شهد ميناء الدار البيضاء خلال الفترة ما بين 17 و31 غشت الماضي تنظيم تمرين عسكري مشترك بين البحرية الملكية ونظيرتها الأمريكية، تركز على مجالات المسح الهيدروغرافي، والغوص التقني، ومعاينة سلامة المنشآت المينائية، حيث حضر جانبا من هذا النشاط البحري مسؤولون مدنيون وعسكريون بارزون من البلدين، في إشارة إلى البعد الاستراتيجي الذي يكتسيه، بما يعكس متانة الشراكة التي تجمع الرباط وواشنطن، ويؤكد في الآن ذاته الرهان المغربي على تطوير كفاءاته البحرية لمواكبة التحديات المتنامية المرتبطة بأمن الموانئ والطرق التجارية الدولية.
وهذا التمرين يثير أيضًا تساؤلات ضمنية حول ما يحمله من رسائل سياسية وأمنية؛ خاصة في سياق إقليمي ودولي مطبوع بتنافس محموم بين القوى الكبرى، وإن كان هذا التعاون العسكري مع واشنطن مجرد تعزيز للقدرات التقنية واللوجستية، أم أنه يبعث برسائل أبعد، ترتبط بموقع المغرب داخل التحالفات البحرية وتوازناته في غرب المتوسط وإفريقيا، وذلك في ظل تصاعد تنافس القوى الدولية والإقليمية بالمنطقة.
نظمت البحرية الملكية بشراكة مع البحرية الأمريكية، خلال الفترة الممتدة من 17 إلى 31 غشت 2025 بميناء الدار البيضاء، تمرينا مشتركا لصقل مهارات أطقم كلا الطرفين في مجال المسح الهيدروغرافي والدراسات التقنية المتعلقة بالمنشآت المينائية. pic.twitter.com/U1kwe3P9Gt
— FAR-Maroc (@FAR_Maroc_) September 1, 2025
❖ شراكة استراتيجية
يرى محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، والخبير في الشؤون الأمنية، أن المناورات البحرية المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية، التي جرت بميناء الدار البيضاء، تعكس بوضوح متانة الشراكة العسكرية بين البلدين.
وقال لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذه المناورات لم تكن مجرد تدريب تقني بحت، بل تجسد رهانًا استراتيجيًا على تعزيز القدرات البحرية للمملكة في منطقة جيوسياسية بالغة الحساسية؛ تمتد من المحيط الأطلسي إلى غرب المتوسط.
وأشار إلى أن التركيز على المسح الهيدروغرافي والغوص التقني ومعاينة المنشآت المينائية، يعكس إدراكًا مشتركًا بين الرباط وواشنطن لأهمية حماية الممرات البحرية الدولية، التي تعد شرايين أساسية لحركة التجارة العالمية، وأيضًا مسرحًا رئيسيًا لأزمات وصراعات معقدة.
وأضاف أنه منذ سنوات، عرفت المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة، أبرزها تصاعد الهجرة غير النظامية وتنامي شبكات الاتجار في البشر والمخدرات والأسلحة، وهو ما جعل من الأمن البحري تحديًا رئيسيًا للدول المطلة على الأطلسي والمتوسط.
وأكد المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، على أنه في هذا التدريب تبرز أهمية الشراكة المغربية الأمريكية، التي تمنح للمغرب سندًا تقنيًا واستراتيجيًا لمواجهة هذه التحديات المتشابكة.
❖ رهانات أمنية
يشدد لعروسي على أن أهمية هذه المناورات تكمن أيضًا في بعدها الأمني، إذ تمثل آلية لتعزيز مراقبة السواحل والموانئ، وتطوير قدرات المغرب في حماية بنياته التحتية البحرية.
وأوضح أن المغرب يرفض أن يكون مجرد “دركي لأوروبا”، وهو الموقف الذي عبر عنه مرارًا، مشيرًا إلى أنه بينما يسعى لحماية حدوده ومصالحه الاستراتيجية، فإنه يفضل بناء شراكات متوازنة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بدل أن يتحول إلى أداة لحماية مصالح الغير على حساب مصالحه الوطنية.
