تشهد منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط تحولات متسارعة في موازين النقل البحري والخدمات اللوجستية، في ظل المنافسة المتزايدة بين الموانئ المطلة على مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي هذا السياق، كشفت قراءة تحليلية نشرتها صحيفة “لاراثون” (La Razón) الإسبانية، استنادًا إلى دراسة صادرة عن جامعة نافارا (University of Navarra)، عن تفوق ملحوظ للموانئ المغربية مقارنة بنظيرتها الإسبانية خلال السنوات الأخيرة.
ويعزو التقرير هذا التحول إلى الاستثمارات الضخمة التي ضخها المغرب في بنيته التحتية المينائية، وعلى رأسها تطوير ميناء طنجة المتوسط، إلى جانب المشروع الطموح المرتبط بميناء الناظور غرب المتوسط، حيث تؤكد هذه الدراسة أن هذه المشاريع لا تعكس فقط توسعًا لوجستيًا، بل تمثل أيضًا تحولا في التوازنات الاقتصادية بالمنطقة.
❖ أهمية المضيق
يمثل مضيق جبل طارق واحدًا من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب 10 % من حركة التجارة البحرية العالمية.
وتشير التقديرات إلى عبور نحو مئة ألف سفينة سنويًا عبر هذا الممر الحيوي الذي يربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وفي هذا الإطار الجغرافي الاستراتيجي، تتنافس كل من إسبانيا والمغرب على لعب دور المنصة اللوجستية الرئيسية التي تربط أوروبا بإفريقيا والأمريكتين.
وغير أن السنوات الأخيرة شهدت تسارعًا واضحًا في الاستثمارات المغربية في القطاع المينائي، وهو ما مكن المملكة من تعزيز موقعها في هذه المنافسة الإقليمية.
ورغم وجود نوع من التكامل بين الموانئ على ضفتي المضيق، فإن الدراسة تشير إلى أن الاستراتيجية المغربية القائمة على الاستثمار المكثف في البنية التحتية بدأت تؤثر تدريجيًا في توازن القوى اللوجستية في المنطقة.
❖ صعود طنجة
يعد ميناء طنجة المتوسط المثال الأبرز على التحول الذي يشهده القطاع المينائي المغربي، فمنذ إطلاق المرحلة الأولى للميناء سنة 2007، ثم توسعته الكبرى سنة 2019، تحول خلال أقل من عقدين إلى أحد أهم المراكز اللوجستية العالمية.
وتبرز الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ تمكن الميناء سنة 2024 من معالجة نحو 10.24 ملايين حاوية قياسية (TEU)، وهو رقم يفوق بأكثر من الضعف ما سجله ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، الذي بلغ حوالي 4.7 ملايين حاوية خلال الفترة نفسها.
وهذا الأداء جعل طنجة المتوسط يحتل المرتبة الأولى بين الموانئ الإفريقية، كما وضعه ضمن أبرز الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث ترى الدراسة أن تشغيل هذا الميناء الضخم ساهم في تغيير الدينامية الاقتصادية الإقليمية بشكل واضح لصالح المغرب.
❖ عوامل التحول
لا يرتبط التفوق المغربي بحجم الاستثمارات فقط، بل يتأثر أيضًا بعدة عوامل خارجية مرتبطة بالتنظيمات الاقتصادية والبيئية الدولية، ومن أبرز هذه العوامل القوانين البيئية الأوروبية التي تفرض قيودًا متزايدة على انبعاثات النقل البحري.
وتوضح الدراسة أن هذه التشريعات تدفع بعض شركات الملاحة البحرية إلى البحث عن موانئ بديلة خارج الاتحاد الأوروبي لتفادي التكاليف الإضافية.
وفي هذا السياق، يمثل ميناء طنجة المتوسط خيارًا جذابًا، نظرًا لقربه الجغرافي الكبير من السواحل الأوروبية، حيث لا يبعد سوى نحو عشرة كيلومترات عن شبه الجزيرة الإيبيرية.
وبفضل هذا الموقع الاستراتيجي، تستطيع شركات الشحن تفريغ بضائعها في طنجة ثم إعادة توزيعها نحو الأسواق الأوروبية، مع تقليص التكاليف المرتبطة بالرسوم البيئية الأوروبية.
❖ مشروع الناظور
إلى جانب طنجة المتوسط، يبرز مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط بوصفه أحد أهم المشاريع المينائية الجديدة في المنطقة.
ويقع هذا الميناء على الساحل المتوسطي الشرقي للمغرب، حيث يرتقب أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى بين نهاية سنة 2026 وبداية سنة 2027.
وستبلغ الطاقة الاستيعابية الأولية للميناء نحو 3.5 ملايين حاوية قياسية، مع إمكانية رفعها إلى 5.5 ملايين حاوية في المراحل اللاحقة من المشروع.
وستتولى تشغيل محطة الحاويات شركة مرسى المغرب (Marsa Maroc) بشراكة مع مجموعة “سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM)، إحدى أكبر شركات الشحن البحري في العالم.
ويرى محللون أوروبيون أن هذا المشروع قد يعزز موقع المغرب في سوق الخدمات اللوجستية المتوسطية، خصوصًا إذا نجح في استقطاب خطوط ملاحية دولية جديدة.
❖ تفوق تقني
تسلط الدراسة الضوء أيضًا على الفارق التكنولوجي بين الموانئ المغربية الحديثة وبعض الموانئ الإسبانية، فالموانئ الجديدة في المغرب، مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، صممت وفق نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على الأتمتة والرقمنة.
ويتيح هذا النموذج تسريع عمليات الشحن والتفريغ وتقليص زمن انتظار السفن في الأرصفة، وهو عامل حاسم في قطاع النقل البحري العالمي، كما يسمح بتحسين الكفاءة التشغيلية وتقليص التكاليف اللوجستية.
في المقابل، تشير الدراسة إلى أن بعض الموانئ الإسبانية لا تزال تعاني من بطء نسبي في عمليات التحديث التكنولوجي، وهو ما قد يؤثر في قدرتها على جذب أعداد أكبر من سفن الحاويات العملاقة.
❖ أبعاد سياسية
لا تقتصر هذه التحولات على البعد الاقتصادي فقط، بل تمتد أيضًا إلى المجال السياسي والاستراتيجي، فإعادة تشكيل التوازن اللوجستي في مضيق جبل طارق قد تدفع إسبانيا إلى مراجعة سياساتها الاستثمارية في القطاع المينائي.
وتؤكد الدراسة أن مواجهة التحدي المتزايد من الموانئ المغربية يتطلب زيادة التمويل المخصص للبنية التحتية المينائية الإسبانية، إلى جانب وجود إرادة سياسية واضحة لتعزيز موقعها في التجارة البحرية الدولية.
وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز استراتيجيته القائمة على الاستثمار طويل المدى في قطاع الموانئ، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي ومن شبكة الربط البحري المتنامية التي تربطه بمختلف القارات.
❖ تحولات المتوسط
تكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في خريطة النقل البحري في غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث يتجه هذا الفضاء إلى مزيد من التكامل اللوجستي بين ضفتيه.
وفي قلب هذه التحولات يسعى المغرب إلى ترسيخ موقعه كحلقة وصل رئيسية بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
ومع دخول مشاريع مينائية جديدة حيز التشغيل خلال السنوات المقبلة، يتوقع مراقبون أن تتعمق المنافسة بين الموانئ المغربية والإسبانية، ما قد يؤدي إلى إعادة رسم التوازنات اللوجستية في المنطقة خلال العقد القادم.

