أطلقت المندوبية السامية للتخطيط خلال سنة 2026 جيلا جديدا من الإحصاءات حول سوق الشغل بالمغرب عبر البحث الجديد حول القوة العاملة، الذي عوض بشكل رسمي البحث الوطني حول التشغيل، معتمدا على معايير دولية حديثة صادرة عن منظمة العمل الدولية بهدف تحسين دقة قياس مؤشرات الشغل ورصد تحولات السوق بشكل أكثر واقعية.
وأدخل هذا النظام الإحصائي تحولات مفاهيمية عميقة، تمثلت أساسا في إعادة تعريف مفهوم التشغيل ليقتصر حصرا على الأنشطة المؤدى عنها أو الهادفة إلى تحقيق ربح، بعدما كانت بعض الأنشطة غير المؤدى عنها، خاصة المرتبطة بالاستهلاك الذاتي، تدخل ضمن تعريف التشغيل، وهو ما أحدث قطيعة منهجية مع المعطيات السابقة وجعل المقارنات الزمنية المباشرة غير ممكنة.
واعتمدت المنهجية الجديدة تعريفا أكثر صرامة للبطالة، من خلال الانتقال إلى مفهوم البطالة في معناها الضيق، الذي يشترط توفر ثلاثة عناصر متزامنة هي غياب الشغل والاستعداد للعمل والبحث النشط عنه، وهو ما يستبعد فئات كانت تحتسب سابقا ضمن العاطلين، خاصة الأشخاص المتاحين للعمل دون قيامهم ببحث فعلي، أو الذين يبحثون عن عمل دون توفرهم على الجاهزية الفورية.
ووسعت المقاربة الجديدة نطاق قياس هشاشة سوق الشغل، عبر الانتقال من مؤشر وحيد للبطالة إلى منظومة متعددة الأبعاد لقياس نقص استغلال اليد العاملة، تشمل البطالة في مفهومها الضيق، ونقص الشغل المرتبط بعدد ساعات العمل، إضافة إلى فئة اليد العاملة المحتملة، مما يسمح برصد أدق لمستويات الضغط الحالية والمستقبلية داخل سوق الشغل.
وعززت المندوبية الإطار المنهجي للبحث من خلال رفع حجم العينة إلى 135 ألف أسرة سنويا بدل 90 ألفا، وهو ما مكن من تحسين جودة ودقة المؤشرات، خاصة على المستويين الجهوي والإقليمي، إلى جانب تحديث قاعدة المعطيات بالاعتماد على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
واعتمدت آلية جديدة لتدوير الأسر المستجوبة بشكل فصلي وسنوي، بما يسمح بتتبع نفس الأسر جزئيا عبر الزمن، وهو ما يوفر إمكانية تحليل ديناميات سوق الشغل على المدى القصير والمتوسط، ورصد التحولات التي تطرأ على وضعيات الأفراد داخل سوق العمل.
ووسعت مضامين البحث لتشمل قضايا جديدة وذات راهنية، من قبيل صعوبات الولوج إلى سوق الشغل، وانتشار العمل غير المهيكل، وأشكال نقص التشغيل، إضافة إلى التكوين المستمر، بما يعكس توجها نحو فهم أعمق لتعقيدات سوق العمل المغربي.
وسجلت معطيات الفصل الأول من سنة 2026 أن عدد السكان في سن النشاط بلغ 27,8 مليون شخص، موزعين بين فئتين أساسيتين هما الساكنة النشيطة التي تضم المشتغلين والعاطلين وفق التعريف الجديد، والساكنة خارج سوق الشغل التي تشمل أيضا اليد العاملة المحتملة، في إطار مقاربة إحصائية أكثر شمولا لقياس التوازنات داخل سوق العمل.