وأردف أن دخول الولايات المتحدة على خط التعاون الأمني البحري في المنطقة، يقطع الطريق أمام محاولات بعض القوى الغربية، وفي مقدمتها فرنسا، لاستعادة أدوارها التقليدية في إفريقيا والمتوسط.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن الرهان الأمريكي اليوم هو على شركاء موثوق بهم مثل المغرب، بما يضمن حضورًا فعالًا في فضاء يشهد صراع نفوذ محتدمًا.
❖ قوة بحرية
في قراءة أوسع، يعتبر الخبير أن هذه المناورات تمثل إشارة واضحة على بداية منح الأولوية للقوة البحرية ضمن المنظومة الدفاعية المغربية.
وتابع أنه بعد سنوات من التركيز على تطوير الترسانتين البرية والجوية، يبدو أن المغرب يستثمر بشكل أكبر في قدراته البحرية؛ انسجامًا مع موقعه الجغرافي الاستثنائي، حيث يطل على واجهتين بحريتين أساسيتين.
ويرى الخبير في الشؤون الأمنية، أن تعزيز القدرات البحرية المغربية لا يقتصر على البعد العسكري الصرف، بل يشمل أيضًا الأبعاد الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية، والأمنية المرتبطة بمحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة.
وأضاف المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن المغرب يسعى ليكون فاعلًا بحريًا مؤثرًا في غرب المتوسط وإفريقيا، وهو ما يجعل هذه المناورات مؤشرًا على توجه استراتيجي طويل المدى.
وذكّر بأن المنطقة تعيش نزاعات إقليمية فرعية وتوترات متجددة، تجعل من الضروري الاستثمار في القوة البحرية باعتبارها عنصر توازن وردع؛ قادرًا على حماية المصالح الوطنية، وردع أي محاولات لزعزعة استقرار المنطقة.
❖ تعدد الشركاء
من النقاط الجوهرية التي يبرزها لعروسي، أن المغرب رغم شراكته الوثيقة مع الولايات المتحدة، يحرص على اعتماد مبدأ “تعدد الشركاء”.
ولفت إلى أن الرباط تحتفظ بعلاقات قوية مع فرنسا وإسبانيا، وتنفتح في الوقت ذاته على روسيا والصين، إضافة إلى دول صاعدة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
وهذه السياسة، التي يسميها لعروسي “التحوط الاستراتيجي”، تمنح المغرب حرية في قراراته، وتجنبه الوقوع في فخ الارتماء في أحضان قطب واحد.
وأبرز أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن الالتزامات المرنة تسمح له بتوسيع شبكة مصالحه، دون أن يقيد نفسه بتقاطبات حادة قد تعرقل حركته الدبلوماسية أو تحد من استقلالية قراراته.
وأشار إلى أن هذا التوجه هو ما يمنح المغرب اليوم قدرة على لعب أدوار متعددة في إفريقيا، دون أن ينظر إليه كامتداد لقوة غربية بعينها، لافتا إلى أن المبادرات المغربية، مثل مبادرة الأطلسي، لقيت تجاوبًا كبيرًا لأنها تقدم حلولًا عملية ومتكاملة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة للقوى التقليدية.
❖ سيناريوهات محتملة
في استشرافه للمستقبل، يبرز لعروسي أن السيناريو الأرجح هو استمرار المغرب في نهج سياسته الحالية القائمة على تنويع الشركاء والانخراط في تعاون عسكري متوازن.
وأردف أن التنافس المحموم بين القوى الكبرى يجعل من المنطقة ساحة مفتوحة لمحاولات تسجيل نقاط نفوذ، لكن المغرب بفضل سياسته المرنة قادر على الاستفادة من هذا التنافس دون أن يتحول إلى رهينة له.
وأوضح أن تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا، مقابل صعود أدوار المغرب، يمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا، خصوصًا أن الرباط لا تطرح نفسها كبديل بل كشريك تنموي وأمني قادر على تقديم مبادرات بناءة، مبرزا أن هذا ما يجعلها تحظى بثقة متزايدة لدى العديد من الدول الإفريقية والغربية على حد سواء.
وشدد على أنه في ظل هذا السياق، يشكل التعاون البحري مع الولايات المتحدة فرصة لتعزيز موقع المغرب كفاعل استراتيجي، قادر على الجمع بين الأمن والتنمية، وبين البعد المحلي والإقليمي والدولي، في مقاربة متكاملة.

