوخبزة إلى أن الرواسب التاريخية والسياسية تمثل عقبة كبيرة أمام أي اتفاق سريع، مبينا على أن الاختلافات لم تعد محصورة على المستوى القيادي فقط، بل وصلت إلى الشعوب، حيث تنعكس التوترات في المواقف الشعبية تجاه الطرف الآخر، وفي تصورات المواطنين الجزائريين عن المغرب، وفي الإعلام الذي رسخ صورة سلبية عن المملكة.
ونبه إلى أن هذه العوامل تجعل عملية بناء علاقات سوية أمرا معقدا للغاية، وأن تجاوز الضغائن القديمة يتطلب خطوات متدرجة ومستمرة.
موسكو والرباط.. هل تمنح اللجنة المشتركة لروسيا “مخرجاً دبلوماسياً” لدعم خطة الحكم الذاتي؟
وأظهر المحلل أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لكنها غير قادرة على فرض إرادتها مباشرة على العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر.
وأبان أن المغرب سبق أن عبر عن يده الممدودة عدة مرات دون أن يتلقَ تجاوبا واضحا من الجزائر، في حين كانت الردود الجزائرية تعكس أحيانا ضغائن دفينة تجاه المملكة.
وذهب بوخبزة إلى أن هذه الديناميات تجعل الوساطة قصيرة المدى محدودة الفاعلية، وأن بناء الثقة يستدعي جهودًا طويلة وصبرًا متواصلًا.
ولمح المحلل إلى أن القضايا الحساسة مثل ملف الصحراء المغربية تزيد من تعقيد الوضع، وأن الولايات المتحدة قد تحاول التأثير عبر أدوات الضغط الدولي، لكنها لا تستطيع معالجة الخلافات الجذرية بين الطرفين إلا إذا أبدى كل طرف إرادة صادقة للتعاون.
وسجل أن المبادرات الأمريكية يمكن أن تمثل فرصًا لتهيئة الأرضية، لكنها لا تضمن نجاحها إلا إذا استثمرتها الأطراف بالفعل وبإرادة سياسية واضحة.
وكشف بوخبزة أن بناء علاقات سوية يحتاج إلى تجاوز تراكمات تاريخية وثقافية وسياسية كبيرة، وأن أي خطوة نحو السلام تتطلب الالتزام بالشفافية والصراحة في المواقف، وعدم الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية أو الرمزية.
وأكد على أن الوساطة الأمريكية، رغم أهميتها الرمزية، لا يمكنها أن تعوض غياب الإرادة الفعلية للطرفين، وأن النجاح يعتمد بشكل كامل على التعاون المغربي-الجزائري الحقيقي.
الصحراء المغربية بين اللجنة الرابعة ومجلس الأمن.. أي مسار يقرب الحل؟
♦ملاحظات مستقبلية للعلاقات
رصد بوخبزة أن الوساطة الأمريكية توفر إمكانية تمهيد الأرضية للعلاقات المستقبلية، وفتح آفاق جديدة للتفاوض بين الأطراف، دون ضمان نجاح مباشر أو فوري.
واستعرض التجارب السابقة، مثل محاولات الاندماج المغاربي والتبادلات التاريخية بين المغرب والجزائر، موضحا أن أي تقدم يتطلب إرادة سياسية صادقة ومستدامة من جميع الأطراف المعنية.
وأشار إلى أن الصعوبات تتراوح بين مستوى القيادات والمستوى الشعبي، وأن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الذهنية عن الطرف الآخر، مما يزيد تعقيد أي محاولة للسلام.
ونوّه بأن بناء صفحة جديدة في العلاقات المغربية-الجزائرية لن يكون سهلاً، لأنه يحتاج إلى تجاوز الرواسب التاريخية وتصحيح الصور السلبية التي رسخها الإعلام والتراكمات السياسية.
وحدد أن أي نجاح محتمل سيكون مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على استثمار المبادرات الأمريكية بشكل فعّال، وبمدى التزامهم بإنشاء علاقات قائمة على الثقة المتبادلة والمساواة، وليس على الضغائن أو المصالح المؤقتة.
وسلّط الضوء على أن المغرب أبدى حسن النية أكثر من مرة، بينما الجزائر لم تبادله نفس الانفتاح، مما يجعل من الصعب توقع نتائج ملموسة خلال فترة قصيرة.
وأوضح أن أي خطوات مستقبلية تحتاج إلى متابعة طويلة وصبر، مع مراعاة التحديات التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
وشدد على أن النجاح المستدام في العلاقات المغربية-الجزائرية يتطلب إرادة حقيقية من الطرفين، ووجود حوار متواصل على جميع المستويات، السياسي والشعبي والإعلامي، لضمان بناء علاقات دائمة ومستقرة.
وخلص إلى أن الوساطة الأمريكية، رغم أهميتها الرمزية والدبلوماسية، لا تستطيع حل المشكلات المتجذرة بين المغرب والجزائر بمفردها، وأن أي تقدم يتطلب التزامًا طويل الأمد، وصبرًا دبلوماسيا، وإرادة صادقة من جميع الأطراف المعنية لتحقيق سلام مستدام وعلاقات سوية.
إغلاق مكتب البوليساريو بدمشق..هل يشكل نقطة تحول في الموقف العربي من الصحراء المغربية؟

