ترأس الملك محمد السادس اجتماع عمل بالقصر الملكي بالدار البيضاء، خصص لإعطاء الانطلاقة التشغيلية للمركب المينائي والصناعي الجديد “الناظور غرب المتوسط”، في خطوة تندرج ضمن الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وترسيخ اقتصاد الموانئ كرافعة مركزية للتنمية والتنافسية، حيث إن هذا المشروع الضخم، المدعوم باستثمارات عمومية وخاصة، وبتكامل بين البنية المينائية والمنصة الصناعية واللوجستية والطاقية، جاء في سياق نجاح تجربة ميناء طنجة المتوسط، واستمرار أشغال ميناء الداخلة الأطلسي، بما يعكس توجهًا وطنيًا لإقامة منظومة مينائية متكاملة ذات إشعاع إقليمي وقاري.
وفي هذا السياق، يطرح إطلاق “الناظور غرب المتوسط” تساؤلات حول مدى قدرته على إعادة توزيع موازين الجاذبية الاستثمارية بين الموانئ الوطنية الكبرى، وحدود تأثيره على تنافسية الصادرات الصناعية واللوجستية للمملكة في محيط متوسطي وإفريقي يشهد سباقًا محمومًا على استقطاب سلاسل الإمداد العالمية، وكما يثير المشروع، بما يتضمنه من مكون طاقي استراتيجي وأول محطة للغاز الطبيعي المسال، أسئلة حول انعكاساته الفعلية على السيادة الطاقية والتنمية المجالية بجهة الشرق، ودوره المحتمل في إعادة تموقع المغرب داخل شبكات التجارة الدولية والتحالفات الاقتصادية الكبرى.
الملك محمد السادس يترأس اجتماع عمل حول المركب المينائي والصناعي الناظور غرب المتوسط
❖ رؤية النمو الاقتصادي
يرى محمد جدري، الخبير والمحلل الاقتصادي، ومدير مرصد العمل الحكومي، أن المغرب اليوم يتحرك ضمن رؤية اقتصادية واضحة المعالم ومحددة الأهداف، تروم إحداث نقلة نوعية في حجم الاقتصاد الوطني خلال أفق زمني متوسط وبعيد.
وأبرز جدري في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأمر لا يتعلق بمجرد مشاريع متفرقة أو تدخلات ظرفية، بل باستراتيجية شمولية تسعى إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام من حوالي 130 مليار دولار سنة 2021 إلى ما يقارب 260 مليار دولار في أفق سنة 2035.
ميناء الناظور المتوسط.. مشروع مغربي طموح يربك حسابات الموانئ الإسبانية
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا الطموح يعكس إرادة سياسية واقتصادية لرفع مستوى الاندماج في الاقتصاد العالمي وتعزيز موقع المملكة المغربية ضمن سلاسل الإنتاج والقيمة الدولية.
وأكد أن هذا الهدف الطموح لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مسار تراكمي حققه المغرب منذ نهاية التسعينيات، حيث تضاعف الناتج الداخلي الخام أكثر من ثلاث مرات منذ سنة 1999.
وهذا التحول في نظره؛ كان نتيجة مباشرة لسياسة استثمارية مكثفة في البنيات التحتية؛ شملت قطاعات حيوية مثل النقل والموانئ والطرق والطاقة، وأسست لبيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي على حدٍ سواء.
وفي هذا الإطار، يعتبر مدير مرصد العمل الحكومي أن الرؤية الحالية لا تقتصر على تحقيق أرقام نمو مجردة، بل تهدف إلى إرساء نموذج تنموي يرتكز على خلق الثروة والقيمة المضافة، وتوسيع قاعدة التشغيل.
ولفت إلى أن ذلك؛ يتعلق أيضًا بربط الاقتصاد الوطني بالتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الاقتصادي العالمي؛ سواءً على مستوى سلاسل الإمداد أو التحولات الطاقية أو التنافس الجيو-اقتصادي بين الأقطاب الدولية.
❖ تراكم التجارب المينائية
يشدد محمد جدري على أن قصة النجاح التي عرفها ميناء طنجة المتوسط تشكل حجر الزاوية في هذا المسار التراكمي، حيث أصبح هذا الميناء من بين أفضل عشرين ميناء على المستوى العالمي، والأول في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط.
وهذا الإنجاز وفق الخبير والمحلل الاقتصادي، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية طويلة النفس راهنت على تحويل الموقع الجغرافي للمغرب إلى ميزة تنافسية حقيقية في قلب المبادلات الدولية.
الاقتصاد المينائي .. كيف عزز المغرب ريادته العالمية في الشحن البحري؟
واستطرد أن هذا النجاح لم يقتصر على رفع الطاقة الاستيعابية أو تحسين المؤشرات اللوجستية، بل أسهم في جذب استثمارات صناعية كبرى في مجالات السيارات والطيران والصناعات التحويلية، وربط هذه القطاعات مباشرة بالأسواق الأوروبية والإفريقية والعالمية.
وأكد على أن هذه العوامل، جعلت من طنجة المتوسط منصة متكاملة تجمع بين الميناء والصناعة واللوجستيك، وتكرس نموذجًا يمكن البناء عليه وتطويره في مناطق أخرى من المملكة.
ومن هذا المنطلق، يرى جدري أن مشروع “الناظور غرب المتوسط”، إلى جانب ميناء الداخلة الأطلسي، يأتي في سياق استنساخ هذا النموذج الناجح وتكييفه مع خصوصيات جغرافية وتنموية مختلفة.
والهدف بحسب تحليله، ليس خلق موانئ معزولة عن محيطها الاقتصادي، بل إرساء شبكة وطنية من الأقطاب المينائية المتكاملة التي تتوزع أدوارها وتتكامل وظائفها، بما يعزز الانفتاح الاقتصادي للمملكة ويقوي قدرتها على التفاعل مع الأسواق العالمية.
❖ انفتاح تجاري ولوجستي
يعتبر جدري أن ميناء “الناظور غرب المتوسط” يمثل رافعة جديدة لتعزيز انفتاح المغرب على محيطه الخارجي؛ خاصة فيما يتعلق بتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير لمجموعة واسعة من السلع.
ولفت إلى أن وجود بنية مينائية من الجيل الجديد، مدعومة بمنصات صناعية ولوجستية متطورة، من شأنه أن يقلص كلفة النقل والزمن اللوجستي، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين؛ سواءً كانوا منتجين أو مصدرين أو مستوردين، هامشًا أكبر للتنافس في الأسواق الإقليمية والدولية.
بين الصيني والأمريكي-الأوروبي.. أي ممر اقتصادي يخدم المغرب في سباق الربط مع إفريقيا؟
ويرى رئيس مرصد العمل الحكومي، أن هذا الانفتاح لا يقتصر فقط على البعد التجاري المباشر، بل يمتد إلى تعزيز مكانة المغرب كمحور عبور استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا وبقية مناطق العالم.
وأوضح أن الموقع الجغرافي للمملكة، عندما يستثمر عبر بنية تحتية مينائية حديثة ومترابطة، يمكن أن يحولها إلى منصة لوجستية قارية تستقطب الشركات متعددة الجنسيات الباحثة عن قواعد إنتاج وتوزيع قريبة من الأسواق الناشئة.
وفي هذا السياق، يلفت جدري إلى أن تطوير هذا النوع من الموانئ المندمجة يعزز أيضًا قدرة المغرب على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، ليس فقط كممر للسلع، بل كفضاء للإنتاج والتحويل والتجميع وإعادة التصدير.
وأشار إلى أن ذلك؛ يفتح آفاقًا أوسع أمام الصناعات الوطنية للانتقال من منطق التصدير الخام إلى منطق التصدير ذي القيمة المضافة المرتفعة، بما ينعكس إيجابًا على الميزان التجاري والنمو الاقتصادي المستدام.
❖ السيادة الطاقية
أحد الجوانب التي يركز عليها محمد جدري في تحليله هو البعد الطاقي للمشروع؛ خاصة ما يتعلق بإدماج مكونات مرتبطة بالغاز الطبيعي المسال داخل المركب المينائي الجديد.
واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا التوجه يندرج ضمن سعي المملكة المغربية لتعزيز سيادتها الطاقية وتقليص هشاشتها أمام تقلبات الأسواق الدولية وأسعار الطاقة العالمية.
وأشار إلى أن توفير بنية تحتية لاستقبال وتخزين وتوزيع الغاز المسال يمكن أن يشكل نقطة تحول في منظومة الطاقة الوطنية؛ سواءً على مستوى دعم القطاع الصناعي أو ضمان تزويد مستقر ومرن لمصادر الطاقة.
وشدد على أن وجود هذا المكون الطاقي داخل ميناء استراتيجي يعزز من قدرة المغرب على تنويع مصادره الطاقية، ويمنحه هامش مناورة أكبر في التفاوض مع الموردين الدوليين.
ويرى أن هذا الاستثمار الطاقي لا يقتصر أثره على الجانب الاقتصادي البحت، بل يمتد إلى البعد الاستراتيجي، حيث يعزز موقع المملكة كفاعل إقليمي في مجال الطاقة، ويفتح المجال أمام شراكات جديدة مع دول وشركات كبرى في هذا القطاع الحيوي.
وأبرز أن هذا العامل سينعكس إيجابًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، عبر تقليص كلفة الطاقة على المدى المتوسط والبعيد، ودعم تنافسية الصناعات الوطنية في الأسواق العالمية.
❖ فرص الشغل والتنمية
يربط جدري بين هذا المشروع المينائي الصناعي وبين خلق الثروة والقيمة المضافة ومناصب الشغل؛ خاصة في الأقاليم المجاورة لمدينة الناظور.
وأردف أن مثل هذه المشاريع الكبرى لا تقتصر آثارها على المؤشرات الاقتصادية الوطنية، بل تمتد بشكل مباشر إلى المستوى المحلي والجهوي، من خلال تحريك عجلة الاقتصاد وخلق دينامية جديدة في سوق العمل.
وأكد على أن وجود منصة صناعية ولوجستية متكاملة بجوار الميناء يفتح المجال أمام استقطاب استثمارات في قطاعات متعددة، من الصناعة التحويلية إلى الخدمات اللوجستية، مرورًا بالتخزين والنقل والتأمين والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد.
مفارقات أرقام سوق الشغل المغربي في 2025.. تراجع في البطالة أم تمدد للشغل الناقص؟
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن كل هذه الأنشطة تشكل مصادر مباشرة وغير مباشرة لفرص الشغل؛ خاصة لفائدة الشباب واليد العاملة المحلية بالناظور والمناطق المجاورة لها.
وشدد على أن الأثر التنموي لهذا النوع من المشاريع يتجاوز البعد الاقتصادي الضيق، ليشمل تحسين البنية الحضرية والخدمات الاجتماعية والبنيات التحتية المحلية.
وأبرز أن ارتفاع وتيرة الاستثمار وخلق فرص الشغل يعزز القدرة الشرائية للسكان، ويحفز الطلب المحلي، ما ينعكس إيجابًا على قطاعات أخرى مثل التجارة والخدمات والسكن، ويؤسس لدورة تنموية متكاملة على المستوى الجهوي.
❖ منصة إفريقية عالمية
يعتبر محمد جدري أن الهدف الاستراتيجي الأبعد للمغرب هو التحول إلى منصة إفريقية متكاملة الأركان، تكون نقطة التقاء بين المستثمرين المغاربة والأجانب والأسواق العالمية.
وأضاف أن المملكة لا تسعى فقط إلى بناء موانئ حديثة، بل إلى إرساء منظومة اقتصادية متكاملة تجعل من أراضيها فضاءً للإنتاج والتصدير وإعادة التوزيع نحو مختلف القارات.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الجيو-اقتصادية الراهنة، حيث تبحث الشركات الدولية عن مواقع آمنة ومستقرة وقريبة من الأسواق الكبرى والناشئة في آن واحد.
وأكد على أن المغرب بفضل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي واستثماراته في البنية التحتية، يمتلك مقومات قوية للتموقع ضمن هذا المشهد التنافسي العالمي.
ونبه إلى أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطًا بمدى قدرة المملكة على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز تكوين الموارد البشرية، حتى تكون هذه البنيات التحتية الكبرى مدعومة برأسمال بشري قادر على مواكبة متطلبات الاقتصاد العالمي الحديث.
وشدد على أنه بهذا المعنى، يصبح “الناظور غرب المتوسط” ليس مجرد مشروع مينائي، بل حلقة جديدة في مسار استراتيجي يروم ترسيخ المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي ودولي وازن.

